الكاتبة رودي سليمان: أتكلم الكردية كلغة أم لكنني أكتب بالعربية التي أعشقها منذ الصغر

Views : 2619

التصنيف

الكومبس – حوار: “بترت أصابعي وبترت طفولتي .. بترت سذاجتي، بترني أخي من قائمة الأخوّة وبترت بعض الأصدقاء المستغلين لطيبتي .. ألا تعلمون أننا الآن نمارس البتر في كل الأمور؟ فنحن أمةٌ تُمارس ذات القواعد بصور مختلفة.. نعم لا بريء منّا في البتر والقتل”!

إنه سردٌ متمردٌ تُعبر عن الكاتبة والشاعرة السورية المقيمة في مدينة كالمار السويدية، رودي رياض سلمان، فهي تصف بأسلوبها وتعبيرها “الممارسات التي يقوم بها الإرهاب ضد المدنيين في سوريا”.

رودي من مواليد سوريا في العام 1984 وهي أم لطفلين يعشقان أيضا الفن وألوانه.

 الكومبس أجرت الحوار التالي معها تحدثت فيه عن الشعر، النثر، التجربة الحياتية وكل ما يخص كاتبٍ تحرر من الحرب وبقي مقيداً بروحه فيها.

أحيت الكاتبة والأديبة السورية عشرات الأمسيات على مستوى العديد من الدول، منها على سبيل المثال السويد، بلجيكا، ألمانيا، هولندا ودول أخرى. وفي السويد شاركت في عدة ندوات في عدد من المدن كهالمستاد وشوبينغ وقريباً في كالمار ومدن أخرى. كما أنها مدعوة للمشاركة في أمسيات مماثلة خارج الاتحاد الأوروبي في كل من القاهرة ورام الله وأربيل في كردستان العراق.

قسم من كتابات رودي تُرجم الى اللغة الفرنسية، وهي في طور الانتقال لخطوة جديدة مستقبلاً في طرح كتاباتها باالسويدية والعربية.

إنها حوالي السادسة والنصف مساء عندما التقت الكومبس رودي العائدة للتو من عملها. عمل لا يخلو كما تقول من “صعوبات جمّة للاجئ من براثن الحرب، وبالأخص لامرأة وحيدة مع طفليها. حياة تتجسد في البدء منذ درجة الصفر بنحت الصخر في المجتمع الجديد، وترتبط بماضٍ حاضرٍ ملخصه مخلفات حرب لا تزول برأيها بالنسبة لها سوى بالهروب نحو الكتابة”.

حوالي أربع سنوات “قاسية ومريرة” أمضتها رودي في السويد، لكنها برأيها “وبلا شك كانت مليئة بالتحدي والتمرد على الواقع المفروض. نعم إنها الحياة.. هي هكذا بكل بساطة…!!”.

عن الحرب تقول: “الحرب لعنة. هي لعنة تنزل تماماً على الجميع. لا تفرق بين أحدٍ وأحد. يخسر فيها الفقيرُ والغني، المعارضُ والمؤيد، القاتلُ والمقتول. الجميع هنا خسران، والجميع على حق، والجميع يدّعي النبوّة والشرف والنضال في سبيل شيء سامي، ولكن لا نعرف ما هو الصواب! سوى أن الموت هو السائد هنا”.

لعنة الكتابة!

تقول رودي: “كان الشعر في حياتي حادث اصطدمت به فجأةً. قلمي هو سر انتمائي لنفسي ولعالمي، هو الحل لكل مأزقي. أتكلم اللغة الكردية كلغة أم، لكنني أكتب باللغة العربية التي أتقنها جيداً وأعشقها منذ أن كنت طفلة”.

تنحدر الكاتبة والشاعرة السورية من عائلة مثقفة في اللغة والأدب “نوعاً ما” على حد تعبيرها. تردف رودي هنا: “أذكر أن أول نص كتبته كان في الصف الثامن الإعدادي. كذلك كنت من المتفوقين دائماً في اللغة وفنون التعبير اللغوي. لم أتلقى دعماً من والدي ووالدتي، أقصد هنا في الكتابة والاستمرار فيها، لكن لعنة الكتابة هي من تجبر المرء على المضي بها رغماً عنه”.

وتتابع بالقول: “كان لي ابن عم والدي وهو من المهتمين جداً بالشعر، وعندما انهيت دراسة المرحلة الإعدادية أهداني كتاب شعري وكان أول كتاب شعري قرأته. كان لنزار قباني. أما أهلي فكانوا (تقليديين) إن جاز التعبير. كانوا يريدونني أن أصبح طبيبة، وهو ما اضطرني أن أدخل تخصص علمي في المرحلة الثانوية لكنني لم أكمل المسيرة. بعدها درست الموسيقى وكانت بالنسبة لي الخيار الأقرب للغة وفنونها والشعر وبحوره، بينما بقيت الكتابة كل ما في القلب والروح”.

من نتاجات الكاتبة:

“عندما أحول الهروب نحو الحياة الحالية فأمر بي كسورية لاجئة في بلاد الشمال البعيد كل البعد عن بلادنا بحياتها الاجتماعية ونمطها وعاداتها واختلافاتها، اصطدم بواقعٍ لا يمكن الفرار منه. كما أنني أحس بالتيه، كأنني الصوت الواقع بين المطرقةِ والسندان الذي لا يستطيع الهروب أبداً. هنا يأتي القلمُ مرة أخرى ليكون البطل والمنقذ لروحي ولرودي من كل هذه الفوضى نحو عالم من الجَمال”

أنا كاتبة متمرّدة بطريقتي!

وعن طريقة كتابتها تقول رودي: “أعشق كتابة النصوص السردية أكثر من الشعر الموزون والخواطر. أعشق الفوضى أحياناً والجنون في الكتابة والسرد الطويل. برأيي الكاتب العاقل لا يمكنه أن يسبغ على نصه رونق الروح بدون الجنون. وأنا هنا لا أقصد بالجنون ما يعرف بـ(الإباحية) في الكتابة. أن تكون في الزاوية المحظورة ليس دوماً طريقة لاستثارة الآخرين. المهم جداً هو روح النص كما قلت. الفكرة والمغزى والهدف. هذا بالذات برأيي ما يخلق كاتباً قريباً للقلب وكتابةً سهلةَ الوصول للآخرين وقابلة بنفس الوقت للتطوير”.

وفي إجابة على اعتماد أسباب رودي نمط الكتابة المتمردة أحياناً أجابت: “لا حدود لعالمي الكتابي. كل شيء في حياتي أقرره بنفسي بما فيه ما يكتبه قلمي. أعتقد حجم الإشكالات والمعاناة التي مررت بها علمتني الشيء الكثير وصنعت مني تلك الإنسانة المسالمة العنيدة التي لا يمكن أن تستسلم بيوم لواقعها. لهذا كان التمرد في كتاباتي ليس تمرداً على المنطق والمعقول، بل تمرد على النفس ليقوّمها. أؤمن جداً بضميري، وهو الموجه الأساسي لرودي في كل خطوة في حياتها، والنسب التقويمية للشخص دائماً متفاوتة في تصنيف الأمور، فما هو مقبول لي قد لا يكون مقبول لك ولغيرك، وهنا تأتي الحرية الشخصية للجميع ووجوب احترامها. من جهتي الحرية والسلام هدفي. أعشق هذا الهدف، وأبحث عنه دوماً في كل ما أقوم به”.

من كتابات رودي عن الحب

“الحب صوت بعيد يأتي لينتشل المرء من نفسه ومن حوله ومن الحياة ليُبعدَهُ كثيراً، حيث الطيرانُ دون قيود بحريةٍ معهودة، بهمسٍ حنونٍ وشوقٍ متوهّجٍ في الحَميم. الحب هو الخلاص، هو الحياة، هو روح وطعم وقدسيّة الحياة. الحياة ربما يمكن لها أن تُعاشَ جيداً، ولكنني أجزمُ تماماً أنها لن تكتمل إلا بوجود ذاك الإحساسِ الغريبِ الرهيبِ الذي ترتعش له كل العروق”.

الكاتب صديقُ الكل ولا صديقَ له!

رودي التي تؤكد اقتدائها بقامات مثّلت الشعر العربي الحديث منهم الشاعر محمود درويش، سليم بركات، سلام حلوم، نزار قباني وآخرين، تَصرّ على طابعها الخاص في الكتابة وترى فيها تجسيداً لمعترك الألم والأمل في حياة من يخوض غمارها. الكتابة برأي الشاعرة الثلاثينية هي “فن التعبير عن الذات بطريقة رسم الكلمات نفسِها بنفسِها”.

كما أن الكاتب لن يكون كاتباً برأي رودي إلا “إذا جرفته الحياة بمياهها نحو المنحدر دائماً ليعود مرة أخرى ويرجع مع السيل”.

 تضيف: “يمكن القول أنه سمك السلمون مثلاً. هذا يجعل الكاتب معاصر لأشخاص كثيرين في حياته، وهذا ما يجعله أيضاً قادراً أكثر على فك ألغاز الحياة لكثرة الحوادث التي يمر بها. بالمقابل يشعر الكاتب بنفسه وحيداً بين جدران الورق الأبيض والقلم، وهنا هو يرسم ذاته بمعاركه الكثيرة في الحياة، ككتابات تأتي على شكل أطباق ورقية على أنها رواية أو سرد أو نص شعري. هنا يصادق الكاتب برأيي الجميع فيكتب عنهم، لكن لا صديق فعليّ له إلا القلم.. لهذا أقول الكاتب صديق الكل ولكن لا صديق له”.

الاندماج: الملوخية والسمك المقدّد!

الاندماج ورأيها فيه تقول رودي: “لا شك أن الاندماج محور مهم جاري العمل عليه في السويد. أنا أرى أن إشكال الاندماج لا يتعلق البتة بفئة دون أخرى، إنما يقع التزامه على الطرفين، وأقصد بهما اللاجئين في السويد والسويديين أنفسهم”.

وتضيف: “سرعة الاندماج بين أهل (الأرض) السويديين أقصد واللاجئين كانت بطيئة نوعاً ما ولا زالت لها عراقيل عدة. منها أن السويد كدولة لم تدخل بالأساس حروباً وصراعات على المدى الحديث والمتوسط فكانت بذلك علاقتها مع المحيط (أقصد هنا الغرباء) نوعاً ما محدودة، وهذا ما جعل شخصية السويدي مختلفة عن نظرائه الأوربيين وكذلك منغلقة نوعاً ما على نفسه. عامل أخر أراه مهماً وهو السماحة الجغرافية للبلد وتوزع السكان الديموغرافي وهو بمجموعه شتّت عامل التواصل وأدى إلى برودٍ آخرَ في شيء اسمه العلاقات ومن ثم في مفهوم ما يسمى الاندماج. وثالثاً الجو المناخي الذي يؤثر بدوره على الإنسان (يعني البرد بخلّينا باردين شعورياً كمان)” والكلام لرودي.

هل أنت مندمجة؟

“أنا رودي نفسها. إذا كان الاندماج يعني اللغة والعلاقات فأنا أتكلم اللغة السويدية وأعمل مع سويديين ولي أصدقاء منهم. هذا هو الاندماج برأيي لا أكثر. أكثر من ذلك لا أستطيع. هناك أمور لا يمكن أن أقوم بها لكي أصبح سويدية، حتى لو حصلت على الجواز السويدي. نحن من بيئة ذات عادات وتقاليد مختلفة تماماً، وهم أيضاً لهم عاداتهم وتقاليدهم الخاصة. هنا أنا لا أقصد الموازنة بيننا وبينهم، ولا أقصد أيضاً أننا الأصح أو العكس. الشيء الوحيد الذي يجمعنا برأيي هو المبدأ الإنساني والضمير”.

وتتابع “كان لي جارة سويدية تعاملت معي بعنصرية لكنني تعاملت معها وفق القانون والأصول. أعتقد أن كل شخص عنصري حتى لو كان أنا هو مريض نفسياً. وهنا أعيد لأؤكد أنني وبرأي الشخصي أضع ثلثي الحق علينا أنفسنا نحن كلاجئين في مسؤولية الاندماج. نحن القادمين للبلد، ونحن بالدرجة الأولى من علينا واجب البحث عن سبل التعايش والتقارب من الشعب. وبطبيعة الحال مطلوب من الفئة الأخرى القيام بما عليها في هذا الصدد. بالمختصر أن نتقبل نحن أكل السمك المقدّد لديهم وأن يتقبلوا هم الملوخية لدينا…! على سبيل المثال أقول ذلك…! وهذا الأمر بطبيعة الحال لا يقتصر تعريفه على الطعام فقط، بل يجب أن يعرفوا ثقافتنا، أدبنا وكل ما نفتخر به وأن نعرف عنهم الشيء نفسه”.

وعن رأيها في الروابط التي تجمع اللغتين العربية والسويدية ترى رودي أن اللغات جميعها ترجع في جذورها إلى صلة قرابة معينة هي “شرح الواقع ليصبح تاريخاً صحيحاً”. وتردف مؤكدة تمسكها بهويتها الكردية وبذات الوقت رغبتها في الكتابة باللغة العربية كمعشوق لها. وتشير إلى اطلاعها على أنماط مثلاً من فنون الكتابة باللغة السويدية وترى أنها: “فنون جيدة ولها عمق معين عند من يكتبها، ولذلك قد نحب أساليب الكتابة باللغة السويدية وقد نقرأ الكثير والكثير منه، لكننا نعود في النهاية إلى لغتنا العربية لكونها الأم وتعبر عنا أكثر” وفقاً لرودي.

أكتب لأحياء الكتابة وليس لإحياء اللغة!

تعتبر رودي أنها تمارس الكتابة لإحياء الشعر والكتابة والأدب وتوثيق التاريخ الأدبي، وليس لأنها ضليعة أو عالمة في اللغة العربية. برأيها “اللغات لها متخصصين يطورونها دائماً ويسعون لتحقيق ما هو جيد لمواكبتها الحياة واللغات العالمية”.

ومن زاوية أهمية العربية واللغات الأم ككل، ترى أيضاً أن مواكبة الأطفال تعلم لغتهم الأم أو اللغات في البلاد التي قدموا منها أمر مهم ويقع بذات الوقت على عاتق الدولة المستضيفة. وتشير هنا إلى أن الساعات المقررة في المدارس الحكومية لتعلم اللغة الأم قد لا تفي في الغرض من حيث قدرة الأطفال على ممارسة لغتهم الأم كتابة وقراءة ومحادثة معاً.

وفي نظرة من زاوية أخرى تعتبر أن: “الإعلام أيضاً أداة مهمة وحساسة جداً في المجتمع. أن يكون هناك إعلام باللغة العربية في السويد موجه لخدمة الناطقين باللغة العربية أمر مهم للغاية، لكن شرط عدم اغفال اعتماد الترجمة في طرح المواد للقارئ الذي لا يتقن العربية سواء كان سويدي أو من جنسيات أخرى. هنا أقصد أن نعكس جمال لغتنا وثقافتنا وأدبنا وما فيها من كنوز للجميع”.

وتضيف قائلة: “الكومبس مثلاً شبكة رائدة من نوعها موجهه للناطقين باللغة العربية من اللاجئين في السويد وأوروبا، وهنا أقترح أن يتم اعتماد اللغة السويدية كلغة مترجم إليها كافة ما يصدر عن الشبكة بالعربية لإيصال صورة الأخبار والتقارير للغير ممن لا يتكلم العربية، وخصوصاً للمجتمع المضيف”.

هل من كلمة أخيرة لدى رودي؟

“أود في النهاية من منبر الكومبس أن أتقدم لها وللعاملين فيها بالشكر لإتاحة الفرصة لهذا اللقاء، وأتمنى لها مزيداً من التقدم والنجاح. أتمنى السلام والمحبة للجميع”.

حاورها: أسامة الماضي

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.