الذكرى السنوية لمقتل الكونت فولكه برنادوت أحد الأعلام السويدية في القضية الفلسطينية

الكومبس- دراسات وأبحاث:  تمر في هذه الايام الذكرى السنوية 68 لاغتيال الكونت السويدي فولكه برنادوت الوسيط الدولي إلى فلسطين، والذي اغتيل على يد العصابات الصهيونية في 17 سبتمبر 1948 في مدينة القدس، وكان يرأس أيضا الصليب الأحمر السويدي، ولد في 2 يناير 1895 في ستوكهولم، وهو من العائلة الملكية السويدية وحفيد أوسكار الثاني الذي كان ملك السويد والنرويج.  الباحث رشيد الحجة يكتب عن هذه الشخصية السويدية ضمن عدة كتابات تتناول شخصيات سويدية أثرت في مجريات القضية الفلسطينية:

المتتبع لمجريات ومسيرة القضية الفلسطينية خلال المائة سنة الأخيرة يمر بعدد من الشخصيات السويدية، التي لعبت فيها دورا مّا. وفي حقيقة الأمر تحتاجا هذه الشخصيات دراسات معمقة ليس مجالها، بمجموعها، في هذه السيرة.

من هذه الشخصيات من كان معروف بسبب تسلمه مهام على المستوى الدولي، وبقرار من الأمم المتحدة. ومنها شخصيات أخرى غير معروفة حتى الآن على مستوى القارئ العادي أو الباحث العربي، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، رئيس الحاخامات في السويد “ماركوس إهرنبرايس” الذي كان يعتبر اليد اليمنى لرئيس الوكالة اليهودية في النصف الأول من القرن العشرين، حاييم وايزمن، والدبلوماسي السويدي “باول مون” الذي كان وراء رسم خرائط تقسيم فلسطين إلى سبعة أقسام؛ ثلاث منها ستصبح دولة يهودية، إستنادا إلى القرار رقم 181 الذي صدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني من عام 1947، وثلاث أخرى كانت ستصبح دولة فلسطينية والقسم السابع، القدس، سيتم تدويله. وكان باول مون، الذي يحتاج لدراسة خاصة، مساعدا للقاضي السويدي الذي قاد اللجنة الدولية، التي سميت بلجنة لانسكوب، التي أرسلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجد حلّاً للمشكلة الفلسطينية التي بعثت بها دولة الإنتداب البريطاني إلى الأمم المتحدة للبت فيها، وهي اللجنة التي قدمت للجمعية العامة للأمم المتحدة إقتراحين للحل.

تم على إثرها إعتماد قرار التقسيم الوارد أعلاه. في ثلاثينات القرن الماضي ثار الشعب الفلسطيني للتخلص من الإنتداب البريطاني من جهة ووقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين من جهة أخرى، ومن ثم لنيل الإستقلال. حاولت حكومة الإنتداب قمع تلك الثورة التي امتدت في كامل فلسطين من عام 1936 واستمرت حتى عام 1939. خلال تلك السنوات تم إرسال لجنة بيل الملكية عام 1937 التي خرجت، وللمرة الأولى باقتراح تقسيم لفلسطين، 81 بالمائة منها للعرب الفلسطينيين و18 بالمائة لليهود، ولم ينفذ الإقتراح.

ومع بدء الحرب العالمية الثانية خرجت بريطاني بماسمي الكتاب الأبيض لتهدأة روع الفلسطينيين ووعدت باستقلال فلسطين وضبط الهجرة اليهودية، الأمر الذي خفف من حدة الثورة الفلسطينية. لكن بدأت هناك بالمقابل مقاومة شديدة من قبل العصابات اليهودية ضد البريطانيين لشطب الكتاب الأبيض أو لتفريغه من محتواه. همدت الحرب العالمية الثانية ولم تهدأ الأعمال الإرهابية اليهودية من جهة وأعمال المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى. لم تستطع بريطانيا من السيطرة على الأوضاع مما دفعها لرفع الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للبت فيه، وولد قرار التقسيم من رحم الأحداث.

كان من الطبيعي ألا يقبل الفلسطينيون أن يعطوا قسما كبيرا من وطنهم إلى المهاجرين الجدد. وكان عدد السكان اليهود بمجموعهم آنذاك لايزيد عن ثلث السكان في فلسطين. ولم يكن بين أيديهم سوى حوالي 6 بالمائة من أراضي فلسطين، بينما خصص قرار التقسيم لدولتهم 56 بالمائة من مساحتها. وافق اليهود إسميا على قرار التقسيم. لكنهم بدأوا فعليا بسياسة التطهير العرقي لفلسطين. ويذكر المؤرخ اليهودي إيلان بابيه في كتابه ” التطهير العرقي لفلسطين” بأن اليهود قاموا، وقبل إعلان الدولة اليهودية، بهدم حوالي 200 مدينة وقرية فلسطينية واقتراف المجازر هناك لترويع الناس لدفعهم لترك بيوتهم وممتلكاتهم والهجرة إلى دول الجوار، وإلا سيقتلوا. ويضيف بأن الزعيم اليهودي دافيد بن جوريون كان من بين من شجعوا على طرد الفلسطينيين ومنعهم من العودة، حتى بعد تسلمه رئاسة حكومة الدولة الوليدة. هذه السياسة أدت إلى محاولة من بعض الدول العربية لإرسال بعض من جنودها للدفاع عن أخوانهم الفلسطينيين ووقف تلك المذابح ومنع اليهود من التمدد والوسع.

تفاقمت العمليات الحربية في فلسطين الأمر الذي دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة لتعيين وسيط دولي لوقف القتال الدائر على أرض فلسطين بين العرب واليهود، وتم اختيار الأمير السويدي فولكه برنادوت. من هو فولكه برنادوت؟ – عائلة برنادوت فرنسية الأصل تعود لقائد عسكري اختاره السويديون من قادة جيوش نابوليون وكان يدعى ب، جان بابتيست برنادوت، وطلب من السويديون في عام 1810 ليأتي إلى السويد ويصبح ملكا على السويد، وأعطي على إثرها إسما سويديا هو، كارل الرابع عشر يوّان. ولد فولكه برنادوت في العاصمة السويدية ستوكهولم بتاريخ 2 كانون الثاني من عام 1895، حفيدا لملك السويد آنذاك المدعو أوسكار الثاني، من إبنه الثاني (1). وهذا ماأبعد فولكه وأباه عن وراثة عرش المملكة. وأصبح العرش من نصيب عم فولكه برنادوت جوستاف الخامس منذ عام 1907 وحتى عام 1950.

إذا؛ يمكن القول بأن فولكه برنادوت نفسه قد ترعرع بين أفراد العائلة الملكية كواحد منهم، فدرس الثانوية العامة وتخرج بعدها من كلية الضباط في عام 1915 ليصبح تدريجيا القائد العسكري لإحدى الوحدات العسكرية. استمر في هذه الوظيفة حتى عام 1930. أجبره مرضه الشديد في معدته بعد ذلك على ترك الجيش كليا. لكن حياته العسكرية الطويلة جعلته كثير الإنضباط ومحب للنظام والتنظيم في أمور حياته اليومية، وفي أداء مهماته الأخرى. تزوج الأمير فولكه من سيدة من خارج العائلة المالكة وهي سيدة غنية جدا من الولايات المتحدة الأمريكية وتدعى إستيلاّ مانفيله. هذا الزواج أفقده لقب الأمير في السويد وأعطي بدلا عنه لقب “جريفه”.

اللقب الذي اشتهر باللغة العربية بالكونت. رزق فولكه من هذه السيدة أربع أولاد. توفي منهما إثنان وهما في سن الطفولة. وكانت إستيلا، كما شهد لها العديد من أصدقاء فولكه برنادوت وأقاربه، ملهمة له وسندا قويا في حياته(2). كان فولكه شخصية متدينة وعادية، وحياته بسيطة. كانت إهتماماته متعددة، فكان مثلا يحب الكتابة وأصدر ثلاثة كتب؛ النهاية، وعوضا عن السلاح، وجمعت مذكراته عن مهمته في فلسطين في كتاب صدر بعد مقتله تحت إسم إلى القدس. كان فولكه يحب السباحة والرماية وركوب الخيل والصيد والمسير في الجبال. وأصبح رئيسا لكل جمعيات هذه النشاطات الرياضية على مستوى المملكة. كما أصبح رئيسا للحركة الكشفية في السويد، مما جعله معروفا ومحبوبا لدى أطفال وشبيبة السويد بأكملها.

لم يكن أحدا من معارفه أو أصدقائه او أقربائه ليتنبأ بما سيصل إليه فولكه من شهرة وأهمية على المستوى الدولي، حيث بدأ يلعب دورا دوليا خطرا منذ بداية الأربعينات من القرن الفائت. ومن خلال ماتوصل إليه بإسم جمعية الصليب الأحمر السويدي، التي كان يرأسها في السويد، دخل بمهمة أولى في مفاوضات عسيرة بين القادة الألمان وقادة قوات الحلفاء لإنهاء القتال ووقف الحرب العالمية الثانية من جهة، ولتحرير السجناء النرويجيين والدانماركيين والسويديين من جهة أخرى، وكذلك من خلال مهمته الثانية والصعبة التي دفع حياته ثمنا لها في القدس، أثناء توسطه لوقف الحرب الدائرة بين اليهود الصهاينة والعرب في صيف عام 1948.

المهمة الأولى بدأت مهمة فولكه برنادوت الأولى في شهر تشرين الثاني من عام 1944 وكان هدفها الأول هو تحرير المعتقلين، وكان القسم الأكبر منهم من اليهود، ونقلهم أولاً إلى الأراضي السويدية، ومن ثم نقلهم إلى بلادهم الأصلية النرويج والدانمارك، بعد انتهاء القتال. ويتم نقل العائلات السويدية منهم، كالنساء السويديات، اللواتي كن قد تزوجن من رجال ألمان وسقطوا أثناء المعارك، مع أطفالهن إلى السويد. تمت المفاوضات بين فولكه برنادوت، بإسم السويد، والقائد الألماني هنريش هيملر، المقرب جدا من الرئيس الألماني آدولف هتلر. تمكن فولكه برنادوت بالفعل من إنقاذ عشرين ألف إنسان من المعتقلات النازية بعملية سميت بعملية الباصات البيضاء، نظرا لأنها كانت مطلية باللون الأبيض وعليها شارة الصليب الأحمر. العملية التي تم إنجازها في شهر أيار من العام 1945، بعد أن نجح برنادوت في التوسط لإنهاء الحرب، وانسحاب القوات الألمانية من الأراضي النرويجية والدانماركية. دوّن برنادوت مذكراته عن هذه المهمة واصدرها على شكل كتاب بعنوان “النهاية”.

جعلت هذه المهمة، التي توجت بالنجاح لفولكه برنادوت، من شخصيته رمزا دوليا للسلام. إنطبعت مزاياها وتبلورت بالأعمال الإنسانية. وتؤكد زوجته إستيلا هذه المزايا بترديدها كلمة شهيرة كان يقولها برنادوت نفسه قبل اغتياله: “إننا لم نُخلق لنكون سعداء وإنما خُلقنا حتى نُسعد الآخرين”(3). كما ويعتقد بعض المحللين لشخصية فولكه برنادوت الطيبة والمفعمة بالإنسانية، قد كانت نتيجة فجيعته بولدين من أولاده الأربعة من جهة، ونتيجة المرض العضال الذي كان يعاني منه في معدته، القرحة، المرض الذي أجرى له عدة عمليات جراحية، وأخيرا تديّنه الذي نادى من خلاله بالعدل والمحبه. المهمة الثانية كانت إذا خلفية برنادوت الإنسانية هي المؤهل والمرجعية الكبرى لتلقى على أكتافه ثقة الدول الكبرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد تشكلها في عام 1945 بسنوات قليلة. أو يمكن القول بأن مهمته الأولى في إنقاذ الآف اليهود من معتقلات النازية هي الحافز لدول العالم في اختياره مرة أخرى كوسيط بين متحاربين عنيدين في الشرق الأوسط، هما اليهود والعرب وذلك في صيف عام 1948، هذه المهمة التي استمرت لمدة أربعة أشهر تقريبا. وفي كتاب سويدي” مقتل فولكه برنادوت” صدر حديثا بمناسبة ذكرى اغتيال فولكه برنادوت، يذكر الكاتب يوران بورين ويقول: بأن نجاح فولكه برنادوت فيما سمي بعملية الباصات البيضاء وإنقاذ الآلاف من اليهود أصبح محبوبا لدى اليهود، الأمر الذي دعاهم لتشكيل مجموعة ضغط بذلت جهودها داخل أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة لاختياره وتفضيله على المرشح الآخر لنفس المهمة السيد باول فان زيلاند، لمهمة الوساطة في فلسطين، أملا منهم أن ينحاز لهم ويبرر لهم كل ما يفعلونه بحق الشعب الفلسطيني.

هذا وقد اعترف فولكه برنادوت شخصيا في كتابه “إلى القدس” بأنه لم يكن يعرف الكثير عن العرب بشكل عام وعن الفلسطينيين بكل خاص، على عكس ما خبره عن اليهود ومآسيهم في أوربا وخاصة في ألمانيا. ويذكر فولكه برنادوت في مذكراته اليومية – جمعها فيما بعد بكتاب، مساعد برنادوت في تلك المهمة، والشاهد على حادثة الإغتيال الجنرال السويدي أوجه لوندستروم، بمشاركة السيد راجنر سفانستروم، تحت عنوان “إلى القدس” الصادر في ستوكهولم لسنة 1950 – بأنه تسلم برقية من الأمين العام للجمعية العامة للأمم المتحدة السيد “تريجفه ليه”.

البرقية التي أرسلت له عبر وزير الخارجية السويدي بتاريخ 13 أيار من عام 1948 ليتم تكليفه بالمهمة، بعد أن رشحه لها كل من ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا والصين في الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما ويقول برنادوت بأنه قد صاغ الرسالة الجوابية مع زوجته متضمنة الشروط المربوطة بالموافقة على المهمة، وكان من بين هذه الشروط: —أن يتم تحديد ماهية العمل والمهام والصلاحيات الممنوحة لي. —أن يتم تعيين عدد من الخبراء بالقضية الفلسطينية كمساعدين لي – وهنا تأكيد آخر على ضحالة المعلومات عند برنادوت حول ملابسات القضية الفلسطينية. —أن يتم السماح لي بالعودة إلى السويد للمشاركة في المؤتمر الدولي للصليب الحمر الذي سيعقد في ستوكهولم. ويتابع قوله: ” لقد تسلمت من الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد يومين تماما، برقية جوابية بالموافقة على شروطي، وتعييني وسيطا دوليا لحل المشكلة الفلسطينية” (4). وكان من بين ماتضمنته البرقية عن مهام الوسيط الدولي هذا: 1-بالتفاهم مع السلطات المحلية في فلسطين، أن يتخذ الوسيط الإجراءات الضرورية لاستمرارية حياة وأمن السكان هناك. كما أن عليه حماية الأماكن المقدسة والدينية في فلسطين، والعمل جاهدا على إيجاد الحلول السلمية للوضع المستقبلي في فلسطين. 2-على الوسيط التعاون مع لجنة الهدنة المعيّنة من قبل مجلس الأمن بقرارها الصادر بتاريخ 23 نيسان من عام 1948، اللجنة المشكلة من كل من القنصل العام الأمريكي ونظيريه الفرنسي والبلجيكي في مدينة القدس. 3-على الوسيط التعاون، بما تسمح به الظروف بما يتعلق بحياة السكان في فلسطين، مع المنظمات الدولية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، كمنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الصليب الأحمر الدولي، والمنظمات الأخرى الرسمية وغير الرسمية، ذات الطابع السياسي والإنساني (5).

ويضيف الأمير برنادوت بأن رسالة أخرى كانت قد تسلمتها وزارة الخارجية السويدية، عبر سفيرها في الأمم المتحدة، تطلب إليه التوجه فورا إلى مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليطلع جيدا على الوضع الراهن في فلسطين. ويعلق فولكه برنادوت على هذا الطلب مستاءا بقوله: “شعرت بأنه من الخطأ إرسال الوسيط، الذي تم اختياره لحل النزاع في الشرق الأدنى، الذي أصبح يأخذ أشكالا خطيرة، باتجاه الغرب للحصول على المعلومات، بدلا من إرساله فورا ومباشرة إلى ساحة النزاع” (6). وفعلا حصل الأمير الوسيط، الذي لم يكن يفقه إلا القليل عن أبجديات القضية الفلسطينية، بعد إبلاغه، هاتفيا للأمين العام للأمم المتحدة، عن رأيه هذا في الموضوع، حصل على الموافقة على السفر الفوري إلى ساحة الأحداث، فلسطين.

غادر برنادوت ستوكهولم متوجها إلى باريس بتاريخ 25 أيار من عام 1948 للقاء مستشاريه، الذين تم تعينهم أولا، وفي الوقت الذي توجه فيه مجلس الأمن بالطلب إلى الطرفين المتحاربين، العرب واليهود، بوقف إطلاق النار. كما تم تخصيص طائرة، تم وضع شارة الصليب الأحمر عليها لتمييزها، ولتكون تحت تصرف الوسيط وطاقم بعثته للتنقل بين عواصم المنطقة. وبما أن فولكه برنادوت يرى حسب رأيه طبعا(7) من أن الدول العربية هي التي بدأت الحرب ضد اليهود، فقد قام بعرض خطته للبدء في العمل، بأن يباشر بالإتصال بالطرف العربي بدءا من القاهرة – مع الملك فاروق ورئيس وزرائه النقراشي باشا، والأمين العام لجامعة الدول العربي السيد عزام باشا – وبعدها إلى عمان للقاء الملك عبد الله، ومن ثم يتوجه إلى بيروت، فدمشق وأخيرا يتوجه إلى تل أبيب للقاء قادة الطرف اليهودي. لقيت خطة برنادوت هذه الترحيب الكامل من قبل مستشاريه. وقبل ان يغادر الأمير العاصمة الفرنسية باريس التقى هناك في اليوم التالي من وصوله أي بتاريخ 26 أيار، وبعد زيارته لأحد معسكرات تجميع اليهود، بناحوم جولدمان، الذي كان يومئذ يشغل منصب نائب رئيس الوكالة اليهودية العالمية، وكان يمثل حكومة إسرائيل المؤقتة في لندن أيضا.

وكان أهم مادار بين الرجلين هو عرض جولدمان لمفهومه عن الموقف البريطاني الرسمي حول القضية الفلسطينية، بقوله: “إن الملك فاروق في مصر والملك عبدالله في شرقي الأردن هما أهم شخصيتين عربيتين. أما المفتي، الحاج أمين الحسيني، فلا يملك شيئا تقريبا للحديث معه عنه” (8). مما تقدم ومما يستنبطه القارئ لهذه الكلمات في كتابي فولكه برنادوت “النهاية” و “إلى القدس” يمكن استخلاص مايلي: أولا: لم يكن لدى الأمير فولكه برنادوت المعلومات التفصيلية الحقيقية والكافية عن القضية الفلسطينية وجذورها وواقعها الراهن(9)، كما كان يعرف عن مجريات الحرب العالمية الثانية وتفاصيلها، أثناء أداء مهمته كوسيط بين دول المحور والحلفاء.

ويؤكد السيد فولكه بأنه لم يسبق له أن عرف الكثير عن فلسطين والفلسطينيين وقضيتهم، كما ولم يكن له أي تواصل مع العرب (10). ثانيا: لم يتفرغ فولكه برنادوت نهائيا لأداء مهمته كوسيط في فلسطين، وخاصة في الفترة الحرجة من المفاوضات، الفترة التي كان يتشرد فيها مئات الآلاف من الفلسطينيين العزل إلى المنافي، حيث كان هو مشغولا بحضور المؤتمر الدولي للصليب الأحمر في العاصمة السويدية ستوكهولم. وللعلم فإن برنادوت كان يشغل يومئذ منصب نائب رئيس الصليب الأحمر السويدي. ثالثا: إن خطته الأولية، حسب ما ورد، كانت البدء بالإتصال مع القادة العرب، ومازاد عليها من لقائه مع نائب رئيس الوكالة اليهودية ناحوم جولدمان الذي نصحه بأن ممثل الشعب الفلسطيني، الحاج أمين الحسيني، لايملك شيئا للتحدث معه عن الأحداث. وقد نفذ برنادوت هذه النصيحة بحيث أنه لم يلتق البته مع الحاج أمين الحسيني أو أية قيادات أخرى للشعب الفلسطيني ليشرحوا له وجهة نظرهم ومطالبهم. إلا أن برنادوت قد التقى مع الزعماء العرب واليهود فقط. ومن الجدير ذكره هنا أن الأمير فولكه نفسه لم يكن قد تعرف في حياته على شخصية فلسطينية واحدة. وذلك على عكس ما قد حصل معه أثناء أداء مهمته الأولى مع القائد الألماني هيملر حين قال له، محاولا إقناعه بتخفيف آلام اليهود غير المذنبين: (11) ” يوجد هناك أفراد جيدون بين اليهود تماما كما هو عند الشعوب الأخرى. وأنا شخصيا لدي العديد من الأصدقاء اليهود”.

ومن المؤسف جدا أنه عندما وصل هذا الوسيط إلى القاهرة، وأثناء حديثه مع شخصيتين عربيتين، لم يذكر اسميهما وهما ممثلين لدولتين في جامعة الدول العربية، نصحاه، تماما كما فعل الصهيوني ناحوم جولدمان، بعدم الإتصال أو اللقاء مع الحاج أمين الحسيني (12). هذا يذكرنا بما حدث مع قادة الشعب الفلسطيني خلال عقود طويلة من الزمن من مواقف بعض القادة العرب وكذلك الدوليين الذين تعاملوا باستخفاف وبفوقية مع منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن المحتل وفي الشتات. رابعا: إن برقية الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بتعين فولكه برنادوت قد تضمنت في بندها الأول: بأن على الوسيط الإتصال والتفاهم مع السلطات المحلية في فلسطين. وفي هذا المجال يعلم القاصي والداني، أن الفلسطينيين لم يسمح لهم أن يؤسسوا البنية التحية لمجتمعهم، كما كان يسمح لليهود في فلسطين. فاليهود مثلا شكلوا الألوية العسكرية التي أصبحت أساسا لما سمي بعد أعلان الدولة بجيش الدفاع الإسرائيلي، بعد التغاضي البريطاني. إذا كان على الوسيط الإتصال بالأطراف المعادية للشعب الفلسطيني من بريطانيين ويهود وبعض العرب. خامسا: كان تشكيل لجنة الهدنة، بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، يسير على مبدأ، حاميها حراميها، فجميع القناصل، الأمريكي والفرنسي والبلجيكي، هم أدوات في أيدي سياسيي بلادهم لتنفيذ مخطط تشكيل دولة يهودية على حساب الشعب الفلسطيني. فعندما قام، على سبيل المثال، فولكه برنادوت، أثناء وجوده في باريس، بسؤال وزير الخارجية الفرنسي السيد بيدولت بتاريخ 26 أيار من عام 1948 مفاده: “هل توافق فرنسا على أن تكون مدينة القدس عربية؟” فأجاب الوزير فورا:” لا…إن ذلك الأمر يجب ألا يكون في الحسبان أبدا، لأن العالم المسيحي وقتئذ سيجتمع في حرب صليبية جديدة”! (13).

سادسا وأخيرا والأكثر أهميةً: من المهم جدا ملاحظة أن قرار تعيين الوسيط الدولي قد أعطى الأمير فولكه برنادوت الصلاحية بعدم الإلتزام بقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 1947؛ وكان على الوسيط، إن ارتأى ذلك، تقديم مقترحات جديدة لحل القضية الفلسطينية. وقد أكد فولكه برنادوت ذلك بنفسه أثناء محادثاته مع عزام باشا (14). وفعلا خرج هذا الوسيط بخطته الشهيرة التي رفعها للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 27 حزيران من عام 1948، وكان من أهم بنودها إعطاء إقليم النقب إلى العرب، ومنح اليهود منطقة غرب الجليل بدلا من النقب، وعلى أن تكون القدس عربية وليست دولية، وأن يتم ضم المناطق العربية إلى مملكة شرقي الأردن وتكون تحت سلطة الملك عبد الله…إلخ. لابد هنا من طرح التساؤل: ألم تجد الجمعية العامة للأمم المتحدة شخصا انسب لهذه المهمة من فولكه برنادوت؟ إذا ضمن هذه الظروف وهذه الشروط بدأت عملية الوساطة بين الطرفين المتحاربين، والتي قادها الأمير فولكه برنادوت بقلبه الطيب إلى درجة السذاجة، حيال الحركة الصهيونية العالمية، ومن ورائها الدول الإستعمارية التقليدية كبريطانيا وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية. كل ذلك قد أضعف من جهود برنادوت للوصول إلى نتائج طيبة في فلسطين، منذ بداية الأمر، وخاصة في الأسابيع الأولى المبذولة من قبله، أي قبل اكتشافه حقيقة سياسة القادة الصهاينة ومراوغاتهم.

كما انعكس ذلك على مجمل مجرى الأحداث في المنطقة حتى كتابة هذه السطور، أي بعد مرور 68 عاما على النكبة. ويمكن للمتتبع لأحداث القضية الفلسطينية قراءة ماغفلته السجلات والتحليلات والدراسات العربية حول تاريخ القضية الفلسطينية في تلك المرحلة، وخاصة بما تعلق بمهام الأمم المتحدة خلال الأشهر الحرجة، وبما يتعلق بفهم شخصية الأمير السويدي والوسيط الدولي فولكه برنادوت، وفهم دوره والظروف التي أحاطت به أثناء أداء مهمته، وتحديدا الفترة الأولى أي قبل إطلاعه على بعض حقائق الأمور قبل مقتله. وللإنصاف في حق الرجل فقد نجح برنادوت، وبعد لقاءاته العديدة والمتكررة مع القادة العرب، من غير الفلسطينيين، واليهود، إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار بين طرفي القتال إعتبارا من تاريخ 11 حزيران من عام 1948 ولمدة أربعة أسابيع. لقد كان التوقف عن إطلاق النار من قبل العرب خطأ كبير نتيجة لعدم توحد كلمتهم في ما يخص مستقبل فلسطين وتهريب السلاح ضمن عملية مخادعة على متن الباخرة ألتالينا التي كانت تحمل ثلاثة آلاف طن بعد أن رست في مياه تل أبيب بتاريخ 21 حزيران لعام 1948. الباخرة التي تم السكوت عنها من قبل المراقبين الدوليين، على الرغم من منع التسلح وتوقيف الهجرة اليهودية حسب شروط وقف إطلاق النار، على الأقل خلال فترة الهدنة (15).

إن غض النظر عن تهريب السلاح والمقاتلين للفريق اليهودي قد رجّح كفة العصابات الصهيونية في الميزان العسكري بعد انقضاء فترة الهدنة، وجعلهم فيما بعد يفرضون الشروط التي تناسبهم أثناء مفاوضات الهدنة التي تمت على أرض جزيرة رودوس اليونانية، بين الدول العربية والدولة الوليدة عام 1949، الهدنة التي امتد أمدها حتى تاريخ 1956 حين غزت إسرائيل أراضي مصر في العدوان الثلاثي، ومع باقي الدول المجاورة في حربها عليهم عام 1967. ومن جانب آخر ظهر مع تمرس الأمير برنادوت في الأحداث وفهم جوانب إنسانية في القضية الفلسطينية، بات يدرك الكثير من القضايا الأساسية ومن أهمها: —-عن لقاءاته بالقادة العرب يقول برنادوت: ” عندما التقيت للتو مع رئيس وزراء شرقي الأردن ووزير خارجيته، طرحت عليهم المشكلة في ما يخص مستقبل فلسطين، بنفس الطريقة التي كنت قد طرحتها سابقا في بيروت، أثناء محادثاتي مع كل من عزام باشا ورئيس الحكومة اللبنانية. لقد كانت ردود فعلهم مهمة جدا لي، حيث أنهم شاركوني، وبشكل كلي رأيي؛ وهو أنه على المرء ألا يستبعد من حساباته وجود دولة يهودية، واستمراريتها في المنطقة” (16). —-من خلال مشاهداته اليومية وقرائته وتحليله للتقارير حول وضع اللاجئين الفلسطينيين يصف الوسيط برنادوت وضعهم بقوله: ” قبل أن نغادر مدينة القدس قمت بزيارة لمدينة رام الله، حيث تجمع الآلاف من اللاجئين الفارين من مدينتي اللد والرملة.

فالعديد من مخيمات اللاجئين كنت قد تعرفت عليها– يقصد برنادوت هنا ماشاهده من مخيمات اللاجئين في أوربا أثناء الحرب العالمية الثانية – لكنني لم أر أبدا أفظع وأكثر بؤسا من هذا المنظر الذي واجهني هنا في رام الله: أمواج من البشر تحلقت حول سيارتنا، كانت وجوه شرقية براقة، تصرخ ناشدة الطعام والعودة إلى الديار. لقد كان من بينهم الكثير، في هذا البحر من الناس، من الوجوه البائسة من جراء العذابات التي تعرضت لها. وأذكر جيدا أن بعض الرجال المسنيين من ذوي اللحى وغير القادرين على الحركة قد دخلوا إلى السيارة قابضين بأيديهم قطع خبز غير صالحة للأكل، للناس العاديين، مؤكدا.

وهذا كل ماكان بحوزتهم من قوت…ومع هذه المناظر التي تفتت القلب وتهز المشاعر، غادرنا في يوم الثالث من آب باتجاه مدينة الإسكندرية” (17). بعد مرور ستة عقود من الزمن خرج احد المؤرخين الجدد من اليهود الإسرائيليين، السيد إيلان بابيه، ليؤكد مثل هذه الوقائع التي أنكرها القادة الإسرائيليين وغيبها الإعلام الدولي، في كتابه ” التطهير العرقي لفلسطين” بالقول: ” لقد كان هناك حوالي مائتي قرية ومدينة فلسطينية قد تم تدميرها وطرد أهلها قبل إعلان الدولة اليهودية” وبالطيع كان الزعيم اليهودي دافيد بن جوريون من بين من شجعوا على طرد الفلسطينيين، ومنعهم من العودة إلى ديارهم حتى أثناء توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية. — وأخيرا ومن خلال المماحكات شبه اليومية مع قادة اليهود إعترف فولكه برنادوت بعدم تعاون اليهود معه ومع رجال البعثة الدولية التابعين له.

فيقول ذات مرة بعد لقائه مع الحاكم العسكري في القدس، وكذلك لقائه مع وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شرتوك، وحديثه معهما فيما يخص وضع القدس وسحب السلاح منها: “لقد تولد لدي نفس الشعور بلقائي مع الدكتور يوسف، عندما التقيت بعد عدة أيام مع وزير الخارجية الإسرائيلي شرتوك ومساعده. فهم لم يبالوا بما تقدمت به من مقترحات، ولم أصل معهم إلى أية نتيجة. وكان دليلي على ماأقول هو ماقرأته فيما بعد في الصحيفة اليهودية “بالستاين بوست” التي كتبت مايلي: (لقد خرج فولكه برنادوت من اجتماعه مع وزير الخارجية الإسرائيلية دون نتيجة تذكر). وهذا ما اعتبر انتصارا وفرحا لليهود. فمن جانبي أخذت ردة الفعل اليهودية كدليل على ماوصفته سابقا وهو، عدم رغبة اليهود بالتعاون. إن النجاحات العسكرية لليهود خلال العشرة أيام، قد شمخت برأسهم وزادتهم عنادا.

وإذا استمروا في هذا التكتيك فإنهم لابد خاسرون، لأن الرضى والتغاضي والتسامح الدولي سينخفض، وهذا ليس من مصلحتهم. لذا فإنني قررت القيام بإجراء لقاء شخصي مع شرتوك، كي أجعله يدرك خطورة الطريق الذي يتبعه، ويتوجب عليه التوقف عنه. كما ,انني أشعر بأن مهمة أعضاء الوفد التابعين لي قد أصبحت صعبة، فيما يخص تعاونهم مع اليهود. وإن كل المسائل المطروحة من قبلهم تقابل بسلبية ومعارضة وعدم الرغبة في التعاون من قبل اليهود” (18). وعندما التقى برنادوت بشرتوك مرة أخرى بتاريخ السادس من آب من عام 1948 قال له: ” يبدو لي بأن المطالب اليهودية لن تنتهي أبداً – وهذا مايذكرنا بالمطالب اليهودية اللامتناهية أثناء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى يومنا هذا”… ويضيف برنادوت بقوله:” إن إنطباعاتي الثابتة والمؤكدة هي بأن لليهود الآن على مايبدو عدوين؛ العدو الأول والرئيسي مازال هو العرب. أما العدو الثاني فهو أنا والمراقبون الدوليون”(19).

بواعث جريمة الإغتيال إن معرفة وإدراك الأمير فولكه برنادوت حقائق الأمور وإصراره على تطبيق مقترحاته وهي إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، وضم إقليم النقب إلى الدولة العربية، وضم القدس إلى الدولة العربية وأخيرا مطالبته اليهود بوقف تهريب السلاح ووقف الهجرة ولو مؤقتا، خاصة بعد أن اكتشف شخصيا– حسب رأي الكاتب السويدي يوران بورين في الصفحة 183 من كتابه الجديد “إغتيال فولكه برنادوت” – من أن اليهود قاموا بتهريب الأسلحة من الدول الشرقية، مثل تشيكوسلوفاكيا، أثناء فترة وقف إطلاق النار عن طريق مطار أكير. قد أديا به إلى دفع حياته ثمنا لهذا الموقف والإصرار عليه. وللعلم فإن برنادوت كان يعي خطورة مواقفه هذه. فسأله أحدهم مثلا حول خطورة التجول في أحياء القدس لأداء مهمته كوسيط فيجيب: “بنعم…نعم إنها بالطبع خطرة، لكنني يجب أن أعرض حياتي للخطر، وهذا ماهو من ضمن مهمتي وواجبي في العمل. هذا وتصلني يوميا رسائل تهديد من عدة جهات، منها الجهة اليهودية، لكني إذا أخذت هذه الرسائل على محمل الجد فإنني لا أستطيع أن أتابع عملي وواجبي” (20). كما وأدت مواقف برنادوت إلى خروج مظاهرات يهودية عديدة تنادي بطرد برنادوت تحت شعار ” القدس لنا وستوكهولم للسويديين”.

ومن المؤكد بأن مطالبات برنادوت بعودة اللاجئين الفلسطينيين، قد دفعت الجمعية العامة للأمم المتحدة فيما بعد من اتخاذ القرار 194 من عام 1948 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم. تفاصيل جريمة اغتيال الأمير السويدي والوسيط الدولي فولكه برنادوت على أيدي العصابات الصهيونية، في القدس. في يوم الجمعة الواقع في 17 أيلول من عام 1948 وفي الجزء الذي كان يقع تحت السيطرة اليهودية من القدس، وبعد أن عبرت حافلات الأمم المتحدة الثلاث الحاجز اليهودي، الحاجز الذي رفع الخشبة ثلاث مرات وخفضها، ليدل على وجود فولكه برنادوت في السيارة الثالثة، وهذا مالاحظه واستغربه جميع المراقبين المرافقين لبرنادوت، وهذا أيضا مايدل على التعاون بين رجال الحاجز الذين هم من الجيش الإسرائيلي “الهاجاناه” وبين رجال العصابات اليهودية مثل عصابة شتيرن وعصابة ليحي، ظهرت سيارة جيب عسكرية يهودية. وقفت الجيب في عرض الشارع وترجل منها ستة رجال يهود مسلحين ويرتدون اللباس العسكري الإسرائيلي ليحيطوا ويحاصروا السيارة رقم ثلاثة، التي يجلس في كرسيها اليميني الخلفي الوسيط فولكه برنادوت، وبجانبه من جهة اليسار العقيد الفرنسي سيروت، ويجلس في الجانب اليساري الخلفي الجنرال السويدي أوجه لوندستروم.

كان هؤلاء شهودا على الحادثة، ومن بين ماقاله لوندستروم بأن أحد الجنود الإسرائيليين كان يبحث عن فولكه برنادوت لاغتياله. عندما وصل الإرهابي إلى هدفه رفع رشاشه ووجهه إلى صدر برنادوت وأفرغ فيه ست طلقات، وانتقل ليفرغ ست طلقات أخرى في صدر العقيد الفرنسي سيروت (21). غادر الإرهابيون الإسرائيليون بسيارتهم العسكرية مكان الحادث واختفوا عن الأنظار، وفي الوقت عينه فارقا كل من فولكه برنادوت وسيروت الحياة. وكما هي عادة اليهود الصهاينة، فقد قتلوا القتيل ومشوا في جنازته في يوم الأحد بتاريخ 19 أيلول لعام 1948 في العاصمة السويدية ستوكهولم. كانت ردود الفعل الدولية على هذا الحادث كبيرة، لكن سياسات الدول العظمى، التي عملت على خلق دولة إسرائيل، قد غطّت، وبفعل عقدة الذنب تجاه المذابح التي ارتكبتها النازية ضد اليهود، على مافعلته الأيدي اليهودية الصهيونية الإرهابية بالأمير فولكه برنادوت، الإنسان الذي كان قد أنقذ أرواح الآلاف منهم!. أما ردود الفعل السويدية فقد كانت أعمق بكثير مما كانت عليه ردود الفعل الدولية. فعلى المستوى الرسمي، فقد شغل الحادث البرلمان السويدي لفترة تزيد عن السنة مابين أخذ ورد في الحوارات مابين الأحزاب وخاصة في موضوع الإعتراف بهذه الدولة الوليدة.

فبعد أن اعترفت السويد بالأمر الواقع (دي فاكتو) بإسرائيل بتاريخ 16 شباط من عام 1949، فقد تأخر الإعتراف القانوني (دي يور) بها حتى تاريخ 12 تموز من عام 1950 وذلك بعد أن تسلمت السويد كتابا خطيا من إسرائيل تعترف فيه بعجز التحقيقات عن كشف المجرمين. ويرى المؤلف السويدي يوران بورين في الصفحة 186 من كتابه “إغتيال فولكه برنادوت” حول عدم جدية الحكومة الإسرائيلية في جمع المعلومات، وعدم محاكمة من تبين فيما بعد بأنهم القتلة، ومحملا إياها المسئولية عن الحادثه بمايلي: 1-لم تقم إسرائيل بإغلاق مكان الجريمة مما سبب إخفاء الكثير من الأدلة، مثل نوع الطلقات المستخدمة. 2-تم فحص ودراسة حالة السيارة التي كان يستقلها برنادوت بعد، وليس قبل، إصلاحها، كما لم يتم فحص السيارات المرافقة الأخرى. 3-إدعت إسرائيل بأنها لم تتمكن من معرفة سيارة الجيب التي استخدمها القتلة، ولا معرفة من كان يقودها في تلك الساعة. 4-لم يتم سماع أقوال الشهود المرافقين لبرنادوت، ومن كانوا في مكان الحادث.

5-لم تسمح إسرائيل بالمواجهة مابين من تم إلقاء القبض عليهم ومابين الشهود للتعرف عليهم. 6-لم تقم إسرائيل بالتحقيق الجدي مع من تم إلقاء القبض عليهم. أما على المستوى الشعبي، لم تترك الصحافة الفرص حتى يومنا هذا لكشف ملابسات الإغتيال وكشف القتلة والمخططين ومن وقف ورائهم وفضحهم. تكثفت تلك الجهود الإعلامية بعد احتلال إسرائيل لمناطق عربية واسعة بعد حربها التي شنتها على الدول المجاورة في حزيران لعام 1967، على أيدي كتاب وصحافيين لتعريتها كدولة عدوانية وتوسعية وعنصرية. كان منهم على سبيل المثال لا الحصر الباحث سونه بارشون حيث تناول في اطروحته الجامعية شخصية الأمير فولكه برنادوت، ويفضح للمرة الأولى بعد إسدال الستار على الجريمة حوالي ثلاثة عقود من الزمن، في مقالة نشرها في أكبر الصحف السويدية داجينز نيهيتر (أخبار اليوم) في عددها الصادر بتاريخ 10 حزيران من عام 1979 ليقول، بعد مقابلة أجراها شخصيا مع المشار إليهم مايلي: أولا- إن كلمات الدكتور شيب وهو من مواليد بولندا من عام 1910 وإسمه الحركي في عصابة ليحي، إلداد، التي يفيد فيها: وهكذا قررت اللجنة المركزية في ليحي قتله، ولم يدر أي نقاش حول ذلك القرار بين القادة الثلاثة في ليحي.

نعم فأنا أتحمل كافة المسئولية كعضو في اللجنة المركزية في ليحي عن مقتل فولكه برنادوت، وأنا فخور بذلك…وليس من شك بأن مقتل شخص مهم مثل هتلر، وستالين، وبرنادوت يمكن أن يغير مجرى التاريخ. ثانيا-اعتراف إسحق ليزينيتسكي، المعروف فيما بعد بإسم إسحاق شامير الذي وصل إلى مرتبة رئيس للوزراء في إسرائيل، المولود في بولندا من عام 1915، وعضو اللجنة المركزية في ليحي، بقرار قتل برنادوت، بالإشتراك مع زملائه شيب وناتان فريدمان يلين. ثالثا-شخصية ناتان فريدمان يلين واسمه فيما بعد يلين مور، من مواليد بولندا لعام 1913. لقد أنكر يلين مور علاقته بالحادثة، ولكن عرف عنه أنه أحد قادة ليحي، وقد تم القبض عليه من قبل الحكومة الإسرائيلية على إثر مقتل فولكه برنادوت وحكم عليه بالسجن لمدة ثمان سنوات، إلا أنه لم يمكث في السجن سوى أسابيع قليلة وأفرج عنه، حيث تم انتخابه ليصبح أحد أعضاء البرلمان الإسرائيلي (الكنيست). رابعا- كلمات يهوشوع زيتلر، قائد القوات العسكرية في ليحي، من مواليد فلسطين لعام 1917 وأحد مؤسسي تنظيم ليحي حيث قال: إن قرار اغتيال برنادوت قد اتخذ في ليحي، وأنا كنت من بين الأشخاص الذين قرروا قتله.

لم يتم اتخاذ القرار هذا على عجل بل تحدثنا عنه لمدة شهور… ومن خلال قتل برنادوت فتحت ليحي عيون الحكومة الإسرائيلية على أن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي لاشيئ، وأن برنادوت كان يشكل، حتى تلك اللحظة، عائقا في وجه إسرائيل، عائقا نفسيا كان يجب القضاء عليه وةصفيته. كما يشير الكاتب سونه بارشون إلى القاتل نفسه، الذي زرع الطلقات في صدر الأمير فولكه برنادوت ليقضي عليه، وهو يهوشوع كوهين، مواليد فلسطين من عام 1922، وهو من أهم أصدقاء دافيد بن جوريون، الذي شاركه الحياة ولمدة طويلة في كيبوتز سديه بوكر في النقب. كان كوهين سجينا في إريتريا من قبل الإنجليز.

ولمساوئ الصدف بأن فولكه برنادوت كان قد طلب بنفسه من الحكومة البريطانية بالإفراج عن أعضاء ليحي من السجون الإريتيرية، وكان من بينهم يهوشوع كوهين. وتفيد المقالة المشار إليها أعلاه بأن كوهين رفض التعليق على الحادثة أثناء مقابلته مع الباحث السويدي سونه بارشون. إضافة لما تفضل به بارشون يقول: بأن برنادوت كان متهما من قبل اليهود على أنه عميل للنازية. ثم تعود نفس الصحيفة السويدية وفي عددها الصادر بتاريخ 18 أيلول من عام 1986 لتتحدث عن وفاة يهوشوع كوهين فتقول الصحافية السويدية بيرجيتا لوند من خلال ماعرفته من التلفزيون الإسرائيلي الذي تناول حياة دافيد بن جوريون من عام خلال نفس شهر أيلول من عام 1986 من أن ” ثلاثة من قادة الموساد كانوا مشتبهين بالمشاركة في عملية القتل ضد برنادوت. وكان كوهين أحدهم. واختتمت الصحافية لوند مقالها بالقول: من المؤكد بأن التاريخ الحالي الكامل للشرق الأوسط كان قد تغيَّر فيما لو تم تطبيق خطة فولكه برنادوت على فلسطين. أما الكاتب والسياسي السويدي الكبير السيد بير جارتون الذي انتقد في مقالة له، نشرها في مجلة سفنسكا جورنالين في عددها رقم 12 الصادر بتاريخ 10 حزيران من عام 1988، سياسات إسرائيل ومعلقا على قاتلي برنادوت بالقول: وبهذه الخلفية نستطيع القول بأن المسئولية الأولى، بعدم الوصول إلى حل سياسي، يقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية، الحكومة التي تقاد من قبل قتلة فولكه برنادوت.

من الملفت بأن الحكومة السويدية لا تقوم بإحياء ذكرى مقتل هذا الأمير الطيب وذلك ربما لعدم إزعاج الإسرائيليين أو لعدم تحريض المواطنين السويديين ضد إسرائيل، في حين يتم إحياء ذكرى اليهودي السويدي راؤول فالّنباري الذي اختفى في الإتحاد السوفييتي أثناء أداء مهمته في الحرب العالمية الثانية هناك. وأخيرا يبقى للعرب بشكل عام وللفلسطينيين بشكل خاص أمر إعادة هذه الذكرى للوجود، لرجل نذر حياته في سبيل الحق والعدل وإغاثة المظلومين، وآخرهم من دفع حياته من أجلهم وهم اللاجئين من الشعب الفلسطيني، رغم جهله بقضيتهم في بداية الأمر. وكان من أهم المؤشرات على جهله بقضية فلسطين بأنه كان يرى في الحاج أمين الحسيني بانه تعامل مع النازيين الألمان (22)، رغم عدم صحة هذه المعلومات. التهمة التي لبست برنادوت نفسه من قبل على يد اليهود الصهاينة أثناء أداء مهمته في مدينة السلام، مدينة الأنبياء القدس الشريف.

السويد – الباحث رشيد الحجة مراجع: (1)- صفحة 7 من كتاب “فولكه برنادوت” للمؤلف فريتيوف دالبي، صدر في ستوكهولم عام 1948 (2)- صفحة 34 من كتاب”فولكه برنادوت”للمؤلف أوكه ستافينوف وآخرون، صدر في أوبسالا عام 1949 (3)- صفحة 14 المرجع السابق (4)- صفحة 9 من كتاب “إلى القدس” المؤلف فولكه برنادوت، نشر بعد مماته، صدر في ستوكهولم 1950 (5 و 6)- صفحة 10 المصدر السابق (7)- صفحة 12 المصدر السابق (8)- صفحة16 و17 المصدر السابق (9)- صفحة93 من كتاب “سفير السلام، فولكه برنادوت” للمؤلف آينار ريمورفورش، صدر في ستوكهولم 1948 (10)- صفحة 122 من كتاب “إلى القدس” (11)- صفحة 61 من كتاب ” النهاية” (12)- صفحة 34 من كتاب “إلى القدس” (13)- صفحة 19 المصدر السابق (14)- صفحة 39 المصدر السابق (15)- صفحة 127 المصدر السابق (16)- صفحة 210 المصدر السابق (17)- صفحة 214 المصدر اسابق (18)- صفحة 213 المصدر السابق (19)- صفحة 223 المصدر السابق (20)- صفحة 101 من كتاب “سفير السلام، فولكه برنادوت” (21)- صفحة 280 من كتاب “إلى القدس” (22)- صفحة 114 المصدر السابق

رشيد الحجة كاتب وباحث مقيم في السويد