الزوج حاول إحراق نفسه قبل ترحيله وعائلته “ينهشها” الضغط النفسي

الكومبس – تحقيقات: علا دوغان وحسن حسين، زوجان لبنانيان، يقيمان في مدينة بروبي الواقعة بمقاطعة سكونه جنوب السويد.

وصلا مع طفليهما إلى السويد سنة 2016، طلباً لحق اللجوء السياسي، ثم انتقلوا سريعاً إلى مدينة ليكسلي شمال البلاد، حيث حصل حسن على فرصة عمل بدوام جزئي بنسبة (50%) لدى بلديتها.

استمر حسن في وظيفته مدة 10 أشهر كاملة، دفع خلالها ضرائبه بانتظام، كما تمكن من ترك سكن الهجرة واستئجار منزل صغير بعقد أولي دائم على حسابه الخاص.

 لكن راتبه الشهري المتواضع، لم يكن قادراً وحده على تغطية تكاليف معيشة أسرته لولا المساعدات المالية التي كانت تصرفها لهم مصلحة الهجرة. الأمر الذي لم تضعه هذه الأخيرة بعين الاعتبار، عندما قررت قطع مساعداتها كلياً عن العائلة.

هكذا، وجد نفسه فجأة، غير قادر على تسديد قيمة إيجار منزله، فضلاً عن تلبية احتياجات عائلته اليومية. ما اضطره إلى ترك عمله ومنزله والمدينة بأسرها، ثم العودة مع عائلته خالي الوفاض، للإقامة في حجرة بإحدى مراكز سكن اللاجئين ضمن مدينة مالمو.

تقول علا لـ “الكومبس“، : “لقد حاولنا كثيراً إفهام موظفي مصلحة الهجرة أن بقاء زوجي في وظيفته، سيوفر عليهم عبء تكاليف سكننا وطعامنا ومواصلاتنا وملبسنا وغيرها من احتياجاتنا الأساسية الأخرى، وكل ما ينبغي عليهم فعله، عدم قطع الإعانات المالية عنا حتى نحصل على إقاماتنا، لأن زوجي سيحق له وقتها، تحويل دوام عمله إلى كلي بنسبة (100%)، أو إمهالنا، على الأقل، إلى حين إيجاد وظيفة ثانية في نفس المدينة، نرفع بها دخلنا المالي، إلا أن محاولاتنا لم تلق لها آذاناً صاغية مع الأسف.

“الهرب” الى سويسرا

بعد أشهر طويلة من الانتظار، أعلن زوجي أنه لم يعد قادراً على احتمال البقاء أكثر دون عمل أو قرار إقامة، فحزمنا متاعنا وسافرنا لنجرب حظوظنا مرة أخرى بسويسرا.

هناك، أبلغتنا مصلحة الهجرة السويسرية أنهم لا يمانعون استقبال عائلتنا كلاجئين في بلادهم، شريطة ألا تطالب السويد بترحيلنا إليها، بصفتها بلد بصمتنا الأوروبية الأولى، وفق ما تقضي اتفاقية دبلن.

في تلك الأثناء، تأزمت حالة حسن النفسية كثيراً جراء الأحداث الماضية، خضع على إثرها للعلاج في المستشفى 6 مرات، ثم زاد الأمر سوءاً بوقوع ما كنا نخشاه، حيث جرى إبلاغنا أن مصلحة الهجرة السويدية قد أرسلت للسويسريين، تؤكد رغبتها في استعادتنا.

العودة الإجبارية الى السويد من جديد

لدى وصولنا إلى السويد، تم نقلنا هذه المرة لمنزل بمدينة بروبي، كنت آنذاك حبلى وأتعاطى مضادات للاكتئاب. اعتقدنا أن المسألة مجرد وقت قليل قبل صدور قرارات إقاماتنا.. وإلا فلماذا أصرت الهجرة على عدم بقائنا في سويسرا إذا لم تكن ترغب بوجودنا هنا أصلاً وتعتزم ترحيلنا من البلاد؟

غير أن الحال استمر تماماً كما كان عليه قبل سفرنا إلى سويسرا. مجرد سنوات تمضي في الانتظار دون أي أمل بمعرفة ما سيؤول إليه مصيرنا، تضمنت محاولات فاشلة عديدة لزوجي بإيجاد أي عمل يمنح حياته معنى وهدف، جَرَّاء افتقاره إلى تصريح إقامة.

حتى صدمنا بمصلحة الهجرة، تصدر قراراً يقضي برفض طلبات لجوئنا وترحيلنا.

خيار العودة الى لبنان “خطر”

كان دخول مطار بيروت يعني لحسن باختصار، إما القتل، أو الإخفاء القسري، أو الاعتقال والتعذيب إلى أجل غير مسمى، ذلك أنه فر من البلاد أساساً، إزاء الحكم عليه بالسجن مدة 10 سنوات مع دفع غرامة مالية قدرها مليون ونصف المليون ليرة لبنانية، نتيجة خلاف سياسي ذو أبعاد طائفية، مع عناصر تنتمي إلى الفصيل المسلح الأقوى والأكثر نفوذاً في البلاد، اتهموه على إثره افتراء بمحاولة قتل وتأليف عصابة مسلحة ونقل الأسلحة. لذا، راح يحاول مستميتاً، إقناع مسؤول قضيتنا بمدى خطورة قرار الترحيل على حياتنا، إلا أن مساعيه جميعاً ذهبت أدراج الرياح.

من هنا، لم يجد الرجل أمامه من وسيلة، إلا السعي مجدداً لنيل عقد دائم يتيح له استصدار إقامة عمل، لكن من رفضوا منحه وظيفة بدعوى افتقاره إلى إقامة، كانوا حتماً سيرفضونه قطعاً بعد أن بات محكوماً عليه بالطرد.

حاول الزوج إحراق نفسه

هكذا، مدفوعاً بيأسه وإحباطه وعدم اتزانه النفسي، دخل حسن في أحد الأيام، إلى مبنى البلدية وسكب فوق رأسه بعض البنزين من زجاجة يحملها، مهدداً بإشعال النار في نفسه إذا لم يوفروا له عملاً. جن جنون الموظفين واتصلوا برجال الشرطة الذين حضروا بسرعة وقاموا باعتقاله والزج به في السجن.

على الرغم من أن كاميرات المراقبة داخل المبنى سجلت كل شيء بالتفصيل وأكدت عدم قيام زوجي بإشعال عود ثقاب واحد، غير أن الموظفين الجشعين حاولوا انتهاز الفرصة لكسب بعض المال منا، فراحوا يطالبون حسن أثناء محاكمته، على لسان المدعي العام، بدفع تعويضات مالية كبيرة، لقاء ما أسموه “الأذى النفسي” الذي تسبب لهم به، متحججين أنه هدد بإحراق المكان بكل من فيه، لا نفسه فقط.

لكن القاضي رفض ادعائهم وحكم عليه بالسجن سنة واحدة مع الترحيل من البلاد. هنا، استغلت الهجرة بدورها ضعف موقفنا، ليناشد ممثلها هيئة المحكمة، أن يشمل نص الترحيل جميع أفراد العائلة، فرفض القاضي مجدداً، معلناً أن العدالة تقتضي معاقبة من ارتكب الذنب وحده، لا زوجته وأطفاله القُصَّر كذلك، لمجرد الرغبة في التخلص منهم”.

وأضافت: “خلال الأشهر الأربعة الأولى، لم يتسن لي زيارة زوجي مرة واحدة، حيث جرى وضعه داخل حبس انفرادي باعتباره، حسب تعبيرهم: “يشكل تهديداً على سلامة النزلاء الأخرين”. لكن حرصهم هذا، كما اتضح، لم يشمل سلامة حسن أيضاً، فعلى الرغم من علمهم الكامل بسوء حالته الصحية والنفسية، إلا أنهم امتنعوا عن توفير مضادات الاكتئاب وأدوية الأعصاب التي كان يحرص على تعاطيها وفق تعليمات طبية صارمة، ما جعل أوضاعه تزداد تدهوراً بشكل غير مسبوق.

في الثاني عشر من شهر يناير الماضي، انتهت مدة محكومية زوجي، بيد أن الشرطة رفضت الإفراج عنه وأبقته سجيناً لديها، كنوع من الضغط النفسي، لإرغامه على قبول تنفيذ أمر الترحيل.

فعلاً، لم يعد زوجي قادراً على احتمال السجن والعزلة أكثر، فوافق مكرهاً على الذهاب رفقة رجال الشرطة إلى السفارة اللبنانية بستوكهولم للتوقيع على مستندات ترحيله. لن أنس أبداً كيف بكي يومها بغصة وحرقة كالأطفال أمام موظفي سفارتنا، لدرجة أن السفير تعاطف معه ونصحه بعدم التوقيع إذا لم يكن راغباً في ذلك، لكن زوجي صارحه بأنه تعب. أقسم أني لم أتعرف عليه أول وهلة عندما اتصل بي مودعاً، لشدة ما بح صوته من كثرة النحيب.

تركوه في تركيا

ليلة التاسع والعشرين من يناير سنة 2020، تم ترحيل زوجي، رفقة حارسين، على متن شركة طيران تابعة للخطوط الجوية التركية، بلا مال أو ثياب. سوى أنه لدى وصوله إلى مطار إسطنبول، فوجئ بالحارسين السويديين يسلمانه جواز سفره وينزعا عنه القيود، ثم تركاه وانطلقا عائدين لبلدهما”.

وختمت: “إن ترك زوجي بتلك الكيفية في تركيا، يؤكد بصورة لا تقبل الجدل، أن مصلحة الهجرة كانت مقتنعة كلياً بفداحة الخطر الذي يتهدد عائلتنا لدى ترحيلنا إلى لبنان وإن ادعت أمامنا عكس ذلك، حيث حرصت على طرد حسن خارج السويد كما ورد في نص قرار الترحيل، لكن دون تعريض نفسها لخطر المسائلة القانونية لاحقاً، إذا ما سافر من تلقاء نفسه إلى لبنان، ثم جرى قتله أو اخفاءه قسرياً، في تلاعب واضح على القوانين وطريقة تطبيقها.

أنا اليوم امرأة بلا عمل أو زوج، ترعى وحدها ثلاثة أطفال، في بلد غريب يدفع بقوة نحو ترحيلها. ابني الأكبر بدأ يخضع لعلاج نفسي بدوره جراء الضغط العصبي المستمر والأزمات المختلفة التي تعرضنا لها، أما ابني الأصغر، فلا يعرف والده، لأن زوجي أودع السجن عندما كان عمر الفتى 5 أشهر فقط. الأدهى من ذلك، أننا لا نملك مصدر دخل نعيش منه، سوى مبلغ 3800 كرون سويدي، تصرفها لنا مصلحة الهجرة شهرياً، ما جعلنا نغرق في الحاجة والديون.

ولا تزال مصلحة الهجرة حتى اللحظة، تضغط على الشرطة لإقناعها بترحيلي أنا والأولاد الثلاثة أيضاً، بنفس الأسلوب الملتوي.

إن عائلتي لم تأت إلى السويد طلباً لمال أو فراراً من فقر، فنحن قادرين على كسب رزقنا بأنفسنا إذا ما تهيأت لنا الظروف الملائمة. لقد كانت أوضاعنا المادية في لبنان ميسورة، كما أن شهاداتنا الدراسية ومجالات عملنا مطلوبة جداً، إلا أننا أجبرنا على الهجرة، حرصاً على أن ينشأ أبنائنا بعيداً عن الخوف والتهديد ولعنة الصراعات الطائفية، راجين أن نجد لهم في السويد أماناً ومستقراً وقانوناً إنسانياً يحمي حقوقهم.

لذا، أناشد السلطات المختصة في البلاد، أن تعيد لم شمل عائلتنا من جديد وتمنحنا حق الإقامة، ليتسنى لنا استئناف حياتنا بشكل مثمر ينفع المجتمع كما بقية البشر، حسبما تنص اتفاقيات حقوق الإنسان”.

قسم التحقيقات

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.