إسرائيل بعد 64 عاماً… مخاطر وجودية داخلية وخارجية

Views : 492

التصنيف

احتفلت إسرائيل نهاية أبريل/ نيسان الماضي بمرور 64 عاماً على قيامها، حسب التقويم العبري، ويحيي الفلسطينيون في 15 مايو/أيار ذكرى النكبة، ورغم نجاح إسرائيل الكبير في مجالات كثيرة فإن أسئلة مصيرية تواجه مستقبلها، ومازال خطر استمرارها قائماً رغم قوتها العسكرية، وتفوقها الاقتصادي على جيرانها، لعوامل بعضها ذاتي، وأخرى تتعلق بطبيعة الصراع في الشرق الأوسط.

احتفلت إسرائيل نهاية أبريل/ نيسان الماضي بمرور 64 عاماً على قيامها، حسب التقويم العبري، ويحيي الفلسطينيون في 15 مايو/أيار ذكرى النكبة، ورغم نجاح إسرائيل الكبير في مجالات كثيرة فإن أسئلة مصيرية تواجه مستقبلها، ومازال خطر استمرارها قائماً رغم قوتها العسكرية، وتفوقها الاقتصادي على جيرانها، لعوامل بعضها ذاتي، وأخرى تتعلق بطبيعة الصراع في الشرق الأوسط.

صعود في زمن قياسي…

رغم حداثة إسرائيل مقارنة بعمر الدول في التاريخ، فإنها استطاعت في سنوات محدودة فعل الكثير، ويفخر الكيان الوليد، بقرار أممي مثّل توازنات القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، بأنه استطاع بناء دولة يتغني دوماً بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، واقتصاد متطور على الصعيد العالمي، كما تمكن من تجاوز رفضه من محيطه القريب ببناء علاقات في القارات الخمس تؤكد على حقه في الوجود، وعدم جواز المساس بدولة إسرائيل في أي ظرف من الظروف، حتى لو واصلت التصرف بأنها فوق القانون الدولي.

طفرة سكانية ومخاوف…

واستطاعات الدولة العبرية جذب قرابة نصف يهود العالم إليها حتى نهاية العام 2011، ارتفاعاً من نحو (5.4) في المئة في العام 1948، وبعفل الهجرة والتزايد الطبيعي ازداد عدد سكان إسرائيل اليهود بنحو 9 مرات من 700 ألف عشية النكبة إلى نحو ستة ملايين، وبات ثلثا عدد سكانها اليهود من مواليدها، ومنذ بداية تسعينات القرن الماضي مع انطلاقة مسيرة التسوية السلمية بين العرب والإسرائيليين في مؤتمر مدريد ازدادت الهجمة الاستيطانية على الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وتسارعت وتيرتها رغم القرارات الدولية الشاجبة، وتوقيع اتفاقات أوسلو للسلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، وازداد عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى نحو 311 ألف مستوطن، وفي القدس إلى 200 ألف، فيما يعيش نحو نصف مليون إسرائيلي حاصلين على الجنسية خارج حدود فلسطين التاريخية، وهضبة الجولان المحتلة، وفضل معظم هؤلاء العودة إلى "أرض الميعاد" والحصول على الجنسية ومن ثم العودة إلى مكان عيشهم وبلدانهم الأصلية.

ورغم الارتفاع الكبير في عدد السكان فإن أخطاراً ديموغرافية تهدد إسرائيل فعدد السكان العرب الأصليين فيها يصل إلى مليون وستمئة ألف مواطن، أي أكثر من ربع عدد السكان، وفي السنوات الأخيرة خفت وتيرة الهجرة إلى إسرائيل في شكل ملحوظ بعد سنوات الطفرة التي تلت إنهيار الاتحاد السوفيتي، ومع زيادة نسبة الولادات في الوسط العربي بين البحر والنهر من المتوقع أن يغدو الإسرائيليون أقلية في غضون سنوات، ولا يمكن إهمال عامل مهم آخر وهو ارتفاع أعداد المسيحيين المهاجرين إلى إسرائيل في العقدين الأخيرين معظمهم من دول الرابطة المستقلة.

وعشية الاحتفال بذكرى قيام دولة إسرائيل، وفق التقويم العبري، أعرب الكاتب الإسرائيلي عاموس جلبوع في مقالة نشرتها صحيفة معاريف في 23 أبريل/نيسان عن مخاوف تكتنف أعماق كثير من اليهود، إذ يقول "اليوم، يكاد يكون نصف الشعب اليهودي متجمعا في دولة اسرائيل، وعلى مدى السنين، بالتدريج فان اغلبية الشعب اليهودي ستجتمع في اسرائيل، وأمامنا مفارقة محتملة أخرى: في الكارثة، الشتات الكبير للشعب اليهودي في ارجاء العالم أنقذه من الفناء. فهل يكون تجمعه في دولة اسرائيل اليهودية سبباً في تعرضه لضربة نووية قاضية؟"

وبعد 64 عاماً على قيام إسرائيل، ومحاولات بناء مجتمع متماسك، فإن مخاطر جمة تقف عقبة في طريق ذلك، ليس أقلها العنصرية المتصاعدة ضد اليهود الأفارقة والشرقيين، والصراع الكبير بين العلمانيين والمجموعات المتطرفة الدينية، ونزوع المجتمع إلى التطرف أكثر فأكثر مع غياب اليسار الإسرائيلي في شكل شبه كامل.

اقتصاد متطور ولكن…

تقتضي الحقيقة الاقرار بأن إسرائيل استطاعت في سنوات وجودها القليلة بناء اقتصاد قوي يعتمد أساساً على التصدير، ورغم المساحة المحدودة، والفقر بموارد الطاقة والمواد الخام فقد استطاعت مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي بنحو 410 مرات من 4 مليارات دولار في العام 1950 إلى 245 مليار دولار في نهاية 2011، ونمت صادراتها قرابة 11 ألف مرة من ستة ملايين في العام 1948 إلى نحو 70 مليار دولار في العام الماضي، ثلاثة أرباع الصادرات من المواد المصنعة، ويغلب عليها التقنيات العالية، كما ازدادت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 31 ألف دولار.

ولا يمكن إنكار حقيقة المساعدات الغربية الكبيرة لإسرائيل ودور ذلك في النمو الاقتصادي، إضافة إلى استغلال الثروات الفلسطينية ونهبها، وجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً لها( للحقيقة برضا القيادة الفلسطينية بالتوقيع على اتفاق باريس الاقتصادي)، لكن عوامل أخرى أدت إلى النمو الاقتصادي منها مؤشر الفساد المنخفض نسبيا، والتوجه نحو التصدير، وتخصيص مبالغ كبيرة للبحث العلمي فهي تنفق 5 في المئة من الموازنة على هذه الأغراض، وتعد الأولى عالميا في هذا المجال، وزاد من تفوقها هجرة كثير من العلماء والخبراء من بلدانهم، وتضم إسرائيل أكبر نسبة علماء مقارنة بعدد السكان، فقد بلغ عدد العلماء فيها 135 ألفاً، أي بمعدل عالم لكل 10 آلاف إسرائيلي.

ورغم كل ما سبق لا يمكن اعتبار الاقتصاد الإسرائيلي مثالياً، فقد شهد صيف العام الماضي احتجاجات على ارتفاع أسعار العقارات، والمواد الغذائية، وتبين الاحصاءات أن (23.6) في المئة من سكان إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، جلهم من العرب إضافة إلى المتدينين، ويملك عُشر السكان الأغنى أكثر بنحو (9.7) مرات مما يملكه والعُشر الأفقر، إذ يستأثر الأغنياء بنحو (24.3) في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما لا تتعدى حصة العشرة في المئة الفقيرة (2.5) في المئة.

كما تعاني إسرائيل من عدم قدرتها على صنع "سلام اقتصادي" مع جيرانها رغم ارتباطها بمعاهدات سلام مع مصر من نحو 33 عاماً، ومع الأردن منذ العام 1994، وتضطر إلى استيراد المواد الخام من أماكن بعيدة، وكذلك تسوق منتجاتها.

دولة ديمقراطية ويهودية؟!!!

دأبت الدعاية الإسرائيلية على تقديم الدولة العبرية على أنها واحة الديمقراطية وسط دكتاتوريات وحشية في محيطها العربي، ولا يرى فريق واسع من منظري اليمين عيباً في تعريف إسرائيل على أنها دولة ديمقراطية يهودية، فيما يتناقض هذا الطرح مع أبسط قواعد الديمقراطية، ويزداد الجدل في داخل إسرائيل حول هوية الدولة ففي 24 أبريل/ نيسان الماضي كتبت يديديا شتيرى مقالة في يديعوت تحت عنوان "يوم إستقلال أي دولة؟". وتقول الكاتبة " إن القوانين الأساسية تُجيب عن السؤال الذي في العنوان والجواب أنها "دولة يهودية وديمقراطية". ويستطيع مفسر "الدولة الديمقراطية" ان يستعين بشحنة فكرية ومحاولة انسانية تراكمت في ديمقراطيات كثيرة. وفي مقابل هذا فان "الدولة اليهودية" هي ظاهرة مميزة وشابة ما يزال البحث فيها في مهده".

وتقر الكاتبة بوجود تناقض بين صفتي الدولة المطروحتين، وتوضح أن الدولة اليهودية ماتزال غير ناضجة وتتعرض للهجوم من قبل "ثلاثة معسكرات أصولية هي المعسكر الديني والقومي والليبرالي. فالأولان يريدان ان تُنسب اليهما والثالث معني بابطالها".

وترى شتيرى أن الفريق الديني يرغب في أن تكون الدولة يهودية خالصة، وهو ما يفسر الهجوم الديني على جهاز القضاء وتصنيفه بأنه "منظومة أغيار"، والاعتراض على قرارات الحكومة والكنيست المتعلقة بالحدود والسلام والدعوات الى العصيان للأوامر العسكرية في الجيش وغير ذلك.

وتعرض الكاتبة آراء القوميين الداعية إلى "اقصاء منهجي للمواطنين من غير اليهود على الصعيدين الخاص والعام" ومظاهر ذلك في "طلب الولاء من العرب وتمييزهم الطويل السيء في تقسيم الموارد والعناية من قبل السلطة". وتذكر شتيرى أن أعداد قليلة من الليبراليين يطالبون بالغاء صفة اليهودية عن الدولة حتى تكون دولة لكل مواطنيها.

وتختتم الكاتبة مقالتها بالإشارة إلى أن إسرائيل دولة شابة "والـ 64 سنة هي طرفة عين اذا قيست بمقياس التاريخ. ويمكن ان ننسب التطرف في المزاج العام الى كوننا في سن البلوغ من حياتنا السيادية".

والواضح أن المزايدة في التطرف بين الفريقين الأول والثاني تسببت في تبني سيل من القوانين والتشريعات العنصرية في الكنيست في العاميين الأخيرين، منها قوانين تحريم إحياء ذكرى النكبة، وقانون الولاء للدولة، وغيرهما من القوانين الكثيرة الهادفة إلى تنغيص العيش على السكان العرب الأصليين الذين يشكلون ربع سكان إسرائيل، وتمنع عليهم الاعتزاز بقوميتهم، ومحو ذكرى النكبة التي تسببت في تهجير كثير من أبناء شعبهم، وتدمير قراهم ومدنهم، وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثالثة في وطن آبائهم، واجدادهم.

قوانين النسبية والمخاطر الوجودية…

مما لاشك فيه أن إسرائيل استطاعت التقدم في مجالات عدة في سنوات قليلة، لكن مخاطر وجودية مازالت محدقة بها، فمن الخطر الديمغرافي، إلى السلام "البارد" ورفض التطبيع، إلى ازدياد النزعات المتطرفة والصراع بين المتدينيين والعلمانيين، والعنصرية المتفشية في داخل المجتمع اليهودي ذاته، وتحول المجتمع إلى العسكرة وفرض الذات بالقوة، وأذكر كلمات كاتب يهودي معارض التقيته منذ سنوات، ويصر على تسمية إسرائيل بـ "فلسطين التاريخية"، وقال حينها كنا نفخر كيهود بإغناء الحضارة والثقافة العالمية بنتاج المفكرين، والرساميين والكتاب، والموسيقيين اليهود، لكننا الآن نكاد نفقد ذلك مع صعود نجم القادة العسكريين، والمتطرفين اليمينيين الذين يشوهون الرسالة الحقيقية للشعوب.

وختاماً فإن كثيراً من المحللين العالميين ينحون إلى أن القضية الفلسطينية هي قضية الفرص الضائعة منذ العام 1947، وفي هذا، ربما، بعض الصواب، لكن المؤكد أن إسرائيل فوتت بتشددها ورفض منح الفلسطينيين حقوقهم، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة الكثير من الفرص، والواضح أنها سوف تستمر في إحصاء عدد سنوات "استقلالها"، دون ثقة بالاحتفال في العام التالي بذات المناسبة في حال استمرار سياستها الحالية.

سامر الياس

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

نقلا عن موقع روسيا اليوم

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.