Lazyload image ...
2015-02-02

الكومبس – مقالات: تعد مشكلة اندماج المهاجر مع مجتمعه الجديد من أصعب المشاكل التي يعاني منها القادم الجديد والمجتمع الذي إحتضنه في ذات الوقت. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن نسبة كبيرة من المهاجرين كانت هجرتهم قسرية، أي أنهم لم يكونوا سعداء بترك بيوتهم ومجتمعاتهم ونظام حياة كانوا يعيشونه متوارث منذ مئات السنين، فإن من البديهي القول إن ذلك سيزيد من صعوبة اندماجهم وتقبل تغير نظام الحياة التي كانوا يعيشونها بغض النظر عن كون هذا النظام صحيحا أم لا.

يأتي المهاجر حاملا معه منظومة ثقافية وفكرية عمرها مئات السنوات، كان الإعتقاد بصحتها يترسخ في الوعي الجمعي العربي قرنا بعد قرن. وكانت صورة الآخر في هذا الوعي مشوهة تشوبها الكثير من العقد النفسية ذات المنشأ الديني والإجتماعي في دول العالم الثالث. ويصل الأمر في أحايين كثيرة إلى إلغاء الآخر( الغرب الكافر ) وشيطنته كردة فعل نفسية طبيعية على حالة الفقر والجهل والقمع السياسي التي كان المجتمع يعيشها.

ولم يقف رجال الدين مكتوفي الأيدي بل زادوا الطين بلة من خلال فتاوى تحريم العيش في بلاد الغرب على اعتباره أرض الرذائل.

كل هذا الخليط من عادات وتقاليد بالية وعقد نفسية صعبة الحل وفتاوى دينية بعيدة عن الواقع والفهم الصحيح إضافة إلى عدم الإتصال المباشر مع المجتمع الغربي والإبقاء على صورته الآتية من العقل الديني، كل ذلك أدى إلى نشوء هوية فكرية حملت طابع القداسة، عند الأغلبية، دون الوقوع في فخ التعميم، كان لها دور كبير في زيادة صعوبة عملية الإندماج في المجتمع الأوروبي الجديد.

على الطرف الآخر، نجد مجتمعا قد تحرر من كثير من قيوده الفكرية والدينية والمجتمعية التي كانت تكبّله، بغض النظر نحو الأسوأ أو نحو الأفضل، وبدأ رحلته الفكرية نحو الخروج من قمقم الإنعزال إلى فضاء تقبل الآخر كإنسان.

ولا نقول هنا إن المجتمعات الأوروبية مثالية، بل هي مجتمعات إنسانية لها وعليها. وكثيرا ما تتأثر ببعض وسائل الإعلام التي تعمل بشكل مقصود على شيطنة صورة العرب والمسلمين مستعينة بأفعال الجماعات الاصولية المتشددة. مما يدفع بالمجتمع الأوروبي لاتخاذ موقف حذر من القادم الجديد وافتراض أن وجوده سيسبب المشاكل حتى يثبت العكس.

وتزيد ظاهرة الإسلاموفوبيا تعقيدا وتجعل عملية الإندماج تتطلب جهدا إضافيا من كلا الطرفين.

عندما يصل المهاجر إلى المجتمع الجديد يعيش حالة من الصدمة الثقافية تجعله يتخبط بين كل العادات والتقاليد التي نشأ عليها وبين إمكانية العيش وتقبل مجتمع جديد مغاير تماما لما نشأ عليه. وتكون ردة فعله هنا حدّيّة بمعنى، إما أن يقرر أن يبقى محتفظا بنمط حياته القديم ، عاداته وتقاليده ومنظومته الفكرية، لكي لا يشعر بحالة من العدمية وضياع الهوية أو أن يتخلى عن كل شيء حمله معه من مجتمعه مرتميا في أحضان المجتمع الجديد. وغالبا ما نرى هذه الظاهرة عند شريحة الشباب.

في كلتا الحالتين ينتج لدينا إنسان غير سوي فكريا ولا نفسيا يبقى معلقا في الهواء فلا هو يستطيع أن يطأ الأرض بقدميه ولا أن يحلق في السماء بجناحيه.

إن مشكلة الإندماج هذه تختفي تقريبا عند الجيل الثاني من المهاجرين، ولكن الجيل الأول لا يفتأ يعاني منها ويصارع من أجل البقاء فكريا في مجتمع لا ينتمي إليه ولا ينتمي إلى عاداته ولا تقاليده. ما يزيد في حياة المهاجر ظلمة فوق الظلمة التي يعيشها جراء تركه لبلاده ومعايشته مسلسل الموت والدمار اليومي الذي يطال أهله.

يجب على القادم الجديد إذا أراد أن يعيش متوازنا أن يتحلى بالمرونة الفكرية وأن يطور نوعا من الفلترة الذاتية القادرة على غربلة كل ما يحمله من قيم ومبادئ وعادات وتقاليد، فيحتفظ بما هو إنساني منها يصلح لكل زمان ومكان ويحتفظ بقيمه الدينية الصحيحة التي من شأنها أن تساعد في عملية اندماجه على اعتبار أن الدين إنساني بحت يدعو إلى التعاون والحياة المشتركة مع مختلف المذاهب والمشارب ( لكم دينكم ولي دين ) ويتخلى عن كل ما من شانه أن يخلق فجوة بينه وبين مجتمعه الجديد وكل ما كان نابعا من عادات وتقاليد بالية أضيفت عليها صفة القداسة بعد ذلك.

وفي ذات الوقت، يجب عليه أن لا يكون انبطاحيا مستسلما خجلا من قيمه الدينية ومن عاداته وتقاليده العربية الكريمة، بغية كسب رضا المجتمع الجديد وتملقه.

يجب عليه أن يكون متوازنا قادرا على خلق أرضية عبّدت من المبادئ الإنسانية المشتركة بين مجتمعه القديم والجديد، قيم إنسانية تكون قادرة على مساعدته على بدء حياة جديدة والمساهمة الفعالة في المجتمع الجديد.

10719434_783172101724321_1975859776_n.jpg

رامي عمرو