المخرج المسرحي سلام الصكر: المثقفون الوطنيون هم ضمير الشعوب والأمم المتحضرة

الكومبس – ثقافة: يكون المرء محظوظاً بلا شك ومختلفاً عن أقرانه بالتأكيد، إذا ما وجد من يأخذ بيده ويضعه على الطريق الصحيح. هذا ما حصل مع سلام الصكر الذي كان يذهب إلى المسرح بصحبة الفنان الراحل (مكي البدري)، والفنان (صلاح الصكر) الطالب في معهد الفنون الجميلة في بغداد، مما أتاح له فرصة مشاهدة كافة الأعمال التي يقدمها المعهد. وأشركه المخرج (عبد الوهاب الدايني)، في تمارين مسرحية (ورد جهنم) مع المجموعة. وهذا ما حفزه إلى تقديم بعض المشاهد التمثيلية في مرحلة الدراسة المتوسطة، وشجعه بعد إكمال الدراسة الثانوية عام (1970)، لدخول أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد. ليدرس المسرح على يد أساتذة وفنانين كبار مثل: (إبراهيم جلال، بدري حسون فريد، جعفر السعدي، جعفر علي، أسعد عبد الرزاق، وإبراهيم الخطيب)، والأدب العربي على يد الدكتورة (وفيه أبو اقلام). فمثل هؤلاء الأساتذة الكبار لا يمكن أن يمن بهم زماننا أو الأزمة القادمة.

غرباء في الوطن

السنة الثالثة سنة التخصص، “قدمت فصلاً من مسرحية (الملك لير)، وكنت مساعد مخرج في (رثاء أور) مع الأستاذ (عوني كرومي) في نص سومري. السنة الرابعة سنة تقديم أعمال التخرج، “قدمت (تألق جواكان موريتا ومصرعه)، للشاعر (بابلو نيرودا)، رفض النص من قبل إدارة الأكاديمية للفكر الذي يحمله، فقدمت نصاً آخراً (ثمن الحرية) للكاتب (غارسيا لوركا)، ورفض أيضاً لأنه يحمل وضوحاً فكرياً أكثر من النص الأول”. وأخيراً تمت الموافقة على النص الأول وكان فيه أكثر من خمسين ممثلاً، وقدم مرتين على مسرح الأكاديمية.

كان أمام الصكر ثلاثة خيارات بعد التخرج وإنهاء الخدمة العسكرية (1977): (الدراسة خارج العراق، العمل في الفرقة القومية للفنون المسرحية، ومعيداً في الأكاديمية. “اخترت العمل مع الفرقة القومية، وقدمت الطلب إلى رئيس الفرقة وذيله بعبارة (نحن بحاجة إلى خدماته)، وأحالني إلى وزارة الإعلام وسألوني هناك فيما إذا كانت لدي ميولاً سياسية فأجبتهم: (مستقلاً)، فقالوا: (لا توجد لدينا منطقة وسطى). عدت إلى الفرقة فوجدت رئيسها قد شطب عبارته الأولى، وكتب بدلاً عنها (نحن لسنا بحاجة إلى خدماته). فعملت في مهنة الصياغة وهي مهنة والدي، بعدها غادرت العراق لظروف سياسية عام (1979) إلى سوريا ومن ثم إلى اليمن”. في اليمن أخرج الفنان سلام الصكر ثلاث مسرحيات لفرقة الصداقة، التي شكلتها فنانة الشعب العراقي الراحلة (فخرية عبد الكريم / زينب) وهي: (في غرف التعذيب / للكاتب صباح المندلاوي، ثورة الزنج / للكاتب معين بسيسو، والأم / للكاتب بيرتولت بريخت عن الأديب / مكسيم غوركي). ثم توجه إلى كردستان العراق للانضمام إلى حركة الأنصار.

كردستان والمسرح الفقير

التجربة في كردستان كانت فاصلة بالنسبة إلى الصكر، في ظل الفقر الشديد لأي شيء أسمه مسرحاً في تلك البقعة من العالم، بين الجبال الجرداء والوديان السحيقة وبعض البيوتات المتناثرة على السفوح، التي تفتقر إلى أبسط مستلزمات الحياة اليومية مثل الكهرباء والماء. والمسرح هناك يفتقر إلى النص والممثل وخشبة المسرح والإنارة والصوت وإلى أي شيء من مقوماته، حتى الجمهور فهو لا يفهم اللغة التي يتحدث بها الممثلون. فكيف تُخلق تلك الأدوات والعناصر التي يُقدم بها مسرحاً؟ ولكن من خلال البحث والتجريب تمكن الصكر من إيجاد أسلوب جديد لتقديم العرض المسرحي. “هذه التجربة بالغة الأهمية لجميع المسرحين الأنصار، فتحية للذين شاركوا معنا، أو الذين قدموا أعمالاً في مناطق أخرى، أو الذين لم تتح لهم فرصة المشاركة هناك، وتحية إجلال وإكبار ووفاء للشهداء المسرحين الأنصار، منهم: (شهيد عبد الرضا، أبو سرمد، أوميد، هيمن، أبو سلام، جكر خوين، مام علي، روبرت، وسمير حناوي). إنها تجربة الفنان عندما يكون ملاحقاً وغير مستقر، ولديه قضية يريد أن يطرحها وأن يؤثر بها على الجمهور. فكيف يُكيف الفنان نفسه؟ وكيف يطوّع الأدوات بمحيطه ليقدم مسرحاً؟ فبدأنا بتدريب الممثل وكتابة النص واختيار المكان الذي يقدم فيه العرض المسرحي، وبتشجيع من الجمهور الذي يحضر إلى المكان وهو لم يشاهد المسرح ولا حتى التلفزيون في حياته. بدأنا بتقديم أعمالنا باللغة العربية وبمساعدة الكُتاب الكرد معنا في الترجمة، وأنهلنا من التراث الكردي وطرحناه بشكل معاصر وجميل وقريب من الناس”.

تتطلب هذه الأعمال أقل عدد من الممثلين وقليل من الأدوات والسينوغرافيا والإنارة، لكي يسهل حملها على الأكتاف والانتقال بها من منطقة إلى أخرى مشياً على الأقدام. معاناة حقيقية لكنها تتلاشى عند ترحيب الأهالي ومساعدتهم في اختيار المكان وبناء المنصة، والاستفادة مما تجود به الطبيعة من أشجار وأغصان وصخور وأحجار وطين. “يجب على المسرح والمسرحين الكردستانيين اليوم أن يفتخروا بتلك المسارح، التي قدمت عليها أجمل العروض المسرحية، وما زالت شاخصة بقاياها في العديد من القرى النائية في جبال كردستان. كما نفتخر نحن بأننا قدمنا لهؤلاء الناس المتعة والمعرفة بكل تجلياتها، وأهم ما قدمناه: (مذكرات نصير، الضوء، وضجيج عند الغجر)، ومن التراث الكردي عن كاو الحداد (نحن أم أنتم أم نحن جميعاً، وقصة حب)، وعن الشاعر مظفر النواب (حجام البريس) إعداد الشاعر أسماعيل محمد أسماعيل”.

أينما كانوا يعيشون محنة العراق

في سوريا قدم المخرج سلام الصكر مسرحية (حلبجة)، ومسرحية (نعناعة) تأليف وتمثيل الفنانة زينب، ومسرحية (قسمة والحلم) أعداد (محمد المنصور) عن رواية (الذاكرة والغضب) للدكتور (فائز الزبيدي)، تمثيل الفنانتين الراحلتين (زينب وسهام علوان)، وقدمت هذه الأعمال على مسرح القباني في دمشق. في السويد الذي تشح فيه إمكانية الممثل والمكان والجمهور، قدم مسرحية للأطفال (تذكروا إنهم يلعبون)، تناوب على موسيقاها الراحلين (كمال السيد وفلاح صبار)، ومسرحية (مملكة الكريستال) إعداد (حيدر أبو حيدر)، تمثيل الفنانين (نضال عبد الكريم وحيدر أبو حيدر)، ومسرحية (جداريات سعدي يوسف)، ومسرحية (عند الحافة) تمثيل (نضال عبد الكريم وسومة سامي كمال)، وآخر عمل للصكر تأليفاً وإخراجاً كان (المركب). قدم سلام ثلاثية عن الشهيدات (أم ذكرى، أم لينا، وفاتن) وجميعها من تأليف (آشتي). وكرم الفنان سلام الصكر على جهده الإبداعي في التأليف والإخراج والتمثيل من جهات عديدة، وتلقى العديد من الدعوات من مهرجانات أخرى. وتبقى من أولويات الفنان المسرحي هو الوعي بأهمية المسرح، ولمن يقدم المسرح، وماذا يقدم للمسرح؟

 

محمد المنصور

 

التعليقات

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.