التعامل مع مفاهيم مجتمع المعلومات قد يغنينا عن تفسيرات “نظرية المؤامرة”

منبر الكومبس: قد لا يستطيع البعض استيعاب حقيقة أن صناعة المعلومة من أهم أسس الاقتصاد ورفاهية المجتمع السويدي، أو تصديق أن هذا الاقتصاد، لا يعتمد بالدرجة الأولى فقط على الصناعة ولا على الزراعة، فهذان القطاعان لا يشكلان أكثر من 25% من الناتج الوطني الإجمالي bruttonationalprodukt, BNP للبلاد.

وعندما يسألك أحدهم ما هي الثروة التي تعتمد عليها السويد، لا يمكنك أن تقول مثلا: النفط أو الغاز، بل العكس السويد تستورد هذه المواد ولا تصدرها، ومع أن البلاد تشتهر بثروة الأخشاب والمعادن، إلا أننا لا نستطيع القول إنها تصدر هذه المواد لكي تصرف على رفاهية شعبها وعلى متطلبات مؤسساتها.

إذا ما هي الثروة التي يعيش عليها هذا البلد الذي يصنف في مرتبة أوائل الدول الغنية؟

بلغ حجم الناتج الوطني الإجمالي في العام الماضي 2016 ما يقارب 4375 مليار كرون، وهو مجموع ما انتجته السويد من سلع وخدمات لمدة عام، وعلى الرغم من أن الصناعة السويدية معروفة وتتمتع بسمعة ممتازة في العالم، نجد أن حوالي 20% فقط من هذا الرقم دخل للسويد عن طريق قطاع الصناعة، بكل أنواعها من صناعة المواد الغذائية إلى صناعة السيارات والطائرات والمعدات الثقيلة.

ولأن المجتمع السويدي هو مجتمع “ما بعد الصناعي”، فإن اعتماد اقتصاده يأتي على ما يمكن تصنيفه بقطاع الخدمات. وبدوره يعتمد هذا القطاع بشكل أساسي على صناعة المعلومات وتحويل البيانات إلى سلعة معلوماتية، تشترى وتباع عند الطلب، أي بالوقت والمكان المناسبين.

صناعة المعلومة تدخل في أي شيء يمكن أن يخطر أو لا يخطر على بالنا، واستخدام هذه المعلومة، بالشكل الصحيح، لا يساعد المستخدم فقط على ما يريد أن يعرفه، بل تساهم المعلومة الجاهزة، في اختصار الوقت وتقليل المخاطر واتخاذ القرار الصحيح وبالتالي المساهمة أيضا بعجلة الاقتصاد.

المعلومة الصحيحة المغلفة والجاهزة للاستخدام كسلعة، تمر بعدة مراحل قبل أن تعرض على من يحتاجها، ومن أهم هذه المراحل جمع وتصنيف البيانات أو المعطيات، وهذا يحدث عبر مؤسسات مختصة مثل مكتب الإحصاء المركزي، أو عبر تراكم معطيات وتقاطع مصادر متنوعة، حسب نوع المعطى ومدى أهميته، ولكل مؤسسة حكومية كانت أو خاصة، قواعد بياناتها التي تعد من أهم أصولها وثرواتها.

ولعل هذا المقال لا يكفي للدخول في تفاصيل ومراحل صناعة المعلومة وتهذيبها لكي تصبح سلعة، سهلة المنال والإتاحة والاستخدام، فضلا عن أن قرارات التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وغيرها وعلى كافة المستويات يتم اتخاذها على أسس معلوماتية، تكلف جهدا ووقتا ومواردا، ولكن بالنهاية تحقق جدوى بجودة عالية جدا.

ما يهمنا من كل هذا الحديث هو أن نعتاد نحن أيضا على مفاهيم مجتمع المعلومات وخصوصياته، لكي لا ننفصم عنه ونصبح خارج أي عملية اندماج نحتاج لها.

ما ثبت فعلا ومن خلال متابعة التعليقات والحوارات على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة، أن هناك فئة لا تزال بعيدة كل البعد عن معنى ومفهوم مجتمع المعلومات، ولأننا كوسيلة إعلام نتعامل يوميا مع كم كبير من المعلومات، نحاول دائما تحسين جودة تقديم المعلومة حسب أولويات أهميتها، نجد أن على المتلقي أيضا تقع مسؤولية كبيرة تتمثل بالدرجة الأولى بضرورة قراءة الخبر أولا لكي تصله المعلومة وهي مكتملة وضرورة وضعها بسياق طبيعي غير قابل للتهويل أو التعميم أو الحكم المسبق وبطبيعة الحال بدون أفكار تدور بفلك نظرية المؤامرة، وللحديث بقية.

 

د. محمود صالح آغا

رئيس تحرير شبكة الكومبس

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.