Lazyload image ...
2016-10-02

الكومبس – مقالات الرأي: يصادف رأس السنة الهجرية في بداية شهر اكتوبر تشرين الأول هذا العام، أعاده الله علينا جميعاً بالخير واليمن والبركة. هاجر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة حينما تقطعت به السبل في مسقط رأسه مكة، كان وجوده فيها خطراً على دعوته وحياته بعد أن اتفقت القبائل على التخلص منه والقضاء على الدعوة الإسلامية التي هددت نظامهم، فما كان منه إلا أن هاجر إلى يثرب التي سميت فيما بعد المدينة المنورة ومنها أسس دعائم الدولة التي وصلت إلى مصاف الدول العظمى في إحدى مراحل تاريخها

يحتفل المسلمون بهذه المناسبة بطرق مختلفة، على سبيل المثال لا الحصر اعتاد مسلمو بلاد الشام على طبخ الشاكرية وهي اللحم المسلوق مع اللبن المطبوخ وتحضير حلوى الرز بحليب كي تكون سنتهم بيضاء كهذا الطعام.

انتقلت هذه التقاليد مع المهاجرين إلى بلدانهم الجديدة في أوروبا وأميركا وغيرها وقد شهد العالم أكبر موجة لجوء في العام الماضي 2015

 يمكن لنا أن نحتفل في بلدان اللجوء وأن ندعو أصدقائنا وجيراننا من مواطني البلاد الأصليين إلى مشاركتنا احتفالاتنا هذه، فنعرفهم بموروثنا وثقافتنا وتقاليدنا ونظهر بالتالي أسلوبنا اللطيف والصادق والجاذب فتصبح أعيادنا جزءاً من المناسبات السعيدة في هذه البلاد التي تتميز شعوبها الدؤوبة باحترام المناسبات والعطل وأي فرصة للاحتفال والفرح

 وسأذكر واقعة بسيطة جرت معي في رمضان الماضي في قلب مدينة مالمو الواقعة في جنوب السويد، حيث كنت وزوجي في السوق وكانت هناك خيمة رمضانية أقامتها إحدى الجمعيات، تقدم للناس القهوة المرة والشاي والتمر وبعض الحلوى احتفاءً بقدوم رمضان

 ولتعريف المجتمع السويدي بهذا الشهر الفضيل، وضعت شاشة عملاقة في داخل الخيمة تعرض أحاديث دينية عن رمضان والصوم، آليته وفوائده وثوابه عند رب العالمين، وكان العرض باللغة العربية

 كان المارة يتذوقون الحلوى والتمر ولا يلقون بالاً إلى العرض التلفزيوني فاقترح زوجي على السيدات مسؤولات الجمعية أن يستبدلن هذه البرامج بأناشيد لطيفة عن رمضان، وهذا ما حصل.

 قررت السيدات تجربة لغة أخرى يفهمها الوسط السويدي بكافة مكوناته، لغة الموسيقا، فأصبحت الخيمة محط أنظار المارة يشربون القهوة ويستمعون إلى النغمات الشرقية العذبة، ويقفون دقائق متحدثين مع السيدات عن هذا الشهر وما الذي يعنيه بالنسبة للمسلمين الذين أصبحوا يشكلون قسماً لا بأس به من المجتمع السويدي، فالهجرات إلى هذا البلد مستمرة منذ ستينيات القرن الماضي

 لم تبخل السيدات بالمعلومات على المارة وتشكلت جمهرة لطيفة حول الخيمة التي لفتت أنظار الشعب السويدي المتذوق للموسيقا خاصة والفن بشكل عام، وقد سجلت حفلة المنشدين الذين يؤدون رقصة الميلوية ضمن مهرجانات مالمو الصيفية حضوراً سويدياً قوياً دلالة على اهتمام السويديين بالفنون والثقافات المتنوعة

الغلاف والطريقة التي نقدم بها موروثنا إلى الشعوب الأخرى أمر لا يقل أهمية عن المضمون ذاته، بل هو وسيلة جذابة كي يخوض الآخر في هذا المضمون

 كما أننا بالمقابل يجب أن نتعرف على عادات هذه الشعوب و تقاليدها و موروثها الاجتماعي و الثقافي فنتفاعل مع الأعياد و المناسبات العامة و الخاصة كي نصبح جالية فعالة ضمن مجتمع أكبر وليس جالية ثانوية تعيش على هامش هذا المجتمع.

كما أرجو لمعاني الهجرة النبوية أن تترسخ فينا نحن المهاجرون، فلقد هاجر النبي بعد أن تعرض للاضطهاد بين بني قومه وفي مسقط رأسه، لكنه عاد إلى وطنه الأول الذي يحبه رغم ذلك وهذا دليل على عدم تناقض بين الإسلام والوطنية، كما يدعي البعض، ودليل على أن الهجرة أمر يجبر عليه الإنسان ويفرض عليه.

في النهاية أرجو أن تكون السنة الهجرية الجديدة سنة خير وأمن وسلام على الجميع، وسنة بيضاء مثل حلوى حليب الرز التي سنقدمها على موائدنا بهذه المناسبة.

رنا أبوشنب

مالمو تشرين أول / اكتوبر 2016