Lazyload image ...
2012-07-05

أعاد تقرير قناة "الجزيرة" الاستقصائي حول وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات هذه القضية بقوة إلى الواجهة بعد مرور نحو سبع سنوات ونصف السنة على رحيل قائد الثورة الفلسطينية المعاصرة على مدى أربعة عقود. وطرح التقرير أسئلة كثيرة في ظل حالة من التجاذب في الساحة الفلسطينية، وانعدام آفاق التسوية مع إسرائيل.

أعاد تقرير قناة "الجزيرة" الاستقصائي حول وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات هذه القضية بقوة إلى الواجهة بعد مرور نحو سبع سنوات ونصف السنة على رحيل قائد الثورة الفلسطينية المعاصرة على مدى أربعة عقود. وطرح التقرير أسئلة كثيرة في ظل حالة من التجاذب في الساحة الفلسطينية، وانعدام آفاق التسوية مع إسرائيل. وسارعت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى التأكيد بأنها لا تمانع في فحص رفات الزعيم الراحل على ضوء ما كشفته القناة القطرية من أنه يمكن أن يكون قضى مسموما بمادة البولونيوم المشعة. وفيما يعزز تحقيق "الجزيرة" شكوك كثير من أبناء الشعب الفلسطيني والعربي حول فرضية اغتيال عرفات مسموما، فإن الانقسام يسود حول ضرورة أخذ عينات من رفاته لتأكيد هذه الفرضية بالمطلق. ويمتد إلى أسباب وتوقيت طرح هذا الموضوع في هذه الفترة بالذات، وفيما إذا كانت تمهيدا لاغتيال سياسي جديد ربما تتبعه تصفيات جسدية كما جرى مع "أبو عمار" الذي ازدادت رمزيته لدى عموم الشعب بعد حصاره الطويل في المقاطعة، ومشاهد خروجه منها قبل عودته إليها جثة دون روح.

ومع التأكيد على أن مئات الكلمات التي يمكن أن تتضمنها هذه المقالة لن تضيف كثيرا، لكني أجد لزاما أن ألفت النظر، بإيجاز، إلى عدد من النقاط حول "كشف الجزيرة" وردود الفعل الفلسطينية والعربية، وانعكاسات ذلك على مصير التحقيقات، وانعكاسات ذلك على الوضع الفلسطيني.

ماذا قتل عرفات؟ أم من قتله؟

وفي البداية لا بد من الإشارة إلى أن التعليقات الأولية من قبل جميع أبناء الشعب الفلسطيني كشفت عن رغبة جامحة في معرفة الحقيقة، وكشف الغموض حول ملابسات وفاة عرفات، ومحاسبة المتسببين المباشرين وغير المباشرين في جريمة قتل مفجر ثورتهم الفلسطينية ورمزهم الأبرز في النصف الثاني من القرن العشرين.

وأبدأ من عنوان تحقيق الجزيرة "ماذا قتل عرفات؟" الذي لم يقدم الكثير باستثناء تثبيت قناعات بأن عرفات مات مسموما وهي معلومات تضمنتها ألوف المقالات والتقارير الإخبارية، منذ وفاته في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني2004 وحتى الآن. لكن السؤال المهم هو لماذا اختارت الجزيرة هذا العنوان؟ ولم تطرح القناة السؤال بصيغة أخرى أكثر تشويقا، من باب كيف قُتل عرفات؟ وهو السؤال الذي حاول التقرير الإجابة عنه.

وعلى أهمية التقرير فإن السؤال الذي يشغل بال المهتمين بوفاة عرفات كان وسيبقى من قتله، وكيف تمت عملية القتل، ومن شارك في هذه العملية، وهي أسئلة لم يتطرق لها التقرير، ومن غير المفهوم لماذا لم تعرض القناة في تحقيقها "الاستقصائي" آراء أي من أعضاء السلطة الوطنية الفلسطينية، أو رفاق درب "أبو عمار"، وإذا كان السؤال المطروح حقا هو: ماذا قتل عرفات؟ من ناحية طبية يبرز التساؤل عن سبب عدم أخذ رأي الطبيب الخاص للرئيس الراحل الدكتور أشرف الكردي الذي قضى هو الآخر منذ نحو ثلاثة أشهر، وأخذ معه أسرارا كثيرة. وعموما فإن السؤال الأهم هو من قتل عرفات وكيف، ومن شارك في تسهيل هذه العملية، ولماذا لم يتم الاستفسار عن مصير عينات للدم قيل إنها أرسلت من رام الله إلى الخارج قبل مغادرة عرفات للعلاج في فرنسا.

أسئلة في رسم السلطة الفلسطينية

لا بد من الاقرار بأن القيادة الفلسطينية أحسنت التصرف بالموافقة سريعا على إعادة البحث في أسباب موت عرفات، بما في ذلك "فحص الرفات من قبل جهة علمية وطبية موثوقة وبناء على طلب وموافقة افراد عائلته"، وأشار الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إلى أن "القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس عباس تعهدت بمتابعة موضوع أسباب مرض واستشهاد الرئيس الراحل، من أجل الوقوف على الحقيقة التي تقطع الشك باليقين بهذا الشأن". لكن هذا لا يمنع من طرح عدد من الأسئلة المنطقية في هذا الشأن وهي:

ما هي النتائج التي توصلت إليها فرق التحقيق الفلسطينية والعربية ؟ فالمعروف أن لجنة برلمانية تشكلت في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 للتحقيق بوفاة عرفات، إضافة إلى لجنة أخرى أسسها رئيس مجلس الأمن القومي الفلسطيني آنذاك أحمد قريع بعد أسبوع واحد من من وفاة عرفات، واكتفت بتقرير مقتضب وبعدها لم نسمع عن أي تقدم أو نتائج جديدة.

لماذا الدعوة إلى لجنة تحقيق دولية؟

وما هو السبب الحقيقي وراء دعوة كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات إلى "تشكيل لجنة تحقيق دولية على غرار لجنة التحقيق الدولية التي شكلت حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري"، ومطالبته العالم "للتعامل مع هذا الملف بالجدية المطلوبة خاصة على ضوء ما كشفته قناة "الجزيرة" الفضائية ". والسؤال المنطقي هنا لماذا يتصرف العالم بجدية مادامت القيادات الفلسطينية لم تتعامل بالشكل المطلوب، ولم تكن شفافة مع شعبها في كشف ملابسات استشهاد عرفات. ولعل الجواب يعلمه كل من مارس العمل السياسي والنقابي بعد شهور من دخول هذا العالم، وهو أن تشكيل لجان، وتعقيد تركيبتها يسهم في تعطيل التوصل إلى أي نتائج. وأن أفضل حل لتمييع أي قضية هو تشكيل لجان كثيرة متداخلة. وبناء على ذلك يحق لنا أن نتساءل، بحسن نية، عن قابلية ما أكد عليه الدكتور صائب عريقات صاحب الباع الطويل في مفاوضة الإسرائيليين حين قال إن المسألة "تتطلب التحقيق بشكل جدي وتوفير كل الامكانيات المطلوبة للجنة التحقيق الدولية للوصول إلى نتائج واعلان نتائج التحقيق في شكل علني ومعرفة من اغتال رئيس الشعب الفلسطيني ياسر عرفات".

وفي هذا السياق لا بد من تسجيل التقدير للسلطة التي لم تتحفنا، كما الأنظمة العربية الأخرى، عن مؤامرة تحيكها "الجزيرة"، وغير ذلك من دلالات وأسباب التوقيت، وأرى أنها تدرك بذلك أن موضوع عرفات موضوع حساس بالنسبة للفلسطينيين والعالم أجمع. لكن السؤال الأهم هو هل كانت السلطة بحاجة إلى تقرير تلفزيوني من أجل إعادة تسليط الضوء على قضية التحقيق بقتل عرفات، بعدما طواها نسيان تسببت به طريقة تعامل رفاق الأمس، وتلكؤهم في كشف الحقائق عن أسباب وفاة عرفات.

ومن الأشياء اللافتة تصريحات اللواء توفيق الطيراوي رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في اغتيال عرفات التي قال فيها "أن تقرير الجزيرة يؤكد تورط اسرائيل في قضية اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل".علما انها قول لا يجانب الحقيقة مطلقاً، لكن المثير أنه شدد على ضرورة "كشف اداة توصيل البولونيوم للشهيد عرفات لجسده وملابسه". ودعا إلى التعاون المشترك مع "الجزيرة" من أجل "الوصول الى الحقيقة والاعلان عنها"، لكن اللواء الطيراوي لم يطلعنا ولو تلميحا إلى نتائج عمل لجنته العتيدة طوال السنوات الماضية.

إسرائيل تنأى بنفسها

وفي المقابل يبرز تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية يغال بالمور الذي نفى وجود علاقة للدولة العبرية في اغتيال الرئيس عرفات، وقال "اذا رغب الفلسطينيون حقا في معرفة الحقيقة فيكفي ان يطالبوا السلطات الفرنسية بتسليمهم الملف الطبي الذي اعده مستشفى بيرسي والذي تسلمته كذلك ارملة عرفات"، ورمى الكرة إلى الملعب الفلسطيني باشارته إلى أنه "اذا تم التكتم على هذا الملف خلال السنوات الماضية، فذلك بلا شك لأن أرملة عرفات ومسؤولين فلسطينيين لديهم ما يخفونه".

ومع التأكيد على أن إسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى في ازاحة عرفات عن صدارة المشهد الفلسطيني، وهي التي حاصرته طويلا في المقاطعة وحيدا دون إخوة ورفاق دربه النضالي، فلابدّ من الاشارة إلى أن اغتيال عرفات الجسدي سبقه اغتيال سياسي على مراحل، وصراع في قمة الهرم السياسي الفلسطيني حول من يجب أن يخلفه، وتكفي العودة إلى السنوات الثلاث التي سبقت وفاة عرفات لمعرفة القوى الرئيسية المتصارعة على كرسي "أبو عمار"، وتحالفاتها الداخلية والخارجية.

تساؤلات وتساؤلات

وبعد مرور نحو ثماني سنوات طويلة، هل تتجه الأمور إلى فتح قبر عرفات، للمرة الثانية، وأخذ عينة من رفاته؟، فالشيخ تيسير التميمي الذي كفّنه ودفنه صرح أكثر من مرة تفاصيل تتعلق باخراج الجثة ليلا وإعادة دفنها، وهل تتعامل السلطة الفلسطينية، هذه المرة بجدية، مع شهادات كثيرة من المؤكد أنها سوف تحدد الكثير عند الاجابة عن سؤال: ماذا قتل عرفات؟ وتتجاوز ذلك إلى الكشف عن السؤال الأهم وهو من قتل ياسر عرفات؟ حتى لا يلاقي مصير السؤال الخالد "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" الذي لم نجد جوابا له بعد مرور أكثر من أربعين عاما منذ طرحه الكاتب والقائد السياسي الشهيد غسان كنفاني.

وأخيرا من حق الفلسطينيين طرح تساؤلات عن توقيت بث التحقيق، والغاية منه. لكن السؤال الأهم هو متى ندق جدران الخزان من أجل كنس الاحتلال، وهو أفضل هدية يمكن أن نقدمها لروح وذكرى القائد الخالد ياسر عرفات وكل الذين ضحوا بأنفسهم، وكرسوا جل عمرهم من أجل تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

سامر الياس

روسيا اليوم

5 يوليو 2012

Related Posts