Lazyload image ...
2014-10-13

الكومبس – مقالات: تختلف آراء اللاجئين السوريين الواصلين الى السويد في ظل الأزمة السورية الحالية. فترى بعضهم سعيدا مستبشرا ينظر إلى الصعوبات نظرة إيجابية، [1] وترى الآخر مقطبا عابسا متحسّرا على رحلة الموت التي انتهت به إلى السويد وعلى المبالغ الطائلة التي دفعها ثمنا لوصوله متسائلا: هل تستحق السويد كل هذا العناء؟

الكومبس – مقالات: تختلف آراء اللاجئين السوريين الواصلين الى السويد في ظل الأزمة السورية الحالية. فترى بعضهم سعيدا مستبشرا ينظر إلى الصعوبات نظرة إيجابية، [1] وترى الآخر مقطبا عابسا متحسّرا على رحلة الموت التي انتهت به إلى السويد وعلى المبالغ الطائلة التي دفعها ثمنا لوصوله متسائلا: هل تستحق السويد كل هذا العناء؟

وإذا أردنا ان نفهم هذا الشعور الذي ينتاب نسبة كبيرة من اللاجئين علينا أن نعرف كيف كانت صورة السويد في أذهانهم قبل المجيء. لقد كانت صورة السويد قبل الأزمة تكاد تكون أسطورية، فالسويد هو ذلك البلد الذي ستنقلب فيه حياتك رأسا على عقب، ستنتهي مشاكلك المادية فور وصولك وستنعم بحياة ملكية كالتي كنت تقرأ عنها في روايات القرن الثامن عشر. ستجد العمل ينتظرك بمدخولات فلكية وستكون في جنة عدن ولكن قبل الموت.

وهذه الصورة المبالغ فيها ليست واقعية فالسويد هو بلد اوروبي أفضل من غيره نسبيا تعتمد سعادتك وتعاستك فيه عليك أنت شخصيا. فمن كان فاشلا في بلده سوف يفشل هنا في أغلب الأحيان ومن كان ناجحا في بلده لن يبذل مجهودا كبيرا هنا حتى يضع قدمه على بداية طريق النجاح.

عندما يقرر شخص ما القدوم إلى السويد فإنه ربّما لا يعلم تماما صعوبة وخطورة الطريق. إن غالبية السوريين الذين وصلوا إليها هربا من الحرب المستعرة في بلادهم عبروا البحار بقوارب الموت من مصر وليبيا وتركيا. قوارب لابد لك قبل ركوبها أن تقبل المقامرة بحياتك كلها دفعة واحدة وإن احتمال الربح مساو تماما لاحتمال الخسارة.

فبعد عبورهم من الجزائر إلى ليبيا برا في رحلة صحراوية لا تقل خطورتها عن خطورة ركوب البحار، إذ يتعرض خلالها آلاف السوريين إلى النشل من قطاع الطرق ليصلوا بعد ذلك إلى ليبيا وقد أنهكهم التعب ليجدوا أنفسهم محشورين في مستودعات صغيرة أو كراجات سيارات في ظروف أقل ما توصف بأنها (غير إنسانية) منتظرين موعد الانطلاق. ثم يخبرهم المهرب بالموعد قبل ساعات على الأغلب. ينطلقون ليلا بالمئات إلى ما يسمى (النقطة) وهي نقطة انطلاق القارب، رجالا ونساءا وأطفالا وحتى شيوخا ليجدوا بانتظارهم قوارب متهالكة أكل عليها الدهر وشرب ورماها أصحابها يائسين من جدواها. فاشتراها المهرب بثمن بخس لينقل بها المهاجرين.

إن كنت من المحظوظين فستحصل على سترة نجاة وإن لم تكن فليس لك إلا ان تركب، مرغما بصراخ المهرب، قارب الموت هذا مستذكرا في أقل من لحظة مشاهد الموت والدمار في بلادك وحياة الأبهة الملكية التي تنتظرك خلف البحار. ولا نستطيع التكلم هنا عن تفاصيل الرحلة في البحر لان كل مفردات العالم لا تكفي لوصف صرخة طفل يرتجف في القارب من البرد. وهكذا يصلون إلى اوروبا ثم يعبرون إلى الشمال منتهى رحلتهم، في رحلة لن ينسوها بعد ذلك لا في الحياة ولا بعد الممات.

عند وصوله إلى السويد، ينسى اللاجئ كل تعبه منتشيا بانتصاره وتحقيقه لهدف كان يراه يوما حلما بعيد المنال. منتظرا ان يجد كل ماكان يحلم به عن السويد منذ الطفولة. وهنا يرى نفسه في طريقه إلى الكامب وفي جيبه ورقة سجل فيها موعد المقابلة بعد ستة أشهر. ستة أشهر سيبقى فيها بمساكن اللاجئين في أحد القرى النائية معزولا لا يفعل شيئا سوى الأكل والنوم مستعرضا، في نشاط عقلي ربما سيتعرف عليه للمرة الأولى في حياته، كل ما مرّ به في حياته منذ ولادته وحتى هذه اللحظة.

وهنا يبدا بالتعرف على واقع الحال عندما يجد من سبقه يعاني من أزمة العمل وأزمة السكن والشعور بالفراغ في بلاد خالية من البشر مساحتها تعادل ثلاثة أضعاف مساحة سوريا يقطنها فقط تسعة ملايين. سيجد نفسه مكبلا عاجزا عن الحركة في مجتمع جديد مختلف كليا عن المجتمعات العربية ويبدأ الشعور بمشكلة الإندماج في المجتمع السويدي وصوتا قويا لا يزال يرن في رأسه (هل تستحق السويد كل هذه الرحلة؟) أضف إلى ذلك الضغط النفسي الرهيب الذي يعانيه اللاجئ جراء قلقه على أهله المتواجدين في سوريا والمعرضين إلى خطر الموت في كل لحظة وحالة الدمار التي تعيشها البلاد، وكل ذلك دون ان يستطيع فعل أي شيء.

كل الأسباب السابقة مجتمعة تؤدي إلى حالة من اليأس واللافاعلية تصيب اللاجئ وتظهر نتائجها على شكل إحساس بالخمول والكسل وعدم القدرة على التفكير إلا بشكل سلبي.

في الواقع إن الصورة في السويد ليست بهذه الدرجة من السوداوية. إن السويد تعتبر من بين أفضل البلدان الأوروبية نسبيا للاجئ السوري، فهي تمنحه حق الإقامة الدائمة غير المشروطة والحصول على الجنسية السويدية بعد خمس سنوات ليصبح اللاجئ السوري مواطنا سويديا لا يختلف عن أصحاب البلد الأصليين أبدا في الحقوق ولا في الواجبات. أضف إلى أن خطة الترسيخ التي تساعد في تعلم لغة البلد والتي تعتبر مفتاحا أساسيا لكل ما يتبعها بعد ذلك.

فمن أراد بعدها أن يعمل سيجد أمامه فرص العمل متوفرة خصوصا إن كان صاحب مهنة ومن أراد أن يتابع الدراسة سيجد القوانين السويدية فيما يتعلق بهذه المسألة تفتح له أوسع أبوابها. وبالرغم من صعود اليمين المتطرف في الإنتخابات السويدية الاخيرة إلا أن غالبية الشعب السويدي يتمتعون باللطف والمودة وتجدهم يسعون جاهدين لتقديم أي خدمة يستطيعون تقديمها لك.

إن السويد بلد يرعى المواهب ويحتفي بها ويساعد كل من يجد في نفسه المقدرة والموهبة في أي مجال من المجالات، يكفي أن تعرف كيف تعرض موهبتك وتسوق نفسك. ولكن تذكر إذا لم تستطع أن تساعد نفسك فلن تفعل ذلك نيابة عنك كل قوى العالم.

يجب ان لا يستسلم الواصل الجديد لحالة الإحباط واليأس التي تصيبه وعليه أن يحاول ان يبقى إيجابيا فاعلا يفكر إنطلاقا من تفاؤله الذي سيفتح له أبواب النجاح بعد ذلك من غير ان ينسى أن امامه طريق طويل لبناء مستقبله الجديد في بلده الجديد.

يجب ان يعرف أن النجاح لا يتعلق بمكان دون مكان آخر، فالنجاح كائن نخلقه نحن بخياراتنا ونتحالف معه بأيدينا من خلال تعبنا وجدنا. المشكلة يا صديقي ليست في السويد ولكن ربما فينا نحن.

رامي عمرو/ السويد