الباحث رشيد الحجة: قصتي مع كتاب سويدي نادر عن ثورة 1936 الفلسطينية

الكومبس – مقالات الرأي: أثناء تجوالي في محل لبيع الكتب القديمة في بدايات العام 1985 وقع بيدي كتاب التقطته كما ألتقط كنزاً ثميناً، نظراً لتاريخ تأليفه في العام 1940 ولعنوانه طبعا “إنكلترا وفلسطين” اتضح فيما بعد أن هذا الكتاب النادر يوجد منه حاليا فقط 3 نسخ في كل العالم، فيما شعرت بقيمته أكثر عندما قرأته ووجدت به وثيقة تاريخية هامة عن حقبة مهمة في بدايات القضية الفلسطينية، يبين الانتهاكات البريطانية وتواطئ بعض الشخصيات النافذة في بريطانيا مع المشروع الصهيوني لإنشاء دولة إسرائيل، وتعقب الشخصيات البريطانية المعتدلة التي كانت ضد هذا المشروع، خاصة أن الكاتب كان يعمل بالسفارة الألمانية في فلسطين في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي.
النسخ الثلاثة المتبقية بالإضافة إلى النسخة التي بحوزتي، توجد واحدة منها في المكتبة الملكية في ستوكهولم والثانية في مكتبة جامعة مدينة أوبسالا. الكتاب مؤلف، على شكل تقرير، من 88 صفحة مرفقة بصور نادرة.

ياسر عرفات قال لي: يجب أن تترجم الكتاب للعربية
زرت تونس في نفس العام 1985 والتقيت بقائد الثورة الفلسطينية الأخ ياسر عرفات وأطلعته على الكتاب. طلب مني على الفور القيام بترجمته ومن ثم طباعته ونشره لوضعه أمام يدي الباحثين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ ثورة عام 1936 – 1939. عند ترجمتي للكتاب، حاولت الإتصال جاهدا بالمؤلف ليسمح لي بالترجمة ولم أفلح، ربما بسبب مرور سنين طويلة على تأليف الكتاب حيث تم نشره في عام 1940. تواصلت بعدها مع السلطات المعنية للسماح لي بالنشر. تفاجئت بأن هذا الكتاب قد مُنع من النشر والتوزيع وسُحبت نسخه من السوق إستنادا إلى قرار من البرلمان السويدي، وهي حادثة فريدة في المملكة السويدية لأن حرية الكتابة والتعبير والطباعة والنشر هي مكفولة في دستور البلاد. وقيل لي يومها أيضا بأنني أتمكن من نشر الكتاب ثانية بعد مرور خمسين عاما على نشره دون الرجوع لأحد. رفعت النسخة المترجمة إلى رئاسة التحرير في مجلة “فلسطين الثورة” التي كان مقرها في قبرص. وللأسف لم يتم نشر المادة حتى يومنا هذا في منتصف عام 2016. لكنني قمت بمراجعة الكتاب لأهميته كالتالي:

المزيد حول الكتاب

إن القارئ للكتب المؤلفة بلغات العالم المحلية كاللغة السويدية مثلا – حيث لايستخدمها أكثر من عشرة ملايين نسمة، أي سكان السويد والبالغ عددهم الآن حوالي 3،9 مليون نسمة إضافة إلى 2 مليون نسمة من الدول المجاورة وخصوصا فنلندا – يجد الكثير من المؤلفات عن فلسطين، ومنذ أزمان قديمة، وذلك لأن فلسطين تمتاز عن غيرها من البلدان بأنها مهد الديانات السماوية الثلاث. هذه الديانات التي طبعت المجتمعات الحالية بطابعها، وبشكل خاص أوربا والأمريكتين وأستراليا وأفريقيا، وجزء لابأس به من آسيا.

تعتبر فلسطين إذاً المكان الذي يأمه الحجاج من مسيحيي ويهود وإسلام العالم كله. وهؤلاء يتحدثون عن رحلاتهم ويصفون البلد وشعبه وعاداته. وبعد أن ظهرت الحركة الصهيونية في اوربا ونادت باستعمار فلسطين، بدأ الحجاج وغيرهم من موظفي القنصليات والسفارات والباحثين وغيرهم بالكتابة أيضا عن الأوضاع السياسية في فلسطين. من هذه الكتب، الكثيرة العدد، منها ماهو الغث ومنها ماهو السمين. ومن بين الكتب الهامة التي تناولت الأوضاع السياسية فقط هو  كتاب “إنجلترا وفلسطين” الذي سيتم الحديث عنه في هذه المراجعة.

هذا الكتاب وبرغم من أنه صدر في عام 1940 إلا أنه يعد بمثابة تقرير هام يشتمل على العديد من الوثائق الرسمية من تقارير طبية، إلى رسائل وبرقيات قد حصل عليها المؤلف السويدي “يرت فينش” من القنصلية العامة الألمانية في القدس آنذاك، إضافة إلى عدد من أحاديث شهود عيان على الأعمال الوحشية، من قتل للأبرياء وتدمير للبيوت ونهبها وسلب ممتلكات أصحابها، والإعتقالات الجماعية، وتهريب اليهود إلى فلسطين، من قبل السلطات البريطانية المنتدبة، وجنودها ورجال شرطتها، ومن كان بحمايتهم من اليهود المسلحين. كما يحتوي الكتاب على الأحاديث الشخصية التي أجراها فينش مع القادة الإنجليز. كل هذه الوثائق تحكي عن معاناة الفلسطينيين من جراء سياسة الإنتداب خلال حقبة زمنية تمتد مابين شهر نيسان من عام 1936، أي منذ بداية الإضراب الكبير والثورة الفلسطينية المسلحة، وحتى شهر تموز من عام 1939.

جاء هذا الكتاب في سلسلة قدمتها دار النشر السويدية “سفيّا ريكس” في ستوكهولم عن أعمال الإنجليز في المناطق التي تم وقوعها تحت سلطة الإنتداب البريطاني، وكان من بين تلك الكتب “إنجلترا ومصر” و “إنجلترا والهند” و “إنجلترا وإيرلندا” وغيرها. يمتاز هذا الكتاب “إنجلترا وفلسطين” عن باقي الكتب الأخرى بأنه يحكي عن معاناة جديدة لم تعشها شعوب البلدان الأُخرى من قبل الإنجليز. ففلسطين تم فتح أبوابها أمام الزحف الإستيطاني اليهودي من خلال الهجرة الواسعة “القانونية” وغير القانونية، إعتمادا على تصريح بلفور الشهير – والذي تم اعتماده من قبل عصبة الأمم بعيد الحرب العالمية الأولى – القائل بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود رغما عن سكانها الأصليين، الفلسطينيون، والشروع في عملية افتتاح ميناء يهودي خاص لتهريب المهاجرين الجدد في مدينة تل أبيب.

كما وتكمن أهمية الكتاب في أنه يكشف الكثير من الأمور التفصيلية عن الحوادث التي حصلت في بعض المدن والقرى الفلسطينية، التي يحتمل بأنها لم تذكر بعد في وثائق أخرى. فيذكر الكاتب من خلال مستنداته أسماء القرى والتواريخ وكذلك أسماء الأشخاص. وأبعد من ذلك يذهب الكتاب إلى ضم لائحة بقيمة المسروقات التي سلبها الجنود الإنجليز في مدينة القدس القديمة من المحلات التجارية وغيرها، إضافة إلى ذكر أسماء أصحاب هذه المحلات.

يضم الكتاب بين دفتيه 88 صفحة من القطع الوسط، موزعة على سبعة أبواب، إضافة إلى عرض 18 صورة تفضح ممارسات الإنجليز اللا إنسانية من نسف للمنازل وتديم للقرى وأعمال القتل والإعتقالات الجماعية وغيرها من الصور.

يستهل المؤلف كتابه في الباب الأول بلمحة تاريخية عن الوعود التي حصل عليها العرب، من خلال الإتصالات بين الإنجليز والشريف حسين، بالإستقلال إذا ماربحت بريطانيا الحرب العالمية الأولى على تركيا. ثم يعرض ماكان مغايرا للوعود ووقوع البلدان العربية تحت الإنتدابين الفرنسي والإنجليزي، مستشهدا بأقوال لورانس في كتابه “أعمدة الحكمة السبعة” مثل:

” لم يكن لدي وبهذه الحالة إلا أن أكون مع المؤامرة ضد العرب”. كان يمثل لورانس عقدة الإتصال الرئيسية بين الشريف حسين والساسة البريطانيين.

ينتقل الكاتب في الباب الثاني وحتى الباب السابع ليتحدث عن بدايات الثورة العربية التحررية في فلسطين ضد حكومة الإنتداب وضد الهجرة اليهودية، بعد المحاولات السلمية العديدة، التي قام بها القادة العرب هناك وعلى رأسهم المفتي الحاج أمين الحسيني، لإنهاء الظلم الواقع على الفلسطينيين. ويتحدث الكاتب بشيئ من التفصيل عن مظاهرة يافا حصلت في 19 نيسان من عام 1936 وعن استشهاد 11 عربيا قتلوا من قبل الشرطة البريطانية، وعن آثار هذه الحادثة على بداية الإضراب الكبير.

ثم يبدأ الكاتب، ومنذ منتصف الباب الثاني بسرد الوثائق التي تدعم أقواله، والتي يبدأها بتقرير عن “تفجيرات في يافا القديمة” بتاريخ 1 تموز عام 1936، وينهيها بوثيقة مدونة بتاريخ 1/7/1939 وهي عبارة عن برقية، أرسلتها اللجنة العربية في القاهرة إلى شمبرلين وماكدونالد في لندن، تطالب بها بتشكيل لجنة تحقيق بأعمال القتل والدمار التي حصلت وقتذاك، إضافة إلى الطلب من الوزير اليهودي “وزير الحرب البريطاني” بإعطاء أوامر لجيشه في فلسطين لإيقاف الأعمال الوحشية هناك.

هاتان الوثيقتان وما بينهما من وثائق قد برهنت وبشكل قطعي على الإجراءات التعسفية التي قام بها رجال سلطة الإنتداب البريطاني من قتل للمواطنين الأبرياء دون إجراء التحقيقات القانونية، ودون احترام المسنين منهم، كما حصل مع سكان قريتي حلحول وبيت فجار، حيث تم قتل عشرة أشخاص من أهالي القريتين. وقد ذكر الكاتب أسمائهم، وكان من بينهم الحاج عبد القادر علاّن وعمره 80 سنة، وعبد المحسن نوفل 40 سنة. وكذلك نسف البيوت ومصادرة الأملاك وحرق المحاصيل الزراعية وسرقة النقود والحلي من الرجل والنساء، واعتقال كل أهالي القرية من الرجال وتعذيبهم في معسكرات الإعتقال التي وصل تعدادها إلى 35 معتقلا ضمت بين اسلاكها وجدرانها، حسب الإحصائيات التي تم نشرها 20 ألفا من العرب فقط، ولم تضم هذه المعسكرات ولا معتقل يهودي واحد من بين كل هؤلاء السجناء. كما وتم سجن العرب داخل الخزانات المائية، حيث افترشوا الأرض الطينية بها، كما حصل مع أهالي مدينة رام الله. إضافة إلى دفع الغرامات الجماعية من قبل أهالي المدن أو القرى كما حصل مع أهالي قرية بيت ريمة خلال شهر أيار من عام 1939. وكذلك عدم إرسال المواد الطبية إلى أهالي المناطق المنسوفة والتي انتشرت فيها الأمراض مما أدى إلى موت الكثير من العرب. هذا وقد حصل عدد من الولادات على قارعة الطريق من قبل النساء المهجرات من بيوتهن، كما حصل في مدينة يافا القديمة خلال شهر تموز من عام 1936.

يتابع فينش في كتابه عن ذكر الأساليب التي اتُبعت في تركيع المواطنين العرب من خلال فرض منع التجول على القرى والمدن ولفترات طويلة، فوصلت مثلا إلى 23 ساعة يوميا أثناء حصار مدينة القدس القديمة، والذي بدأ بتاريخ 15 تشرين الأول من عام 1938، بحيث صعب على الأهالي وأصحاب المتاجر تأمين المواد الغذائية اللازمة وحتى المواد الطبية اللازمة. كما هوجمت المدينة بعدها وأطلقت النيران على المواطنين حتى داخل الأماكن المقدسة وفي مقدمتها المسجد الأقصى، الذي أصابه العديد من الطلقات النارية واستشهد على إثر هذا الهجوم 68 من سكان المدينة العزل.

لم ينس الكاتب التحدث عن كيفية فرض الرقابة على الصحافة الفلسطينية والقيام بإغلاق بعضها، كما حصل مع الصحف التالية: “الإسلام” و “العربية” و “الدفاع” و “اللواء” بتاريخ 20 تموز من عام 1937 من أجل ضرب ستار من التعتيم الإعلامي على ماتقترفه أيديهم من أعمال وحشية ضد العرب في فلسطين.

هذا ويذكر الكاتب بأنه قد هاجر البلاد سرا مايقارب 40 ألفا من العرب في الفترة الواقعة بين تشرين الثاني من عام 1938 وشهر تموز من عام 1939 فقط بسبب هذه الأساليب اللاإنسانية التي اتبعتها السلطات البريطانية وعملائهم الصهاينة.

ثم يتابع الكاتب حديثه عن الطريقة التي اتبعتها بريطانيا عندما لم تستطيع السيطرة على الأوضاع في فلسطين، حيث باشرت بإرسال لجان للتحقيق لتهدئة الموقف ولو بشكل مؤقت ليتسنى لها إعادة إحكام سيطرتها، وكان على رأس هذه اللجان في تلك الحقبة لجنة “بيل” الملكية والتي اقترحت ،ولأول مرة خطة لتقسيم فلسطين، على أن تقع الأراضي الساحلية والداخلية الخصبة في أيدي اليهود وإعطاء الأراضي الجرداء منها للعرب.

وبالإجمال فإن الكتاب يعطي صورة واضحة وتفصيلية، إلى حد ما، عن معاناة العرب في فلسطين خلال الفترة الواقعة مابين نيسان 1936 وحتى تموز من عام 1939. حتى أن الكتاب يصف معاناة بعض الشخصيات الإنجليزية، والتي أبعدت عن وظائفها، عندما أرادت أن تقف بجانب الحق وضد الأساليب المتبعة من قبل حكومتهم، كما حصل مثلا مع القاضي الأعلى في فلسطين السيد مكدونال. كما ويصف يرت فينش عمق الأثر الذي مارسته الحركة الصهيونية العالمية على رجال السياسة والمسئولين البريطانيين، مستشهدا بوثائق، كان منها؛ رسالة كان قد بعث بها وزير المستعمرات السيد ويليام أورمبسي – غور، بعد مكالمة تمت بينه وبين زعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمن، ودافيد بن جوريون، إلى المندوب السامي السيد آرثر واشوب في شهر تشرين الأول من عام 1936، إضافة إلى رسالة أخرى بعث بها عضو حزب العمال في مجلس العموم البريطاني السيد ويدج وود إلى رئيس وأعضاء إتحاد الضباط القدماء من اليهود بأرض فلسطين، يدلهم فيها على طريقة العمل حتى يتمكنوا من السيطرة على العرب وعلى حكومة الإنتداب التي هي حكومته!

رشيد الحجة

باحث وكاتب فلسطيني – السويد