الفنان العراقي سامي كمال: الأغنية مسؤولية وموقف إنساني

Views : 913

التصنيف

مَيْلَن لا تِنَگطَن كِحِل فوگ الدم

مَيْلن وَردَة الخِزّامة تِنگط سَمْ

جَرْح صويحِب بعِطّابَه ما يِلتَم

لا تِفرح بدَمْنه لا يلِگطاعي

صويحِب مِنْ يِموت المنجل يداعي !

(شعر مظفر النواب وألحان وغناء سامي كمال) .

الكومبس – لقاء: سمعت بالفنان العراقي المقيم في السويد سامي كمال قبل أن أراه . يومها كان اسمه يتردد على السنة العراقيين وهو يطربهم بصوته الشجي (رايح يارايح وين) ، التي فازت كأحسن أغنية عام 1978 ، و(بين جرفين العيون) وغيرها من الأغاني التي قدمها للإذاعة والتلفزيون في سبعينيات القرن الماضي . ودارت الأيام ليجمعنا الهَمْ العراقي ونلتقي في السويد عام 1989 ، فعرفته إنسان حقيقي ، دمث الأخلاق ، فنان وموسيقي مبدع ، غنى للحب والجمال والإنسان … التقيت به وبادرته بالسؤال التقليدي :

– كيف حالك اليوم ؟

* ليس على مايرام ، فحال العراق وكل بلاد العرب تصعب على أي إنسان لديه ولو شيء من الإحساس والضمير ، فكيف ومثلي أمضى سنوات كثيرة من عمره يقدم فنه ويبشر الناس بغدٍ أفضل !

– يبدو أن لقاءك بالعراق مؤلما وصعبا !

* بل أكثر من مؤلم ، فالنظام السابق وحروبه أحرقت الزرع وأبادت النسل وخربت الإنسان ، وتبعه الاحتلال والإرهاب وفساد النظام الحالي ، فأجهزوا على ما تبقى من أمل بحياة أفضل للناس . كنت أمشي في شارع الرشيد ، وأشعر بالحزن ، فالخراب يعم المكان . ما شاهدته صدمني وآلمني كثيراً ، وسبب لي أزمة صحية فأصبت بجلطة دماغية بعد وصولي للسويد .

– لو ابتعدنا عن السياسة ، جمهور القراء اليوم يريد أن يعرف شيئا عن سامي كمال الفنان ، فكيف كانت البداية والمسيرة الفنية ؟

 * حسنا ، سأحاول قدر الإمكان ، رغم أنك تعرف في الواقع ما للسياسة  والسياسيين من دور وتأثير سلبي في حياتنا . كانت بدايتي في فرقة الإنشاد التابعة للإذاعة والتلفزيون العراقي ، يومها كانت الفرقة مدرسة فنية تضج بالحيوية والنشاط . وبرغم أني كنت محاصرا ، كغيري ممن لم ينتم لحزب السلطة ، فقد سجلت عدد من الأغاني للإذاعة والتلفزيون .

في عام 1976 سافرت للكويت باقتراح من (ناجي طالب) رئيس وزراء العراق الأسبق ، الذي كان يستمع لغنائي في جلسة خاصة ، وكتب رسالة توصية لأحد أصدقائه من أمراء الكويت . سجلت هناك عدد من الأغنيات للتلفزيون ، ثم فضلت العودة للعراق ، رغم العروض المغرية التي قدمت لي للبقاء هناك .

– لم تمدح نظاما أو شخص ما ، كما فعل آخرون قبلك وبعدك ؟

* إطلاقا ، وأوضح دليل هو رفضي الانتماء لحزب السلطة وما يوفره من امتيازات . ومرة حدث موقف في حفلة خاصة حين غنيت (ليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب) ، فقام المحتفى به – وليس لي معرفة به ولا باسمه –  وقدم لي رزمة من فئة الخمسة دنانير عراقية ، عرفت حينها أن اسمه (عامر) . رفضتها وتوقفت عن الغناء .

– وماذا بعد الكويت ؟

* ذهبت للإذاعة والتلفزيون فابلغوني بقرار نقلي إلى مديرية استيراد الأفلام ، ولا أعرف ماهي علاقتي بهذه الدائرة وأنا مغني وملحن وعازف على أكثر من آلة موسيقية ؟! كان هذا في زمن محمد سعيد الصحاف .

– وما هو سبب نقلك ؟

* صدور قرار بإبعاد غير البعثيين من الإعلام ، وسبق وطلبوا مني أكثر من مرة الانتماء لحزب السلطة فرفضت . ثم عادوا ونقلوني للفرقة القومية للفنون الشعبية ، وهناك كرروا طلب الانتماء فرفضت .

بسبب تزايد المضايقات غادرت العراق إلى الكويت عام 1978 ، بقيت فيها شهرين ثم سافرت إلى اليمن الجنوبية ، يومها كان الفنان الراحل فؤاد سالم قد سبقني اليها . وهناك تشكلت رسميا (فرقة الطريق) من الفنانين كمال السيد – فؤاد سالم – سامي كمال – حمودي شربه – حميد البصري – شوقية العطار – ابو شمس – فائز الطيار – ثامر الصفار – وام ريما . وكان لنا نشاط وجولات في طول اليمن الجنوبي  وعرضها .

– كان لك حضور خاص هناك ؟

* نعم من خلال ما قدمته من الحان للمطربة اليمنية (كفى عراقي) ، مثل (هلا ياغالي) .  كما كنت مسؤول دائرة الموسيقى في وزارة الثقافة والسياحة اليمنية .

– ثم غادرت اليمن؟

* كنت بحاجة لإجراء عملية جراحية ، فتقرر إرسالي إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت ، وبعدها حدثت بعض الإشكاليات أعاقت رجوعي لليمن ، فتغير طريق العودة ، وسافرت إلى سوريا 1982 – قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان – وهناك  التقيت (قيس السامرائي – أبو ليلى) ، وهو قيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، عرض عليّ تولي مسؤولية (فرقة بيسان) فوافقت  .

– ما أهمية مرحلة سوريا في إبداعك الفني؟

* سوريا بالنسبة لي فترة غنية جدا فنيا ، فبالإضافة لعملي في (فرقة بيسان) أسسنا (فرقة بابل للغناء) من الفنانين سامي كمال – كمال السيد – كوكب حمزة – فلاح صبار – حمودي شربة – محفوظ البغدادي ، وآخرون . كانت لنا لقاءات وجلسات يومية رائعة مع الشعراء مظفر النواب وسعدي يوسف وممدوح عدوان وغيرهم .

– الأغنية العراقية كيف تراها اليوم ؟

* أية أغنية عراقية ! لا توجد أغنية عراقية ، فقدت طابعها المميز ، ربما توجد ملامح منها .

– وهذا الإنتاج الغنائي ماذا يمكن أن نسميه ؟

* سميه ماشئت ، لكن لاصلة له بالأغنية العراقية لا باللحن ولا بالكلمات (الهابطة) . الأغنية مسؤولية وموقف ، لا أقصد سياسي ، بل إنساني راقي .

– حدثنا عن تجربتك في السويد

* هنا كنت أطمح أن أقدم أعمالا موسيقية تجمع بين الفن العراقي/الشرقي والغربي إلا أن القدر لم يمهلني فأصبت بجلطة أفقدتني القدرة على الغناء والعزف والتلحين .

تبقى لدي مساحة من الفرح في نجاح أفراد عائلتي ، لكن فرحي الأكبر هو حب الناس وتواصلهم معي … هذا هو الفرح العظيم .

قبل أن نفترق قلت لأبي فريد مناكفاُ : هل لا يزال “صويحب مِن يموت المنجل يداعي” !  رد مبتسماُ : بدون شك ، فهذه قضية صراع وجولات بين النور والديجور ، بين الحب والكره ، بين الجمال والقبح … في النهاية الإنسان هو المنتصر !

محمد ناجي خاص لشبكة الكومبس

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.