المهاجرون الأفارقة خطر ديمغرافي على إسرائيل؟!

Views : 320

التصنيف

تعوّدنا في الخطاب السياسي الإسرائيلي على استحضاره متلازما مع مقولة (الخطر الديمغرافي) و(تهديد الهوية اليهودية الديمقراطية للدولة) عند الحديث عن الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، واستخدام هذه المقولة العنصرية لتجريدهم من حقوقهم في المساواة والتعبير عن هويتهم الوطنية والثقافية والتواصل مع تراثهم القومي، ولترهيب المجتمع الإسرائيلي من خطر مزعوم بغية تأجيج دعوات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

تعوّدنا في الخطاب السياسي الإسرائيلي على استحضاره متلازما مع مقولة (الخطر الديمغرافي) و(تهديد الهوية اليهودية الديمقراطية للدولة) عند الحديث عن الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، واستخدام هذه المقولة العنصرية لتجريدهم من حقوقهم في المساواة والتعبير عن هويتهم الوطنية والثقافية والتواصل مع تراثهم القومي، ولترهيب المجتمع الإسرائيلي من خطر مزعوم بغية تأجيج دعوات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

المقولة ذاتها استخدمها بنيامين نتنياهو وأركان وزارته لتمرير قرار ترحيل المهاجرين الأفارقة من إسرائيل، والمقدر عددهم بما يقارب ستين ألف مهاجر غالبيتهم من جنوب السودان وإريتريا، وسبق أن تعهدت الحكومة الإسرائيلية باستكمال بناء جدار شائك، في شهر تشرين الأول/أكتوبر القادم، على طول الحدود مع شبه جزيرة سيناء المصرية، لمنع وصول المزيد من المهاجرين الأفارقة، الذين ادعى نتنياهو بأن عددهم قد يصل إلى أكثر من ستمئة ألف في حال لم تغلق الحدود أمامهم. وكإجراء احترازي إلى حين المباشرة في عمليات الترحيل، أعلن وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي يشاي عن إقامة معتقلات مؤقتة بالقرب من الحدود المصرية، لمنع المهاجرين من الوصول إلى مدن المركز والاندماج في المجتمع.

قضية المهاجرين الأفارقة وضعت على صفيح ساخن بعد عدد من عمليات اغتصاب وسلب أُتهم فيها مهاجرون من إريتريا وجنوب السودان، آخرها قبل شهر تقريباً، اغتصاب فتاة في الخامسة عشرة من عمرها في ضاحية (شابيرا) بمدينة تلِّ أبيبْ، وبعدها بأسبوعين اغتصابُ وسلبُ فتاةٍ في التاسعةَ عشَرةَ من عمرها، في أحدِ مواقفِ السياراتِ جنوبَ المدينةْ، التي تعيش الكتلة الرئيسية من المهاجرين الأفارقة في أحيائها الفقيرة وضواحيها.

وتلت تلك الحوادث حملات تحريض عنصرية مكثفة ضد الأفارقة، شارك فيها أعضاء في الكنيست باقتراح مشروع قانون يوقع عقوبة شديدة وغرامة مالية كبيرة على كل من يؤوي المهاجرين الأفارقة أو يُشغِلَهم أو يؤمن لهم وسيلة نقل. وتقدّم بهذا المشروع النائب عن حزب (الليكود) اوفير اكونيس، بدعم من أعضاء آخرين تواطئوا مع حركات احتجاجية في تلِّ أبيبْ رُفع فيها شعار "اذهبُوا إلى بلادِكم.. يا قاذوراتْ! اذهبُوا إلى بلادكمْ!".

في المقلب الآخر نقلت القناة الأولى في التلفزيون الرسمي الإسرائيلي صورة مزرية لحياة المهاجرين الأفارقة بمدينة تل أبيب، ففي تقرير أعده مراسل القناة أميرْ غيرا لبرنامج (شريط الأسبوع) -18/5/2012- تحت عنوان "غزو من الجنوب"، تحدث المراسل عما أسماه بـ"الحربِ الدائرةِ بين السكان المحليين في جنوب تلِّ أبيبْ، والمتسللين الأفارقةِ أو اللاجئين..". وأضاف المراسل: "السكانُ في ضاحيةِ شابيرا وضواحي جنوب تلِّ أبيبْ، أعلنوا الحرب.. إنَّهم الذين هاجروا إلينا طلباً للعمل، واللاجئونَ منْ إريتريا وجنوب السودان، الذين احتلَّ عشراتُ الآلاف منهمْ جنوب مدينة تل أبيبْ في السنتين الأخيرتين..".

وعرض المراسل في تقريره معطياتِ صادرة عن الشرطةِ الإسرائيلية تؤكد ارتفاع عدد عمليات السطوِ والاغتصاب والسرقة من المنازل والسيارات بنسبة أربعينَ بالمئة، وألمح إلى أن مردَّ ذلك يعود إلى أنه "من شهر إلى آخرَ تُفرِجُ الدولة عن قُرابةِ ألفَيْنِ من طالِبي اللجوءِ في إسرائيل، الذينَ يأتون منْ مُنشأةِ الاعتقالِ في (كتسيعوت) إلى منطقة المحطة المركِزية في تلِّ أبيبْ. ومنْ هُناك يتوزعُون على ضواحِيها الجنوبية محاولين البقاء بكلِّ وسيلة، ويحوِّلون حياة السكان اليهود في المنطقة إلى جحيم..".

لكن عن أي جحيم يتحدث المراسل؟ جحيم حياة السكان اليهود أم جحيم حياة المهاجرين الأفارقة؟ في التقرير ذاته يجيب على هذا السؤال نائب رئيس بلدية تلِّ أبيبْ أساف زامير بالقول: "لا أحدَ على المستوى الوطنيِ يهتم بهؤلاء الأشخاص، أو يعالج مشاكلَهمْ، أو حتى يذكرُهم في حديثه. وهمْ لا يحصلون على أيِّ خدمات من أيِّ نوعٍ كان.. دولة إسرائيل تسمح لهمْ بالدخول، دون أنْ تعرفَ منْ هم لكنَّ أسوأ ما في الأمر – وهو أساس المشكلة- أن الدولة لا تسمح لهمْ بالعمل. وحين تعيش جماعة سكانية في مدينة ما دون عمل، ودون أنْ تُعيل نفسها، فلا بدّ لها في النهاية أن تجد قوتَها وقوتَ أولادِها. لكن يبقى السؤال: كيفَ يتم ذلك؟".

ورغم اعتراف نائب رئيس بلدية تلِّ أبيبْ بمسؤولية السلطات الإسرائيلية عن ظاهرة لجوء المهاجرين الأفاقة للعنف، يحلو لليمين الإسرائيلي المتطرف ربط ذلك بالحديث عن ظاهرة أخرى مزعومة، هي تفشي استخدام العنف من قبل الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، ففي مقال نشرته صحيفة (معاريف) -17/5/2012- للمفتش العام الأسبق في الشرطة الإسرائيلية آريه عميت، يدعي الكاتب أن مسببات العنف الذي ينتشر في إسرائيل "العرب والمهاجرين الأفارقة والكحول"، ويستطرد: "دور الوسط العربي في الجريمة، وفي العنف عال جداً، والإحباط والكراهية هما وقود شديدة القوة.. بؤس المعالجة الحكومية للمشكلة أثار علينا عنفاً مُهدداً يتصاعد ويتسع.. وكلما مرَّ الوقت –والدولة تقف جانباً ولا توافق على أن ترى بعيون مفتوحة بأن ليس القنبلة الإيرانية هي التهديد بل القنبلة الموقوتة التي توجد هنا هي الخطر– فإن هذا العنف ينال المزيد فالمزيد من القوة".

خارج التعليقات والدعوات العنصرية ضد المهاجرين الأفارقة يوجّه بعض الكتاب السياسيين الإسرائيليين انتقادات للسياسات الرسمية الإسرائيلية، ومنهم الكاتب يرون لندن، الذي نشر مقالاً في صحيفة "يديعوت" -1/5/2012- أدان فيه سلوك حكومة نتنياهو لأنها "لا تسعى إلى استيعاب المهاجرين السود، بل تدفع القدامى المضطهَدين –المقصود اليهود في الأحياء الفقيرة- للصدام بالمضطهَدين الجدد (الأفارقة)، مما لن ينتج إلا مزيداً من العنف المتصاعد..".

وفي صورة أبلغ من أي كلام عن مأساة المهاجرين الأفارقة في إسرائيل، وقفت واحدة منهم تدعى بليسينغ اكتسوكا أمام الكاميرا بعيون دامعة وقالت: "أحياناً يروْنَني أبكي ويسألون لماذا.. فأقول لهمْ أنا لا أبكي. بل أنا.. لو كان لي دولة أخرى لغادرتُ إسرائيل. ولكنْ نظراً لما يحصل في نيجيريا، فأنا لا أريد العودة إلى هناك".

ويبقى للقارئ أن يصدق أو لا يصدق أنّ "إسرائيل دولة ديمقراطية يهودية"، وأنّ المهاجرين الأفارقة الذين تقطعت بهم السبل، وقادهم حظهم التعس إلى إسرائيل، "خطر ديمغرافي وجودي على الديمقراطية الإسرائيلية".

عامر راشد

أنباء موسكو

29 مايو 2012

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.