الطفلة ليليا (4) سنوات تفارق الحياة بعد فشل عملية زراعة كلى لها

الطفلة ليليا ( الصورة خاصة بالكومبس)

قضية في رسالة: عائشة سريدي، أم مغربية، لا تزال في صدمة نفسية، بعد فشل عملية جراحية لزراعة الكلى أجراها الأطباء في مدينة يوتوبوري، لإنقاذ حياة طفلتها التي توفيت بعد العملية بسبب نزيف حاد في الرئة.

عائشة جاءت من المغرب، بهدف علاج أبنتها، وحصلت على إقامة مؤقتة، وتم علاج طفلتها لمدة 3 سنوات ونصف السنة، في السويد، لكن في الأخير عندما تم إجراء العملية فارقت الحياة.

سريدي تقول إن الأطباء “تأخروا في تقديم العلاج لإبنتها”، لذلك قدمت دعوى ضدهم.

كتبت الى الكومبس تقول:“انا عائشة سريدي، مغربية الجنسية ومقيمة بمدينة يوتوبوري.

في 2014، رزقت بابنتي الصغرى (ليليا نور) في المغرب، لكن بعد شهرين من عمرها، لاحظت أنها تعاني صعوبات في التنفس، فعرضتها على الطبيب، الذي اكتشف إصابتها بحالة فشل كلوي مبكرة. لذا، بدأنا إخضاعها إلى جلسات غسيل الكلى المنتظمة، 12 ساعة متواصلة كل يوم، عن طريق قسطرة جرى تركيبها بشكل دائم أسفل سرتها، ما جعلني أهجر النوم ليلاً لأشعرها بالراحة قدر الإمكان. بعد أيام طويلة من البحث، أكتشف الأطباء أن سبب المشكلة عائد إلى نقص في إفراز إحدى أنزيمات الكبد.

عندما أكملت الطفلة عامها الأول، اتفق الأطباء في بلدي المغرب، على حاجتها إلى زرع كلية. فقررت السفر لإجرائها في إحدى دول أوروبا باعتبارها أكثر تقدماً في مجال الرعاية الصحية. اعتزمت بداية الأمر، الذهاب إلى فرنسا، لكن شقيقتي نصحتني بالسويد، كونها دولة معروفة عالمياً في اهتمامها الشديد بالأطفال.

 في 2015 تركت بلدي وهاجرت معها إلى السويد، وقدمت طلب اللجوء الإنساني بداعي العلاج، نلت على إثره إقامة مؤقتة مدتها 13 شهراً.

الوالدة المفجوعة عائشة مع طفلتها ليليا ( خاص بالكومبس)

في مستشفىÖstra sjukhuset drottning silvias barn  بمدينة يوتوبوري،فحصها الأطباء، ليقرروا متابعة نفس العلاج الذي كانت تخضع له في المغرب، وإطالة مدة جلسات غسيل الكلى لتصبح 13 ساعة، ثم أبلغوني بعزمهم على وضع اسمها في لائحة متلقي تبرعات الأعضاء فور بلوغ وزنها 10 كيلوجرامات، باعتبار صغر سنها يعطيها حق الأسبقية، كما طمأنوني أن لديهم مجموعة أطباء أكفاء، على دراية كاملة بمثل هذه الحالات وأساليب علاجها مهما بلغت درجة تعقيداتها.

لدى انقضاء 8 أشهر على وجودنا في السويد، جاوز وزن طفلتي 11 كيلوجراماً، لكن الأطباء تأخروا في وضع اسمها على قائمة الانتظار، فاستنكرت انتظارهم غير المبرر، وطالبت بسرعة إنقاذ حياتها، لكنهم كانوا يؤجلون العملية شهراً بعد شهر، ببرود أعصاب يثير الاستفزاز، شارعين في إجراء استشارات مع بعض الأطباء بألمانيا ، وعقد اجتماعات في ستوكهولم ومالمو وبوروس مع أطباء آخرين.

تواصلت مع عائلة أمريكية يعاني ابنها مشكلة صحية مماثلة وحصلت عن طريقها على تقارير وأرقام هواتف أطباءه الأمريكان، التي زودت بها أطباء ابنتي السويديين سريعاً.

جددت تصريح إقامتي عامين أخرين واستمر الحال على هذا المنوال، حتى صارت ابنتي في الرابعة من عمرها تقريباً، حيث قرر الأطباء أخيراً، أن الوقت قد حان لوضع اسمها على اللائحة، ثم أبلغوني بترقب مكالمة هاتفية منهم في أي وقت لتحديد موعد العملية. هكذا، شرعت أنتظر بلهفة، شاعرة أن الفرج قد اقترب.

 بعد أيام، جاءت المكالمة المنشودة في الخامسة فجراً، معلنين أنهم حصلوا على متبرع بالأعضاء لطفلتي وعلي إحضارها إلى المستشفى، فبكيت من شدة الفرحة.

بدت على (ليليا) سعادة غامرة لدى ركوبنا سيارة الأجرة كأنها ذاهبة للنزهة. أمام حجرة العمليات، قامت بتقبيلي واحتضاني كثيراً، ثم أخبرتها أنني سأنتظرها في الخارج ريثما تنتهي من جراحتها، فابتسمت وكانت آخر كلمة قالتها لي بصوتها الرقيق، هي: أوكي ماما!

“الأطباء تركوا بطنها مشقوقة من نهاية صدرها حتى سرتها دون خياطة”

استغرقت العملية 8 ساعات، ثم خرج الأطباء بأسى وأبلغوني أن الأمور لم تسر كما ينبغي. تركوا بطنها مشقوقاً وغطوه بصفيحة ما لتكون جاهزة لإجراء أية عمليات جديدة كلما لزم الأمر. حاولوا بعدها، إجراء عمليتين أخريين لإنقاذ الوضع في اليوم التالي واليوم الذي يليه، لكن بلا جدوى.

 بعد أن صاروا عاجزين كلياً عن إسعافها، وضعوها في حجرة الإنعاش، ثم عادوا يجتمعون للتشاور مرة بعد أخرى دون طائل، تماماً كما فعلوا من قبل. كان انعدام الرغبة في الإتيان بأية محاولة أو مغامرة جديدة، بادياً بوضوح على وجوه أولئك الأطباء، خوفاً من تحمل المسؤولية إذا ما باءت بالفشل.

توسلت لهم أن يفعلوا شيئاً ما لإنقاذ حياتها، فصارحوني ألا أمل لنجاتها نتيجة إصابتها بنزيف في الرئة. أخبرني أحدهم أن السبب راجع إلى افتقارهم المعرفة والخبرة الكافية لمعالجة المرض، فيما ذكر أخر أن إجراء العملية كان متأخراً جداً.

هنا، انفجرت بهم غضباً مستنكرة قولهم هذا الكلام الآن، بعد قضاء ابنتي 3 سنوات ونصف السنة تقريباً تتعالج على أيديهم وغمرها بالتطمينات والمباهاة بكفاءاتهم المزعومة، مؤكدة أنه كان ينبغي عليهم إخباري بذلك قبل العملية، لأجريها في مستشفى أفضل بإحدى الدول الأوروبية الأخرى، بدلاً من اتخاذها حقلاً لتجاربهم.

كانت آخر كلمة قالتها لي بصوتها الرقيق، هي: أوكي ماما!

كانت ذكرى ميلادي في الثاني من يوليو/تموز، فرجوت الله إلا يتوفاها ذاك اليوم، حتى لا أذكر تاريخ وفاتها كلما كتبت تاريخ ميلادي، لكن طفلتي البارة أبت أن تحزن والدتها في آخر ساعاتها، فقاومت الموت طوال يومي الأول والثاني من يوليو/تموز بقوة عجيبة لا يملكها أعتى الرجال، أثارت دهشة جميع أفراد الطاقم الطبي المشرف عليها.

عند الساعة الحادية عشرة من صباح الأربعاء، الثالث من يوليو/تموز 2019، توسدت (ليليا) صدري وظلت تقبض على كفي حتى توقف قلبها تماماً مفارقة الحياة، بينما عيناها لا تزالان تفيضان بالدمع الذي احترق لمرأه قلبي، فاحتضنت جسدها الصغير بقوة. لقد رحلت حبيبتي آخذة معها فرحتي وسعادتي وكل أملي في الدنيا.

عقب استخراجي شهادة الوفاة وتصريح الدفن بعشرة أيام كاملة، حضر بعض أفراد عائلتي لحضور مراسيم الدفن، ثم ذهبنا معاً لاستلام جثمان ابنتي من ثلاجة حفظ الموتى، لكن هول المفاجأة ذهب بعقولنا، لدى اكتشافنا أن الأطباء تركوا بطنها مشقوقة من نهاية صدرها حتى سرتها دون خياطة، لتبدو جميع أمعائها وأعضائها الداخلية ظاهرة للعيان، ما جعل عاملة المشرحة ذاتها ترتبك وتشرع محاولة الاتصال بأحد ما لتبرير هذا التصرف.

لقد غسلت طفلتي وكفنتها بيدي، ثم واريتها الثرى بجوار دميتها وغطائها الوردي الأثيران إلى قلبها.

وختمت عائشة رسالتها: “كانت (ليليا) شعلة من النشاط والحيوية، حتى ليظن من يراها أنها الصحيحة ومن حولها هم المرضى. لقد أحبت كل الأطباء والممرضات كثيراً، فبادلوها الحب، ما جعل زيارتها إلى المستشفى تغدو وقتاً للبهجة والمرح واللعب.

إنني أزور ابنتي دائماً، حيث أقرأ شيئاً من القرآن الكريم وأكلمها وأدندن بعض أغانيها المفضلة، كما لا أنفك أضع الزهور الصفراء المحببة لها على شاهد قبرها.

مؤخراً، رفعت دعوى قضائية على المستشفى بتهمة الإهمال الطبي والاستخفاف بحياة طفلتي البريئة، لا طمعاً في تعويض، فليس من شيء في هذه الدنيا بأسرها قادر على تعويض ابنتي، سوى أنني لا أريد تكرار مأساتها مع أطفال أخرين”.

عمر سويدان – قسم التحقيقات

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.