المغالاة في الاختلاف شعور بالنقص يلاحقنا في الغربة

رئيس تحرير شبكة الكومبس الإعلامية د. محمود صالح آغا

الكومبس – منبر: يتذرع البعض منا بالمحافظة على “الخصوصية الثقافية” لتبرير رفضه الاندماج بالمجتمع، ولكي يضمن لنفسه مكانا يمارسه به نوعا من التعالي على الآخرين، كما يستغل العديد ممن يرفضون قبول واقع الانتقال والاستقرار في بلد ومجتمع وببيئة مغايره، ما يقدمه لهم المجتمع الغربي من امتيازات لمنع التمييز والحفاظ على الاختلاف.
فيما يختار البعض لأنفسهم صفة “الضيف” وليس المقيم أو المواطن، حتى ولو طالت مدة الضيافة إلى مدة تقارب طول مدة حياتهم وحياة اسرتهم.
الشعور بأننا ضيوف، في مجتمع يطلب منك ان تكون متساويا مع الآخرين شعور ضار جدا، ويهدف إلى التملص من المسؤوليات، لأنك تضع نفسك إما بمرتبة أدنى من الآخرين على حسب مقولة “يا غريب كن أديب” أو أنك تريد ان تستفيد من كرم ضيافة الآخرين لك، فليس مطلوبا منك ان تعمل أو تتفاعل أو تشارك بمعنى آخر لا يريد الضيف أن يندمج.
التذرع بالخصوصية الثقافية، وصل لحد المغالاة في إظهار الاختلاف وممارسته من قبل البعض، في بلاد الاغتراب بشكل مضاعف عما كان مسموح به في الأوطان الأصلية.

المفارقة أن العديد من البلدان العربية التي صدرت المهاجرين تتذرع بنفس ذريعة “الخصوصية الثقافية” في منع الحريات عن شعبها، وكأن حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة هي بضائع أجنبية مستورة لا تصلح للاستهلاك المحلي، وذلك باستخدام حجج التقاليد والعادات والدين والشرف والأخلاق وغير ذلك.
من كان ممنوع عليه ارتداء الرموز الدينية في بلاده مثلا، لكي لا يثير على الأقل انتباه الآخرين له، نراه يتباها ويتبجح بارتداء هذا الرموز في بلدان الغربة، فالصليب الكبير يتدلى من الرقبة فوق الملابس، لدى البعض، والعباءة تقصر والذقون تطول والنقاب يزداد سمكا على الوجوه.
الانغلاق الداخلي، والمغالاة بالاختلاف والمباهاة الفارغة بالتمسك بالهوية الدينية لا يقتصر على دين أو طائفة معينة، وللأسف يلعب بعض رجال الدين الشرقيين، أدوار سلبية قد تصل إلى حد التحريض، من أجل عدم خسارة سلطة الولاء للطائفة على حساب إضعاف سلطة الولاء للمواطنة.
ومما قد يزيد التباعد أيضا بين حملة الأفكار الدينية التي تطالب بسلطة على طوائفها هو ردة فعل المجتمع بالتمسك أكثر بالعلمانية ذات المفهوم المعادي للأديان، وليست العلمانية بجوهرها السياسي الذي يتيح للجميع ممارسة شعائره الدينية بحرية كاملة بشرط عدم تعارضها مع الحد من حريات الآخرين والدعوة إلى الانعزال وكسب سلطات خاصة.

التنبيه لمخاطر المغالاة في الاختلاف واستغلال مبدأ “الخصوصية الثقافية” هو واجب مهم لكي لا نشهد انحساراً ربما متسارعاً في التيارات المؤيدة لمفاهيم العلمانية السياسية القائمة على التسامح والإقرار بالاختلاف والتركيز على القيم الإنسانية لكل فرد بغض النظر عن شكله وانتماءه ومعتقداته، الانحسار المتوقع هذا يمكن ملاحظته من خلال تراجع اليسار وقوى اللبراليين اليساريين في التأثير السياسي على حساب المد اليميني المتطرف أحيانا.

ولعل خير مثالا على ذلك الدعوة الأخيرة لأكبر الأحزاب السويدي، حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، إلى إغلاق المدارس الدينية. وهذا الحزب محسوب طبعا على اليسار السويدي.
 وبغض النظر عن صواب هذه الدعوة من خطئها، نجد أنها خطوة مضادة ليس فقط للتوجه الديني في المدارس، بل في المجتمع أيضا، خاصة ان توقيتها، قبل الانتخابات، يعني مغازلة جزء مهم من الناخبين السويديين على حساب مجموعات مهاجرة ودينية في المجتمع.

من المؤكد أنه لا يزال هناك سياسيون ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات تدافع عنا كمهاجرين ولاجئين ومواطنين من أصول مهاجرة، يدافعون عن حقنا بخصوصية ثقافية معتدلة وواقعية ولكن المغالاة بهذه الخصوصية ستحرج أصدقائنا ويضعفهم ويقوي علينا أعدائنا، لذلك علينا أن نشعر أولا بأننا متساوين مع الجميع لكي يقبل بنا المجتمع كما نحن بفروقاتنا الجميلة وليس بقبح خلافاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين

د. محمود صالح آغا

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.