أنا آسف

Views : 373

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: تمر هذه الكلمة مرور الكرام وتخفق ربما حروفها حبالنا الصوتية بين الحين والآخر بلغة قد تعلمناها حديثا ، ربما ودون أن يلاحظ أيٌّ منا خروج تلك الحروف عقب أدنى ذُلّة ، وليس هناك من هو معصوم ، تنساب تلك الحروف عفوياً من أفواه الكرام ، فالكرم يكون بالكلمة أحياناُ ، وقد اشتهر أجدادنا فيما سلف بالكرم. وهم خير من أتقن فنّ الكلام وسادوه.

لهذه الكلمة أهميّة بالغة ، والمجتمع السويدي من أكثر المجتمعات استخداماً لها حتى عند أبسط الهفوات ، يبادر إليها المرء إذا أحسّ بخطأ ما قد بدر عنه ولو كان بغير قصد ، ومهما كانت منزلته الاجتماعية ، فذلك لا يمنعه من الاعتذار لغيره وإن كان من منزلة أدنى ، أو كان ذو خلفيّةٍ مختلفة. ولئن امتنع البعض  في المجتمع السويدي (فرضاً) عن الاعتذار لأن خلفيّة الشخص الواجب له الاعتذار لا تروق لهم ، فإنهم يفعلون ذلك لا  بدافع عدم الاعتراف بالخطأ ، وإنما باعتباره نوعاً سلبياً من أنواع الإحتجاج  بوجه شخص يطلقون عليه حكما مسبقا ، أو لأنهم لا يرغبون بوجوده في مجتمعهم.

والمدرسة تلعب دوراً رائداً في مجال ترسيخ مبدأ الاعتذار بين الأطفال ، فالمعلمون مثلا وغيرهم من العاملين في الهيئات التدريسيّة ، لا يترددون بالتأسّف من طلابهم كلّما اقتضى الأمر ، ولا يسمحون مثلاً بأن يمر خطأ ارتكبه أحد الطلاب تجاه آخر دون أن ” يعتذر”.

وبالرغم من بساطة النطق بهذه الكلمة في لغتنا العربية ، بل وعذوبة لحنها حين تنطلق من الشفاه ، يمتنع كثيرٌ من الناس عن قولها كما لو كانت كلمة عار ، حتى في تلك الأحوال التي يكونون فيها مدنين بالاعتذار لسبب من الأسباب. أوحين يطالبهم أحدٌ بالاعتذار عن أمر ارتكبوه  ، وربما سمعنا أحدهم يقول مستهزءا  ” من يظن نفسه حتى أقوم بالاعتذار منه ؟ أو أن يقول مستنكرا : ” أنا أعتذر من هذا؟ “.

وهذه الظاهرة أو الإشكالية -إن صحّ التعبير- تبدو في ظاهرها مسألة ثانوية لا تلتفت إليها أنظار الباحثين. لكن المتعمقين فيها من أهل الأختصاص يدركون خطورتها على المجتمعات. لإنها تؤدي في النهاية إلي تأجيج الكراهية بين أفراد يعيشون في مجتمع واحد ، وتعزز مشاعر التكبر والعلو على الآخرين. والأخطر من هذا كله هو ما قد يترتب عليها من ردود أفعال ، فقد تدفع بكثير من الأشخاص إلى الرد على عدم الاعتذار بفعل انتقامي على مبدأ ( واحدة بواحدة ). مما يعني زيادة في تفتت المجتمعات.

الاعتذار ليس مجرد ثقافة يمارسها المثقفون ، بل هو ضرورة لابد منها وركن أساسي لمجتمع قوي.

ولابد لكي يتكامل مفهوم الاعتذار ، أن يقترن بقبول المعتذر له  قبول محبة واحترام لا قبول استعلاء وغرور. لأن المعتذر كريم ، ولأن الاعتذار من شيم الكرماء ومخطئ من يراوده الظن بأن الاعتذار هو إهانة للمعتذر أو أن  يتعامل معه على أنه انتقاص.
 

وفي ذلك أنشد الإمام الشافعي بيتاً من الشعر:

قيلَ لي قَد أَسى عَلَيكَ فُلانٌ .. وَمُقامُ الفَتى عَلى الذُلِّ عارُقُلتُ قَد جاءَني وَأَحدَثَ عُذرا .. دِيَةُ الذَنبِ عِندَنا الاِعتِذارُ

باسل الجمل

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.