“المتجردة”: بين النابغة والمُنَّخِّل …

معن حيدر

مقالات ثقافية: قامت على حدود الجزيرة العربية شمالاً مملكتي “الغساسنة” و”المناذرة”، وكلتاهما من العرب الذين هاجروا من “اليمن” بعد انهيار “سد مأرب” في أواخر القرن الأول قبل الميلاد.
سكن “الغساسنة” جنوب “بلاد الشام” واتخذوا مدينة “بصرى الشام” عاصمة لهم وكانوا حلفاء لدولة الروم، وقد امتد نفوذهم حتى “الرصافة” قرب “الرقة”، التي كانت بمثابة عاصمتهم الشمالية.

أما “المناذرة” فسكنوا “العراق” واتخذوا “الحيرة” عاصمة لهم وكانوا حلفاء للفرس، وامتدت مملكتهم حتى مشارف: الشام وعُمان والبحرين وهَجَرْ وسواحل الخليج.


تقول الرواية: 
كان ملوك “المناذرة” يشجعون الشعراء بالعطايا والصَّلات، ومن هؤلاء الشعراء: امرؤ القيس والمُثقِّب العَبدِي والنابغة الذبياني وطُرفة بن العبد ولقيط بن يعمر الأيادي وعُدَيّْ بن زيد العبادي وعمرو بن كلثوم وعمرو بن قميئة وأعشى قيس والمرقِّش الأكبر ولبيد بن ربيعة والمُنَّخِّل اليشكري، وقد كانت “الحيرة” مركزًا علميًا هامًا، وملتقى الأدباء في الجاهلية، وكان “النعمان بن المنذر”، آخر ملوكهم، يجمع شعراء العرب في قصر “الخَوَرْنَق”, ويقيم مهرجاناً أدبياً. 
وكان “النعمان” هذا قبيح الهيئة، أما زوجته “المتجرِّدة” فكات أجمل نساء زمانها، وذات يوم شاهدها صدفة الشاعر “النابغة الذبياني” في قصر “الخَوَرْنَق”، فسُحِر بجمالها وأنشد قصيدته الشهيرة التي يقول مطلعها:


أمِنَ آلِ مَيّةَ رائحٌ، أو مُغْتَدِ … عجلانَ، ذا زادٍ، وغيرَ مزودِ
أَفِل التّرَحّلُ، غير أنّ ركابنا … لما تزلْ برحالنا، وكأنْ قدِ
إلى أن يقول في وصف “المتجردة”:
نَظَرَتْ بمُقْلَةِ شادِنٍ مُتَرَبِّبٍ … أحوى، أحمَّ المقلتينِ، مقلدِ
و النظمُ في سلكٍ يزينُ نحرها … ذهبٌ توقَّدُ، كالشّهابِ المُوقَدِ
صَفراءُ كالسِّيرَاءِ، أكْمِلَ خَلقُها … كالغُصنِ، في غُلَوائِهِ، المتأوِّدِ
قامتْ تراءى بينَ سجفيْ كلةٍ … كالشّمسِ يومَ طُلُوعِها بالأسعُدِ
أوْ دُرّة ٍ صَدَفِيّة ٍ غوّاصُها … بهجٌ متى يرها يهلّ ويسجدِ
أو دُميَة ٍ مِنْ مَرْمَرٍ، مرفوعةٍ … بنيتْ بآجرٍ، تشادُ، وقرمدِ
سَقَطَ النّصيفُ، ولم تُرِدْ إسقاطَهُ، فتناولتهُ ، واتقتنا باليدِ
بمُخَضَّبٍ رَخْصٍ، كأنّ بنانَهُ … عنم على أغصانه لم يعقدِ
نظرَتْ إليك بحاجة ٍ لم تَقْضِها … نظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العُوَّدِ


وتقول الرواية إن “النعمان” أهدر دم “النابغة” بسبب هذه القصيدة بعد أن وشى به حاسديه، إلاّ أنّه عفا عنه فيما بعد، وقد قال فيه (إعتذاريته) المشهورة التي مطلعها:
أتاني أبيتَ اللّعنَ أنكَ لُمتني … وتلكَ التي أهتمّ منها وأنصبُ
وتقول الرواية أيضاً إنّ من وشى به لدى النعمان وأوغر صدره عليه هو الشاعر “المُنَّخِّل اليشكري” وكان من أجمل فتيان العرب وأرقّهم شعرًا، وكان مقربًا من النعمان ويهوى “المتجرّدة” وله قصة أخرى معها أودتْ بحياته ومحت أثره من الوجود، فقد قال فيها قصيدته المشهورة التي مطلعها:


إِن كُنتِ عاذِلَتي فَسيري … نَحوَ العراقِ و لا تَحوري
لا تسألي عن جُلّ مالي … وانظُري كَرمي وخيري
إلى أنْ يقول:
ولقد دخلتُ على الفتـاةِ … الخدر في اليوم المطيـرِ
الكاعب الحسناء ترفـلُ … في الدِّمَقس وفي الحريرِ
……
ما شفّ جسمي غير حبّك / فاهدئي عنـي وسيـري
وأحبـهـا وتحـبـّنـي … ويحبُّ ناقتَهـا بعيـري
وتقول الرواية: إنّ النعمان قد أمر بقتله ومحي أثره تماماً، وتعددت الروايات في طريقة قتله تلك …

معن حيدر