الحروف العربية … وحساب الجُمّل

Views : 728

التصنيف

تطرّق كثير من الكتّاب والأدباء في الماضي والحاضر لأصل اللغة العربية وأصل حروفها التي نستخدمها حالياً، مثل ابن النديم صاحب كتاب الفهرست، والقلقشندي مؤلف صُبح الأعشى، وابن خلدون صاحب المقدمة، وابن عبدربه مؤلف العقد الفريد، ومصطفى صادق الرافعي مؤلف كتاب تاريخ الآداب، وطه حسين في كتابه في الأدب العربي، وغيرهم … إلاّ أنهم لم يصلوا إلى رأي جازم، مع أن أن أغلبهم ذهب إلى أن هذه الحروف، أي هذه اللغة العربية، هي مما علّمه الله تعالى لنبيه آدم عليه السلام مع لغات أخرى، وانتهت اللغة العربية إلى نبي الله إسماعيل وهو أبو العرب المستعربة التي كانت منها قريش، وهو، حسب رأيهم، أول من تكلم بالعربية ونقلها عنه بنوه … ولكن “إبن خلدون” رفض هذه المقولة، حيث أورد في مقدمته: (أن الخط صناعة من الصنائع، لجأ إليها الإنسان لحاجته لها. وقد استخدمتها كل شعوب الأرض عندما استقرت وعرفت العمران)، وهويرى أن منشأ العربية كان في اليمن، ثم انتقل شمالاً إلى الحيرة وعاد إلى الطائف وقريش.
ولكن البحوث العلمية التي أجريت من قبل عدد من العلماء العرب وغير العرب على النقوش والمخطوطات القديمة، توصلت إلى أن اللغة العربية انبثقت من النَّبَطية، التي هي ربما إحدى فروع السريانية القادمة من الآرامية، ومن هذه النقوش نقش النَّمارة المشهور الموجود حاليًا بمتحف اللوفر في باريس، وهو نقش لامرئ القيس بن عمرو، ونقش جبل رام (شرق مدينة العقبة) وهو نقشٌ من القرن الرابع الميلادي، ومدونة تعود لعام 512م مكتوبة بثلاث لغات وهي: اليونانية والسريانية والعربية، وعثر عليها في الزبداني بسوريا، واحتوت تلك المخطوطة على 22 حرفا عربياً، 15 منها فقط كان مختلفاً، وتستخدم للإشارة إلى 28 حرف صوتي.
وهناك مخطوطات أخرى باللغة العربية، من نفس الحقبة، ظهرت في جنوب الجزيرة العربية مكتوبة بما يُعرف بخط المسند الذي اُسْتخدم كما يبدو مع ظهور مملكة سبأ قبل القرن العاشر قبل الميلاد، ثم توقف استخدامه مع القرن السابع الميلادي مع ظهور الكتابه العربية المكتوبة بلغة قريش (وفي هذا الخصوص يوجد رأي جريء لطه حسين أورده في كتابه في الأدب العربي).
كانت الحروف العربية، تُكتب بلا تنقيط أو ترميز بالحركات الصوتية ونحوها، ثم وضع أبو الأسود الدؤلي قواعد الكلام، وحركات الرفع والنصب والخفض والجزم، وجاء الحجاج بعده فأمر العلماء بوضع التنقيط المعروف، وكذلك إدخال حروف العلة و”الهمزة “، وذلك في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، وبعد ذلك قام الفراهيدي بوضع الصيغة النهائية لهذا النظام في نهاية القرن السابع الميلادي.
وقد خضعت الحروف العربية (وعددها 28 حرفاً) لترتيبات مختلفة هي التالية:


-1 الترتيب الأبجدي :صنفت هذه الحروف وفق معيار الأصول التاريخية،حسبما يرى بعض الباحثين، حيث فرّعت إلى حروف آرامية (نبطية) وأخرى عربية. أما النبطية فعددها اثنان وعشرون (22) حرفا وهي : أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت. وأما العربية فهي ستة (6) أحرف أضافها العرب إلى الأصل النبطي وانفردوا بها، وتسمى “الروادف” وهي : ث، خ، ذ، ض، ظ، غ. سمي هذا الترتيب “الترتيب الأبجدي”، نسبة إلى الكلمة الأولى من الكلمات التي جمعت فيها هذه الحروف، وهذه الكلمات هي: أبْجَدْ، هَوَّزْ، حطِّي، كَلَمُنْ، سَعْفَصْ، قَرَشَتْ، ثَخَذْ، ضَظَغْ. أما الحروف كاملة فترتيبها التالي: أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت، ث، خ، ذ، ض، ظ، غ.
وقد اختلف في مدلول الكلمات: أَبْـجَـدْ هَـوَّز… في الأصل، فقيل إنها أسماء ملوك مَدْيَنْ، وقيل : إن أبا جاد كان ملك مكة، وقيل إنها أسماء شياطين أُلقيت على ألسنة العرب الذين كانوا في طاعته أن يكتبوها.


2-الترتيب الهجائي، أو الألفبائي:
نظراً لخلو الحروف من النقط وتماثل كثير منها في الشكل، برزت الحاجة إلى التمييز بين ما تماثل منها، فعهد الحجاج إلى نصر بن عاصم الليثي (708 م) القيام بالمهمة هذه، فعمد عاصم إلى الحروف الأبجدية تاركاً الألف المهموزة على حالها لتفردها، وانتقل إلى الباء فوضع بعدها ما ماثلها (التاء والثاء) فوضع تحت الباء نقطة وفوق التاء نقطتين وفوق الثاء ثلاث نقاط، وانتقل إلى الجيم وقام بمثل ما قام به مع الباء، وكذلك فعل مع بقية الحروف الأبجدية، وجمع أحرف العلة في النهاية، وهكذا تم له ترتيب الحروف ترتيباً جديداً عُرف بالترتيب الهجائي أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي.
ويعتبر هذا الترتيب أكثر تواتراً في الاستعمال، حيث رُتبت الحروف الهجائية العربية ترتيباً شكلياً (أي تشابه الحروف من حيث رسمها).


3-الترتيب الصوتي : رتب الخليل بن أحمد الفراهيدي (718 – 786م) صاحب معجم العين حروف معجمه الذي سمّاه «معجم العين» ترتيبًا صوتيًـا كالتـالي: ع. ح. هـ. خ. غ. ـ ق. ك ـ ج. ش. ض ـ ص. س. ز ـ ط. د. ت ـ ظ. ذ. ث ـ ر. ل. ن ـ ف. ب. م ـ و. ا. ي ـ أ. ونراه في هذا الترتيب قد عد الألف صوتاً من أصوات العربية.


حساب الجمّل:
استدل العرب في حساب الجمل على الأرقام بالحروف، حيث أُعطي لكل حرف قيمة عددية معينة، وتمتد أصول حساب الجمل في العربية إلى ما قبل الإسلام كما يشير إلى ذلك حجر النمارة الذي عُثر عليه في أطلال النمارة بحوران، ويؤكد ذلك نصّ أبرهة الأشرم المنقوش على سد مأرب، وقد ذكر ابن دريد في كتابه جمهرة اللغة عن حساب الجمل: “وأما الجمل من الحساب فلا أحسبه عربيا صحيحاً”، وربما استفاد العرب في ذلك، مثلهم مثل اليونان والأقباط واليهود والهنود حساب الجمل على طريقة (أَبْـجَـدْ هَـوَّز).
أما “إبن خلدون” فيذكر في مقدمته: أن حساب الجمل، المصطلح عليه في حروف أبجد، هو أن لكل حرف من الحروف الهجائية رقما خاصا على طريقة المشارقة وهي الطريقة المشهورة في مصر والعراق وسورية وغيرها من البلاد العربية الأخرى:
أب ج د هـ وز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ غ 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 20 30 40 50 60 70 80 90 100 200 300 400 500 600 700 800 900 1000 
ويستعمل حساب الجمّل هذا المنجمون والذين يتعاطون تاريخ الاحداث التاريخية والوفيات والولادات وما شاكل.
ومن تتالي الأحرف بالكلمة أو الاسم أو الجملة يقومون باستبدال كل حرف بالرقم المقابل له، ثم يجمعون الأرقام وفق عملية معقدة نوعاً ما، فينتج رقم إما فردي أو زوجي، ولكلٍ مدلوله وثقله، وفي هذا الصدد يورد إبن خلدون أنه في حال المقارنة بين شخصين من حيث اسميهما، يتم مقارنة العدد الناجم عن اسم كل منهما، فردياً كان أم زوجياً، ويقول إن هنالك بيتان في هذا المجال اشتُهرا بين النّاس وهما:
أرى الزّوج والأفراد يسمو أقلّها … وأكثرها عند التّحالف غالب
ويغلب مطلوب إذا الزّوج يستوي … وعند استواء الفرد يغلب طالب.

معن حيدر