Lazyload image ...
2017-01-23

الكومبس – مقالات الرأي: لدى كل انسان محطات قد تلعب دورا أساسيا في تغيير مسار حياته ومستقبله ما يعزز مقولة أن الانسان يجد نفسه مسيرا وليس مخير ؛ فأي قرار مصيري حتى وان كان محسوبا بدقة فان عوامل كثيرة قد تفرض نفسها فتحرفه عن المسار الذي خطه لنفسه .

هكذا كان الحال بالنسبة لي عندما اخترت السفر الى لبنان عن طريق العراق ؛ ولو كنت قد اخترت ليبيا فلربما كانت حياتي قد آلت الى غير ما آلت اليه . 

في الطريق الى المطار مغادرا الولايات المتحدة الأمريكية من العاصمة واشنطن متوجها الى بغداد عاصمة الرشيد قررت أن لا أنظر الى الخلف ؛ لقد قضي الأمر ولا رجعة عن القرار الذي اتخذته لتحقيق حلم سكنني لزمن طويل عنوانه الرئيس العودة الى الوطن الأم ؛ واللحظة العملية قد جاءت لجعل ذلك حقيقة أو لأقل هذا ما كنت أظنه في حينها .

درجات الحرارة في شهر آب في العراق تكون في أعلى معدلاتها  ؛ مع ذلك لم يكن هذا شاغلي  ؛ بل ما يخبئه القدر لي في قابل الأيام ؛ كل شيء كان ضبابيا ؛ مشاعري كانت مرتبكة عندما وصلت مطار بغداد الدولي .

في قاعة الوصول تقدم مني شخصان بكامل قيافتهما . رفيق قيس ؟ قلت : نعم .أهلا بك في بلدك العراق . لو سمحت جواز السفر . ناولته لأحدهم في حين اقتادني الآخر نحو قاعة مبردة قدم لي فيها الشاي وقليل من التمر بحضور عدد آخر من الرجال المرحبين لحين اتمام اجراءات الدخول  .

خارج المطار كانت حقائبي قد وضعت في سيارة بدى عليها أنها رسمية الطابع . أجلست في المقعد الخلفي وفي الأمام السائق وأحد اؤلئك الرجال . قلت في نفسي ربما كانت هذه طريقتهم بالترحيب بالمتطوعين !!! .

توجهنا من المطار نحو قلب العاصمة بغداد ؛ وكلما مررنا أما معلم ما ؛ كانوا يشرحون تفاصيل المكان وأنا كنت أكتفي بهز رأسي لأني مازلت مذهولا بكل ما جرى منذ لحظة الوصول .

توقفت السيارة أمام فندق بغداد في شارع السعدون والمطل من الخلف على نهر دجلة وشارع أبو النواس  ومعروف بأنه مخصص لكبار ضيوف الدولة وسألت نفسي : ربما هناك خطأ ما ؟

نزل المرافق أولا وفتح لي الباب في حين أنزل السائق الحقائب وولجت الى داخل الفندق ؛ المرافق قام بكل الاجراءات وخلال دقائق كنت في غرفة مطلة على النهر وتمنيات بالاقامة الطيبة في العراق .

هذا الترحيب أدخل الشك والريبة الى نفسي ؛ فأنا لست عضوا في حزب البعث  ولا عضو بارز في أي من التنظيمات الفلسطينية ؛ ولا حتى  شخصية عامة ليصار الى التعامل معي بهذه الحفاوة ؟ !!!.

أمضيت طوال اليوم الأول في الغرفة محاولا التواصل هاتفيا مع الوسيط السيد قاسم السماوي دون جدوى ؛ في كل مرة كان الجواب: عيني مو موجود ؛ حاول الاتصال لاحقا !!! .

صبيحة اليوم التالي نزلت لتناول طعام الافطار فلمحت شخصيتان أعرف عنهما الكثير : الأستاذ أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية والدكتور سامي الجندي السياسي السوري المعروف والمخضرم  والذي كان يعتبر من الرموز الأولى لحزب البعث وشغل في حياته مناصب عدة كان آخرها سفيرا لسوريا في فرنسا قبل أن ينشق عن الحزب وينتقد كل التجربة ويتفرغ للعمل الأدبي . تقدمت منهما واستأذنت بالجلوس على مائدتهم بعد أن عرفت عن نفسي ببضع كلمات . كان الجلوس اليهما وسماع حديثهما محل تقدير واعجاب كبيرين .

بعد الافطار استأذن الأستاذ  الشقيري بالنزول الى حديقة الفندق للمشي حسب توصية طبيبه  . كنت اتابعه بنظراتي من صالة المطعم  ؛ مشيته كانت غريبة بعض الشيء حيث كان يخطوا بالقدم اليمين ويمد معها يده اليمنى ؛ بينما الطبيعي أن تكون القدم اليمنى مصاحبة لليد اليسرى  !!!.

أمضيت الأيام الأربعة الأولى دون أن أبرح الفندق وكل ما كنت أفعله هو محاولة التواصل مع الوسيط .  عند الخامسة من مساء اليوم الرابع اتصلت بمكتب السيد قاسم السماوي فقيل لي أنه قد دخل مكتبه للتو وأن علي الاتصال مجددا بعد نصف ساعة . فعلت ما قيل لي ؛ لكن الجواب كان أنه قد خرج . عندها شعرت بالاستفزاز وقلت كلاما فيه بعض التجريح تعبيرا عن غضبي وامتعاضي .

أقفلت السماعة ونزلت الى المقصف لتناول بعض المرطبات . أخذت الجريدة وبدأت بتصفحها واذ بها خبر استوقفني وراعني في نفس الوقت . الخبر يقول: استقبل السيد قاسم السماوي في مكتبه مساء الأمس شخصية كبيرة من احدى دول أمريكا اللاتينية . أدركت لحظتها أن هذا الوسيط لم يكن شخصا عاديا وانما شخصية قيادية في البلاد وما كان لي أن أقول ما قلته  في لحظة غضب .

عند التاسعة من مساء ذلك اليوم نودي علي في الفندق للرد على مكالمة هاتفية : ألو نعم : مساء الخير ؛ معك قاسم السماوي ؛ اسمح لي بالاعتذارعن التأخر بالتواصل معك ؛ اعرف أن رحلتك من أمريكا كانت طويلة وأحببت أن أعطيك الوقت الكافي لترتاح  وخصصت لك سيارة ومرافقة كي تستمتع برؤية بغداد . رددت عليه : أولا أود الاعتذر منك عما بدر مني في لحظة غضب ؛ فأنا لم أكن أعرف مدى المسؤوليات الملقاة على عاتقك ؛ أما بالنسبة للمرافقة والتعرف على بغداد  فلا علم لي بذلك الا من حضرتك الآن !!! .  كل ما كنت أريده هو التواصل معك لمعرفة الخطوة التالية  . حسنا سأطلب من مرافقيك احضارك الى مكتبي غدا صباحا وسنؤمن لك كل ما تريد .

في صباح اليوم التالي توجهنا الى منطقة الكرادة التي كانت شبه مغلقة ولا تدخلها الا السيارات الرسمية . من بوابة الى أخرى الى صالة انتظار . دقائق معدود فتح الباب واذ بشخص وسيم ذا هيبة لا تخطئها العين : هلا بيك في بلدك العراق. خلف مكتبه الوثير صورتان كبيرتان معلقتان جنبا الى جنب الأولى  للرئيس أحمد حسن البكر والأخرى للسيد النائب صدام حسين وهي التسمية التي كانت تقال كلما ذكر اسم صدام .

الرجل كان دمثا وخلوقا الى أبعد الحدود ؛ شكرته على حسن الاستقبال وطلبت منه الذهاب الى أي من المعسكرات للتدرب على السلاح الى حين وقت السفر الى لبنان .

في المساء وصلت الى معسكر التاجي القريب من العاصمة بغداد ؛ عند المدخل وجدت قائد المعسكر بانتظاري مرحبا وقد أعد لي مكانا في مكان اقامته داخل المعسكر . ارتحت قليلا ثم اصطحبني الى مهجع كبير كان يضم عددا كبيرا من الشباب الفلسطينيين المتطوعين القادمين من دول عدة . بعضهم جاء من دول أوروبا الشرقية ( الشيوعية ) وآخرون من الهند والباكستان وأفغانستان وبعض الدول العربية . عندها فقط عرفت سر الترحيب الذي حظيت به مذ وصلت العراق . لقد كنت المتطوع الوحيد القادم من الولايات المتحدة الأمريكية (عقدة الأمريكي ) .

أيام قليلة أمضيناها في المعسكر الذي لم أمسك فيه أية قطعة سلاح كما كنت أريد . توجهنا بعدها الى قاعدة الحبانية العسكرية التي تجمع فيها أعداد كبيرة من الشباب غير الذين كانوا معي في معسكر التاجي . كانوا متطوعين عراقيين اطلق عليهم تسمية “الجيش الشعبي” . عدة طائرات  حملت بالمقاتلين والأسلحة والعتاد الحربي وتوجهنا نحو مصر التي وصلناها في ساعات الصباح الأولى . نقلنا فورا من المطار بشاحنات عسكرية مغلقة الى معسكر قوات عين جالوت الفلسطيني في مكان ما من الصحراء . المعسكر كان يفتقر الى الكثير من المقومات أو على الأقل مقارنة بمعسكر التاجي الذي كانت فيه كل المستلزمات المطلوبة . هناك كان اللقاء الأول الذي جمعني بالرائد خالد سلطان الذي تولى القيادة لحين الوصول الى لبنان .

في مساء نفس اليوم أعيد زجنا مجددا في شاحنات عسكرية مغلقة متوجهين نحو مدينة الاسكندرية لركوب البحر الى لبنان . كنت أظن أن السفينة هي من تلك السفن التي بها وسائل الراحة أو بعض منها ؛ لكنها كانت قديمة ومهلهلة وأشبه بتلك التي تنقل البهائم .

كان تعب الرحلة خلال ال 48 ساعة السابقة قد أنهكني كثيرا  فألقيت بنفسي مستسلما في الدور السفلي وسط كم كبير من صناديق الأسلحة والمتفجرات والروائح الكريهة المنبعثة من أقدام وأجسام المتطوعين لدرجة أني كنت شبه فاقد للوعي ولم أقوى حتى على رفع رأسي الى حين تنبه الرائد خالد الى ذلك فطلب من بعض المقاتلين حملي الى دكة القيادة حيث الهواء النقي  .

علمت في وقت لاحق أن القيادة المصرية قد تقاضت من العراق مبلغ 6 ألآف دولار عن كل واحد منا . لم أتأكد من هذه المعلومة لكني لم استبعدها في زمن الانفتاح الذي ساد في عهد الرئيس محمد أنور السادات .

عندما اقتربنا من الشواطيء اللبنانية بدأنا نسمع زخات من الرصاص ؛ حالة من الهرج والمرج سادت في دفة القيادة ووسط المقاتلين ؛ فلا القبطان اليوناني الذي لا تبدو عليه هيبة القبطان والذي لا يتكلم أية لغة غير لغته الأصلية ولا العسكريين يعرفون ما اذا كنا على مشارف ميناء جونية الخاضع لسيطرة حزب الكتائب ( العدو ) أم على مشارف ميناء صيدا الموالي لنا !!!.

لحظات عصيبة مررنا بها ؛ أبطأ فيها القبطان السرعة في حين امتشق العديد السلاح للمواجهة في حال كان الرصاص الذي زادت حدته موجها نحونا . الطريقة الوحيدة التي عرفنا فيها أننا وصلنا الى مناطق صديقة كانت من الرصاص الخطاطي المنير الموجه نحو السماء كنوع من الترحيب وليس موجها نحونا .

صيدا كانت بداية الشتات السادس في لبنان والتجربة الغنية وسط غابة البنادق الفلسطينية .

قاسم السماوي كان قد عين عام 1978 سفيرا للعراق في لبنان وزادت علاقتنا الشخصية أثنائها ؛ لكنه بعد ستة أشهر من استلام منصبه استدعي الى بغداد ؛ وكنت في كل زياراتي التي تكررت لاحقا الى العراق أسأل عنه . كانت الاجابات على الدوام همسا : رجاء عدم التطرق الى ذلك . الى أن عرفت أنه قد تم أعدامه دون معرفة الأسباب الحقيقية التي أوصلته الى تلك النهاية .

بقلم : قيس مراد قدري