العلاقات التاريخية بين المسيحية في السويد وفلسطين

Georg Pauli: Förslag till väggmålning i NM:s övre trapphall. Ansgar förkunnar kristendomen. NM4810
Views : 2365

التصنيف

الكومبس – دراسات: المسيحية هي الديانة الأولى في السويد من حيث العدد. ففي إحصائيات نهاية عام 2009 بلغت نسبة عدد المسيحيين التابعين للكنيسة السويدية الوطنية 71،3 في المائة من عدد السكان(1)، وهم يتبعون الكنيسة اللوثرية البروتستانتية. كما أنه يوجد مسيحيين سويديين آخرين ينتمون للكنائس الحرة الأخرى.

كان السويديون يؤمنون بالآلهة الوثنية مثل تور، وفري، وأودن وغيرهم، إلى أن أدخل القديس إنسجار الديانة المسيحية في العام 829.

انتشرت المسيحية تدريجيا بعد صراعات قوية بين الوثنيين والمسيحيين الجدد. وفي بدايات القرن الحادي عشر اعتبرت السويد بلدا مسيحيا تابعا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ومنع بعدها عبادة الآلهة الأخرى.

وفي منتصف القرن السادس عشر تم إلغاء الكاثوليكية، وتحولت البلاد للديانة اللوثرية، وأنجز هذا كله في المجمع الكنسي الرئيس في مدينة أوبسالا (2).

هذا ولم يكن يسمح علنا لأحد باعتناق ديانة أخرى سوى المسيحية حتى نهاية القرن الثامن عشر. وفي العام 1860 سمح للمواطن السويدي التخلي عن انتمائه اللوثري، بشرط الانضمام إلى كنيسة أخرى. ثم فتحت الأبواب تدريجيا أمام طوائف الكنائس الأخرى.

مقدمة

بدأ الاهتمام السويدي بفلسطين، وبشكل خاص القدس، كأرض مقدسة منذ دخول المسيحية، إلى أن وصل ذروته عندما قامت القديسة السويدية بيرجيتا برحلة الحج إلى البلد المقدس في بداية العام  1372 ميلادية.

وفي العام 1896 غادر أهالي قرية نوص في إقليم دالرنا في السويد، بعد أن باعوا أراضيهم ليهاجروا إلى مدينة القدس، اعتقادا منهم بأن السيد المسيح سيعود إلى جبل الزيتون، ليكونوا في استقباله. ويعتبر مقرهم (أمريكان كولوني) في يومنا هذا في مدينة القدس الشرقية من أهم الفنادق، ولازالت العديد من صور هؤلاء الناس تزين جدرانه وتتحدث عن تاريخ الوجود السويدي في القدس الشريف.

لم تتوقف طبعا رحلات الحجاج السويديين إلى الأراضي المقدسة، ودوّن الكثير منهم مشاهداتهم وانطباعاتهم بمذكرات وكتب محفوظة في الأرشيف السويدي.

ومع مراجعة تفاصيل تلك الرحلات السويدية إلى فلسطين نستنتج بأنها لم تكن ذات صبغة سياسية، بل كانت دينية بحته.

ومع بدايات القرن العشرين وظهور الحركة الصهيونية، وبدايات تطبيق مشروعها في فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبدء مرحلة التحول من الاهتمام السويدي الديني إلى الاهتمام السياسي والديني معاً، تفاعلت أهم خمس عوامل للمساهمة في ذلك:

أولها بأنه لم يكن للمسلمين أي تواجد يُذكر على أراضي السويد، وخاصة العرب منهم. ويمكن القول بأن تأثيرهم قد غاب عن الساحة حتى منتصف الستينات من القرن العشرين حيث تدفق العديد منهم فيما بعد من الدول العربية والدول الإسلامية الأخرى، إلى أن أصبح عدد المسلمين يزيد عن النصف مليون حالياً، وهم بذلك يشكلون الديانة الثانية في السويد.

وثانيها هو تواجد الدين السماوي الثالث، اليهودية، فقد بدأ ظهور أتباعها على الساحة السويدية منذ مايزيد عن مائتي عام، إلى أن أصبح عددهم حاليا مايقارب 20000 إنسان وأصبحوا جزءا من المجتمع السويدي في طريقة تفكيره. ولليهود في السويد مكانة اقتصادية وإعلامية كبيرة، حيث يمتلكون المؤسسات الصناعية الكبرى والبنوك، وكبريات أدوات الإعلام.

هذه الخلفية الدينية، وربط العهد القديم مع العهد الجديد في الكتاب المقدس، لدى المجتمع السويدي المسيحي قد سهلت وسارعت في إمكانية نشر الفكرة الصهيونية، التي تقول بنقل اليهود إلى فلسطين وتشكيل وطن قومي لهم هناك. ومن الجدير ذكره في هذا المجال بأن الساعد الأيمن لرئيس الحركة الصهيونية العالمية حاييم وايزمن كان رئيس الحاخامات في السويد في العام 1914 هو ماركوس إيهرينبرايس، الذي قام أيضا بتأليف عدد من الكتب حول الفكرة الصهيونية.

وثالثها وبعد إحلال النازية سلطتها على معظم الدول الأوربية واضطهادها لليهود وخاصة في فترة الحرب العالمية الثانية خلق عند السويديين عامل مساعد آخر، كما هو عند الكثيرين من الأوروبيين، ألا وهو عقدة الذنب لأنهم وقفوا مكتوفي الأيدي متفرجين على ما حصل لليهود. عقدة الذنب التي لا زال أتباع الصهيونية يوظفونها لمصلحة إسرائيل ومواجهة كل من تسول له نفسه بانتقادها بتهمة اللاسامية.

ورابعها هو أن الفكر الإقتصادي عند قادة الصهاينة الذي كان يدعو لتطبيق الاشتراكية من خلال التعاونيات بأشكالها قد ساهم في التعاطف الكبير مابينهم وبين أصحاب السلطة السياسية في السويد وهم الاشتراكيون الديمقراطيون.

وخامسها هو أن أداة الصهيونية، إسرائيل، قد مارست الاضطهاد والطرد ليس ضد الفلسطينيين المسلمين وحسب بل طالت في سياستها هذه المسيحيين منهم. الأمر الذي أدى إلى تقلص عدد المسيحيين في فلسطين إلى حد كبير. الأمر ذاته هو الذي أقلق الجزء الأكبر من مسيحيي السويد وخاصة ممن يتبعون لكنيسة الدولة، وجعلهم يتخوفون من سياسة إسرائيل هذه. وهذا كان أحد العوامل المهمة في قلب ظهر المجن على إسرائيل وخاصة بعد حرب حزيران من عام 1967 واعتبار إسرائيل في نظر الجمعية العامة للأمم المتحدة دولة احتلال.

 

التنوع في المواقف

بعد أن أقر البرلمان السويدي مادة الحريات ومن بينها حرية الديانة، ومن ثم انفصال الكنيسة عن شؤون الدولة، أصبح في السويد إلى جانب الديانة المسيحية اللوثرية، كنائس حرة متعددة على الساحة، وكان لكل منها موقفها تجاه مايحصل في الشأن الفلسطيني.

هذا ويمكن تقسيم النشاطات المسيحية في السويد إلى ثلاث مستويات،

الأول نشاط الكنائس نفسها أو تجمعاتها.

والثاني نشاط التنظيمات الشعبية التابعة للأحزاب، التي تعمل من خلال المفهوم المسيحي للسياسة.

وأخيرا نشاط التنظيمات المسيحية الشعبية التضامنية غير الحزبية وتتبع للمجتمع المدني.

وسيأتي البحث على تفصيل كل منها تباعا .

 

أولا

الكنائس

ويدرج البحث منها ثلاث نماذج،

الأولى وهي الكنيسة السويدية الوطنية وهي الأكبر وذات المواقف السياسية المعتدلة.

والثانية واحدة من الكنائس الحرة ذات المواقف السياسية والدينية المتشنجة لصالح الفكر الصهيوني وربيبته إسرائيل مثل كنيسة “كلمة الحياة”(3).

أما الثالثة فهي تجمعات كنائس تتعاون فيما بينها ولها مواقف إنسانية وسياسية مشتركة تجاه مايحصل على أرض فلسطين.

 

النموذج الأول المعتدل: الكنيسة السويدية الوطنية

ويرأسها الملك والتي يتم تتويجه من خلالها. تمثل الكنيسة السويدية الوطنية مايقارب ستة ملايين ونصف من سكان السويد. بدأ نشاطها في فلسطين منذ عام 1948 عبر الاتحاد اللوثري العالمي الذي تشكل عام 1947، والذي بدأ نشاطه في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين.

افتتحت هذه الكنيسة “المعهد الديني السويدي” في القدس، الذي تحول في عام 1951 إلى مؤسسة تدعى “تبشير الكنيسة السويدية”، وتعتبر المؤسسة هذه المنبر الأساسي للكنيسة السويدية الوطنية في فلسطين. وتعمل المؤسسة على تعميق الفهم الديني، وتساعد في المدارس الفلسطينية، وتعمل على التلاقي بين الديانات الثلاث. الشيئ الذي تعتبره المؤسسة حجر زاوية ضروريا للتوصل إلى حوار تصالحي والوصول إلى سلام عادل في فلسطين وإسرائيل. ويتم ذلك بالطبع من خلال التعاون مع المنظمات المدنية الأخرى الفاعلة على الساحة الفلسطينية للتوصل إلى نفس الأهداف.

توضح هذه الكنيسة، من خلال تقريرها السياسي الأخير الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 بأن الوضع الفلسطيني ومنذ الانتفاضة الثانية عام 2000 في تدهور مستمر، وأن الاهتمام السياسي للكنيسة قد تزايد في العقدين الأخيرين من الزمن. ويذكر التقرير:

” إن الكنيسة الوطنية السويدية ترفض رفضاً قاطعاً كل الحجج التي تعني المطالبة بحق الملكية على مناطق استنادا إلى مبررات دينية. كما وندين كل من يستخدم الدين لكي يقلّب البشر ضد بعضهم ويلهب النزاع انطلاقا من تقسيمات عرقية أو دينية”.

ويخلص التقرير إلى المواقف السياسية للكنيسة بما يلي:

“1— إن الكنيسة السويدية الوطنية تدعم حل الدولتين استناداً إلى حدود عام، 1967، حيث يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون جنبا إلى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وقدس مفتوحة استنادا إلى القرارات السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

2— طريق الحل السياسي فقط يمكّن من وصول النزاع إلى حل متماسك. ويجب على كل إجراءات العنف المناهضة لحقوق الإنسان وكذلك الاعتداءات ضد المدنيين، بغض النظر عمن يمارسها، أن تتوقف وأن تتم محاسبة الفاعل قضائيا.

3— يجب الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين واحترامه.

4— لإسرائيل الحق والواجب في حماية مواطنيها تطابقا مع الشرعية الدولية.

5— إن الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية هو غير شرعي استنادا للقانون الدولي وعليه أن يتوقف. وإلى أن يتم ذلك يتوجب على إسرائيل تطبيق واجباتها كسلطة احتلال استنادا إلى اتفاقية دين هاج (لاهاي) الرابعة واتفاقية جنيف الرابعة.

6— إن المستعمرات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، إضافة إلى مايسمى بالجدار (جدار العزل) لهو جريمة في حق القانون الدولي وبناءا عليه يجب إزالتها.

7— وضع القدس كمدينة مفتوحة، موزعة على شعبين وثلاث ديانات، وحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة يجب أن يكون مضمونا من خلال مفاوضات الحل النهائي استنادا إلى الشرعية الدولية.

8— إن التفاهم بين الخصوم الفلسطينيين ووحدة المناطق هي من العوامل المؤدية للحرية وعدم التمييز والوصول إلى فلسطين ديمقراطية.

9— يجب احترام وضمان، ودون أيّة عوائق، وصول المساعدات الإنسانية لمن هم بحاجة إليها، وذلك من قبل الأطراف ذات العلاقة واستنادا إلى حقوق الإنسان الدولية.

10— إن أي دعم اقتصادي أو سياسي، مباشر أو غير مباشر، إلى سياسة الاحتلال المستمرة تمنع عملية السلام.

11— إن الكنيسة السويدية الوطنية تعارض المقاطعة ضد إسرائيل، ضمن حدودها المعترف بها دولياً”.

 

لكن الكنيسة ذاتها أوضحت موقفها من موضوع المقاطعة ضد إسرائيل ضمن الشرح التفصيلي للوضع السياسي في المنطقة، وخاصة استمرار الاحتلال، من خلال مطالبتها الحكومة السويدية بمايلي:-

“— أن تعمل من أجل وصول فلسطين للعضوية الكاملة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

— العمل ضمن الاتحاد الأوروبي لسن قوانين لتحديد الفرص الاقتصادية وغيرها التي تؤدي إلى دعم استمرار المستعمرات.

— العمل ضمن الاتحاد الأوروبي على تحجيم العقود الثنائية مابين إسرائيل والاتحاد الأوروبي أو مهر عقود جديدة دون شروط لتطبيقها.

— أن تسن قوانين تطالب الموردين الإسرائيليين أن يسجلوا مصدر البضاعة على السلع المنتجة في المستعمرات الإسرائيلية حسب توجيهات الاتحاد الأوروبي.

— عليها أن تعمل على تحسين الوضع الإنساني واحترام الجهود الإنسانية في علاقاتها الثنائية مع السلطات الرسمية المعنية.

— عليها وبفاعلية دعم استمرار المبادرة من أجل حل متماسك للنزاع”.

 

إن مايقلق الكنيسة السويدية الوطنية كثيراً هو وضع الفلسطينيين المسيحيين الذي يتعرض إلى تناقص كبير بسبب الاحتلال الإسرائيلي وممارساته. مما جعل هذه الكنيسة من أن تشارك وتتبنى وثيقة القاهرة لعام 2009 التي تناولت أوضاع الكنائس وأتباعها في فلسطين المحتلة. والتي أتت ضمن إطار المنتدى المسكوني الفلسطيني الإسرائيلي لمجلس الكنائس العالمي. ( بي أي إي إف)

كما أصدرت الكنيسة في هذا الصدد كتابا تحت عنوان “لم يوجد لهم مكان… حول المسيحيين في البلد المقدس” تناولت فيه سياسة التهجير القسري الذي اتبعته إسرائيل في تفريغ القرى المسيحية في الجليل بعد عام 1948 مثال عليها قرية كفر برعم. وعرجت على ذكر تناقص أعداد المسيحيين الفلسطينيين الكبير الذي ربما يصل وخلال عقدين من الزمن إلى حد الصفر هناك، إذا استمرت تلك السياسات.

 

النموذج الثاني المتشدد لإسرائيل: كنيسة “كلمة الحياة”

لابد هنا من إيراد مثال آخر شاذ على الكنائس السويدية الحرة رغم قلة التابعين لها. ومن الضروري معرفة أن مواقف الكنائس الحرة الصغير هذه تتباين طبعا في السويد. فالكنيسة التبشيرية على سبيل المثال لها تفسيرها الديني والسياسي المتطابق إلى حد بعيد مع سياسة الكنيسة السويدية الوطنية بما يخص الموضوع الفلسطيني. بينما تنحرف كنيسة “كلمة الحياة” إلى مائة وثمانين درجة في مواقفها، ويمكن بذلك اعتبارها صهيونية أكثر من أرباب الصهاينة أنفسهم.

حاولت إسرائيل تحت زعامة( مناحم بيجن) خلق مايسمى بالمسيحية الصهيونية. الزعيم الذي نجح بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 1980  بفتح ماسمي ب “السفارة المسيحية” (4) في القدس. حضر حفل الافتتاح رئيس بلدية القدس تيدي كوليك الذي علق بقوله يومئذ : إنها واحدة من أهم الاحتفالات التي عشتها في حياتي، فهناك قدس واحدة، إنها لنا ولكم.

على إثرها وفي عام 1983 تم تشكيل كنيسة كلمة الحياة في مدينة أوبسالا في السويد. وتطورت وافتتحت المدارس على كل مستوياتها وداراً للطباعة والنشر. وتعتبر هذه الكنيسة اليوم ثاني أكبر الكنائس الحرة في السويد، وبلغ عدد منتسبيها، حسب موقعها الإلكتروني، حتى عام 2012 ثلاثة آلاف وثلاثمائة عضواً، وأصبح لها فرعين آخرين في كل من مدينتي يونشوبينج وجوتنبرغ السويديتين.

وتحت عنوان “إننا نقف مع إسرائيل” يورد موقع الكنيسة الإلكتروني:

” أننا نعيش في زمن يتم التركيز فيه على إسرائيل، الأمر المهم جدا بالنسبة إلينا، وخاصة كمسيحيين فإننا نحتاج أن نقف معهم ونظهر لهم دعمنا.

ومن خلال رحلاتنا إلى هناك نكوّن فهما ودعما لإسرائيل من خلال التعليم ونشر المعلومات من خلال الكتب وبرامج التلفزيون والبريد الإلكتروني والرحلات الدراسية والندوات والدورات الأكاديمية”.

أما بخصوص الدعم العملي الذي يطبقه أصحاب هذه الكنيسة لتطبيق مايزعمون أنه وعد الله في عودة اليهود إلى فلسطين حتى يعود السيد المسيح إلى الأرض ويعم السلام – فكر لا تؤمن به الكنيسة السويدية الوطنية، كما ورد أعلاه – وتحت عنوان “إلى الوطن إسرائيل” يرد:

“إن تسميتنا ،عملية جابوتنسكي، هو صفة لجهودنا التي نبذلها في مساعدة اليهود من الخروج من الاتحاد السوفييتي السابق للانتقال إلى الوطن إسرائيل.

فمنذ العام 1993 قد ساعدنا ثمانية عشر ألفاً من اليهود من خلال دعمنا عملياً وورقيا ووثائقيا. إن عملية جابوتنسكي تعمل على نشر معلومات عن اللاسامية الراهنة، وعن الإبادة ضد اليهود في المدارس في جميع أنحاء روسيا الاتحادية”.

 

النموذج الثالث وهو تجمع عدد من الكنائس:

مجلس مسيحيي السويد

يعتبر مجلس مسيحيي السويد تجمع فاعل على الساحة السويدية والساحة الدولية وهو مؤلف من أربعة توجهات كنسية هي الكنائس اللوثرية والكنائس الأرتوذكسية والشرقية والكنائس الروم الكاثوليك والكنائس الحرة.

هذا ويعتبر مجلس مسيحيي السويد جزءا فاعلا ضمن المجلس العالمي للكنائس – ويمثل حوالي 340 كنيسة في العالم  – الذي بدوره لبى دعوة ورغبة قادة الكنائس المحلية في مدينة القدس بالحضور العالمي في المنطقة للعمل من أجل السلام والأمن للفلسطينيين والإسرائيليين، اعتمد على إثرها المجلس العالمي للكنائس برنامج عمل تحت اسم “المرافقون” ويمثل 20 دولة.

يذهب من السويد 20 متطوعا سنويا يبقوا (5) لمدة ثلاثة شهور في المناطق المحتلة ليقفوا فيها،

أولاً  على ماتقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين ضد الشعب الفلسطيني من جهة، ومساعدة المدنيين الفلسطينيين للوصول بأمان إلى عملهم ومزارعهم ومشافيهم ومدارسهم وجامعاتهم من جهة أخرى.

وثانيا  ليدونوا معايشاتهم ومشاهداتهم، عبر القلم والكاميرا، ليرفعوها بتقارير إلى إدارة البرنامج، وليعرضوها على مجتمعاتهم من خلال محاضرات ومعارض. وقد قاموا حتى الآن بإصدار عدد من الكتب والكتيبات حول نشاطهم التطوعي في فلسطين مثل كتاب “بعيوننا نحن” وكتاب “بانتظار السلام” وغيرها.

ويرتدي المتطوعون سترات كُتب عليها “إي إيه بي بي آي” لتطبيق النشاط الذي بدأ تنفيذه منذ عام 2002. وهدف البرنامج الرئيس هو إنهاء الاحتلال والتخلي عن استخدام العنف. ويتعاون أعضاء هذا البرنامج مع حوالي 40 من الكنائس المحلية.

 

المستوى الثاني – ضمن الأحزاب:

الحزب الإشتراكي الديمقراطي

إن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم حاليا وهو أكبر الأحزاب في المملكة السويدية ويتضمن في هيكليته تنظيمات شعبية مثل اتحاد الشبيبة واتحاد المرأة وغيرها، ومن بينها تنظيم “العقيدة والتضامن” الذي كان يدعى “الأخوة” (6)، ويسمي أعضاء هذا التنظيم أنفسهم باليسار المسيحي.

لقد كان لهذا التنظيم منذ بداية سبعينات القرن الماضي الفضل الأكبر في التقارب بين قيادة الحزب وبين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف). وبعد قبول م ت ف كعضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، افتتح على إثرها مكتب إعلامي لها في العاصمة ستوكهولم في عام 1975. وبفضل تنظيم “الأخوة” وصل رئيس الدائرة السياسية فاروق القدومي إلى ستوكهولم عام 1981، والقائد الفلسطيني ل(م ت ف) ياسر عرفات عام 1983.

هذا ولازال تنظيم العقيدة والتضامن على مواقفه المبدئية تجاه قضية فلسطين رغم تبدل قياداته الشابة خلال العقود الزمنية الطويلة. ومن الجدير بالذكر هنا بأن تنظيم “العقيدة والتضامن” يحاول من بين نشاطاته كسر الحصار على قطاع غزة. وقد شارك سكرتير العلاقات الدولية فيه أولف كارميسوند بحملة أسطول الحرية في عام 2010 وتم سجنه يومها من قبل الجيش الإسرائيلي وإبعاده.

كما ويطالب التنظيم بالتعاون مع حزب البيئة وحزب اليسار إقناع الحكومات السويدية بوقف التعاون العسكري بين البلدين ووقف الاستيراد والتصدير للمواد الحربية بينهما.

 

حزب الديمقراطيين المسيحيين

دخل حزب الديمقراطيين المسيحيين البرلمان السويدي لتخطيه نسبة 4 بالمائة من أصوات الناخبين في عام 1991، ولازال يتأرجح حول هذه النسبة، وينتمي إليه حالياً 21600 عضو. يسير هذا الحزب في فلك التكتل اليميني، الذي هو في صف المعارضة في هذه الدورة الانتخابية 2014 إلى 2018. ويهتم الديمقراطيون المسيحيون في سياساتهم بالأمور الاجتماعية والعائلية ومايدور حولها.

أما بما يخص السياسة الخارجية للحزب وبشكل خاص في قضية فلسطين فهو من الأوائل الذين يدافعون عن سلوكيات إسرائيل ويبتعدون عن تناول حقوق الفلسطينيين في تصريحاتهم. ولازال أعضاؤه يعتبرون إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية!. وكان موقفهم الأخير، على سبيل المثال لا الحصر، سلبيا جدا وناقدا تجاه اعتراف دولة السويد بدولة فلسطين. كما وينتقدون سياسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في سياساته الناقدة لإسرائيل. من المفيد هنا أن يُذكر بأن حزب الديمقراطيين المسيحيين ينتقد أيضا سياسة بناء المستعمرات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

المستوى الثالث – تنظيمات المجتمع المدني:

حركة السلام المسيحي

من رحم حركة التبشير السويدية للسلام العالمي، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى لتقف ضد الكنيسة التي كانت تقف في صف الحكومات في الحروب، ونادت برفض الحروب وأداء الخدمة العسكرية، نشأت حركة السلام المسيحي في عام 1977.

تعمل الحركة على نشر ثقافة اللاعنف ونشر السلام ونزع السلاح وعدم بيعه للدول التي تغمرها النزاعات المسلحة. أما  علاقة حركة السلام المسيحي السويدية بفلسطين، كما هي علاقتها بالدول الأخرى، فهي تطالب الدولة السويدية بعدم بيع أو شراء السلاح من إسرائيل. كما وتعمل على إرسال دورات تعليمية إلى الأراضي المحتلة وتتابعها في المعاهد السويدية، وترسل أيضا، بالتعاون مع مجلس مسيحيي السويد، متطوعين ضمن برنامج “المرافقون” لمحاولة منع الجنود والمستوطنين الإسرائيليين من استخدام العنف ضد أبناء الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة، ولنشر ثقافة السلام.

 

اللجنة المسيحية لنصرة فلسطين (7)

تشكلت هذه اللجنة على إثر يوم الأرض بتاريخ 30 آذار/مارس 1976 واستشهاد 6 فلسطينيين ممن ناضلوا ضد مصادرة إسرائيل للأراضي الفلسطينية في الجليل. يومئذ تواصلت الكنائس الفلسطينية مع الكنيسة التبشيرية في السويد. استجاب نفر من أعضائها وعملوا على تشكيل “اللجنة المسيحية لنصرة فلسطين”. وكان من بين مؤسسيها الأستاذين الجامعيين في كلية علوم الدين هما يان باريمان وسيجبرت أكسيلسون، الذين تتلمذ على أياديهم العديد من الطلبة في المستويات الجامعية الثلاث الإجازة (البكالوريوس) والماجستير والدكتوراه، ومنهم مسؤول العلاقات الخارجية في “تنظيم العقيدة والتضامن” الدكتور أولف كارميسوند.

وما بدأت به اللجنة من نشاط هو فضح البروباغندا (الدعاية) الصهيونية والممارسات العنصرية ضد الفلسطينيين. وكانت اللجنة من أوائل من ميّز بين أن يكون المرء معادياً للصهيونية على أن يكون معاديا لليهودية، استنادا لتفسيرات العهد القديم من الكتاب المقدس. الأمر الذي أدخل السويد في حوار شديد على المستوى الأكاديمي. ومن جهة ثانية عملت اللجنة على فضح ممارسات إسرائيل وجيشها ضد الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وإبادة مئات القرى في الجليل ومنها كفر برعم، إضافة للضفة الغربية وقطاع غزة. وأصدرت اللجنة الكتب، وكان أهمها كتاب “سافر إلى الأرض المقدسة” وهو دليل سياحي، مع صور وخرائط، يتحدث تفصيلا عن القرى المدمرة وخاصة التي مر بها النبي عيسى عليه السلام، وأقامت المعارض ومن أهمها معرض “إنها على الدوام فلسطين” الذي جاب الكثير من المدن السويدية، وأنتجت الأفلام الوثائقية وكان أولها عن قرية دير الأسد (عام في الجليل) وعرض في عام 1978 على الشاشة الصغيرة في السويد، وأتبع كذلك بفيلم “القدس مدينة بلا حدود” وعرض في أعياد الميلاد في السويد لعام 1979، وكتب أعضاء اللجنة المقالات وأعدوا المحاضرات، واستقبلت اللجنة شخصيات مسيحية فلسطينية مثل “الأب عياد” من منظمة التحرير الفلسطينية و”الأب إلياس شكّور” من الجليل ومن مهجري قرية كفر برعم.

 

الخاتمة:

يعتبر السواد الأعظم من مسيحيي السويد مؤيداً للمواقف الرسمية السويدية تجاه قضية فلسطين في بناء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة تشتمل على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وإزالة المستعمرات التي بنيت عليها، متضمنة الجدار العازل. كما ويعتبر المسيحيون أن المفاوضات هي أفضل طريق للسلام مع تطبيق قرارات الشرعية الدولية في هذا المجال. ولايقف الكثيرين من مسيحيي السويد موقف المتفرج بل يحاولون تطبيق شعاراتهم عن طريق الدورات التعليمية والحضور الشخصي كمراقبين في منطقة النزاع للوقوف على الحقائق وتوثيقها والعودة بها إلى السويد لنشرها بين جماهير الناس عبر الكتب والمقالات والمحاضرات والمعارض وحتى الأفلام الوثائقية.

 

الكاتب: رشيد الحجة، باحث فلسطيني يقيم في السويد

 

هوامش ومراجع:

(1)—كان عدد السكان في عام 2009 مايقارب تسعة ملايين ونصف المليون، وبتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2017 أصبح عدد سكان السويد عشرة ملايين، حسب ماأفاد به التلفزيون الرسمي السويدي.

(2)—لاتزال مدينة أوبسالا هي المركز الديني الرئيس في السويد، وبها يوجد مقر رئيس الأساقفة في السويد.

(3)— يكتفي البحث بالمثالين اللاحقين ويغفل البحث تناول كافة مواقف الكنائس الحرة الأخرى أولا لكثرة عددها وثانيا لعدم تناول بعضها للشؤون السياسية.

(4)—فلسطين الثورة العدد 883 الصادر بتاريخ 15 / 3 / 1992.

(5) هذا ما أفادت به المتطوعة السويدية ماريا لوندين عن تجربتها في برنامج “المرافقون” أثناء محاضرتها في الكنيسة التبشيرية في مدينة أوبسالا بتاريخ 1 آذار/مارس 2015.

(6) كتاب “حركة الأخوّه (حزب الإشتراكيين الديمقراطيين) في السياسة السويدية والمسيحية 1930 إلى 1980” لمؤلفه هارالد لوندباري.

(7)—كتاب السويد وفلسطين للمؤلف رشيد الحجة

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.