الناشرة منى زريقات هينينغ في حديث لـ الكومبس: تعرفوا على السويد أكثر من خلال أدب الأطفال

Views : 1468

التصنيف

الكومبس -لقاءات: عندما تستقر في بلد آخر مختلف، وتتقبله ويتقبلك، لا بد أنك ستحاول أن تنقل كل ما هو جميل ومفيد من هذا البلد الجديد إلى بلدك الأم، هكذا تقول منى زريقات هنينغ التي قضت أكثر من 45 عاماً في السويد، عن بدايات عملها في نقل أدب الأطفال السويدي إلى العربية.

الشيء الجميل الذي دأبت الناشرة منى على نقله إلى العربية هو الأدب وتحديداً أدب الأطفال، لأنها وجدت به ليس مجرد ترف وتسلية للأجيال الناشئة، بل طريقة لمخاطبة خيال الطفل وتوسيع مداركه وتعريفه على ثقافة الآخر، فأدب الأطفال مختلف عن الأدب الموجه للكبار، كما تأكد منى زريقات هنينغ.

 الأعوام التي قضتها منى في السويد، كانت أعوام مليئة بالعطاء والعمل، لتكون النتيجة تأسيس وتطوير دار نشر، كانت السباقة بترجمة ونشر أدب الأطفال السويدي إلى العربية، مما أهلها لاستلام جوائز قيمة منها وسام رفيع من قبل الملك السويدي كارل غوستاف السادس عشر، في حفل أقيم بالقصر الملكي في حزيران / يونيو العام 2010 في ستوكهولم بحضور الملكة سيليفيا، إضافة إلى اختيارها ” سيدة العام ” في العام 2013 وذلك لجهودها في تعريف العالم العربي بالأدب السويدي. كما نالت جائزة الأكاديمية السويدية لأدب الطفل في عالم 2007.

الكومبس زارت منى زريقات هنينغ في مكتبها وسط العاصمة السويدية، وأجرت معها حديثاً، تشعب إلى عدة اتجاهات مهمة، تناول بالإضافة إلى السيرة الذاتية للناشرة المعروفة في السويد والوطن العربي، قضايا الأدب والترجمة والإعلام والثقافة، خاصة أنها تشغل أيضا منصب القنصل الفخري للأردن في السويد.

وراء مجموعة كبيرة من الكتب التي ازدحمت على رفوف مكتبتها، وقفت منى زريقات تعرفنا على أول الكتب التي ترجمتها والتي اختارت لها في ذاك الوقت اسم “برهان” لتجسد شخصية “ألفونس اوبيرغ” في سلسلة الكتب الأصلية، هذه السلسلة التي نشأ جيلاً كاملاً على قراءتها.

لماذا أدب الأطفال؟ وكيف كانت البداية؟

ما دفعني لتأسيس دار المنى مشهد أثر بي كثيرا، وذلك عندما رأيت أختي التي تقيم في الأردن تقرأ لأطفالها القصص باللغة الإنجليزية، وسألتها عن السبب. وكان بكل بساطة عدم توفر الكثير من كتب الأطفال باللغة العربية، ثم اتضح لي أن هذه الظاهرة متفشية في العالم العربي، وكأنها أمر عادي من غير الانتباه إلى ما يعنيه وما يترتب عليه من فقدان للهوية الخاصة إذا ضعفت اللغة.

لقد لاحظت كيف تحافظ السويد على لغتها وتدافع عنها بكل الوسائل، على الرغم من قلة عدد سكانها. واكتشفت أن مفتاحهم السحري في إكساب الطفل لغته الأم وغرسها فيه هو التركيز على مرحلة الطفولة. فالكتب الموجهة للأطفال متوافرة في كل مكان سواء في المكتبات المدرسية أو المكتبات العامة، ناهيك عن دور نشر الكتب أو بيعها التي لا يكاد يخلو منها أي حَي من أحياء المدينة أو القرية أو أي منطقة تجمّع سكني مهما صغرت مساحته.

من هنا جاءت فكرة “دار المنى” لأني لمستُ نقصا في الكتب العربية الموجهة للأطفال لما أسست الدار في مطلع الثمانينات، ولدت مع الدار فكرة نقل الثروة الأدبية السويدية إلى العربية. جاء هذا لاقتناعي الكامل أنه ينبغي أن يكون الطفل على علاقة قوية مع اللغة والكتاب منذ صغره.

alfons_aberg

هل يوجد أدب أطفال في اللغة العربية برأيك؟

نعم ولكن الآن بدأ يتطور، للأسف في السابق نكاد نقول إنه لم يكن موجوداً، بينما هو قديم في السويد وفي الغرب، أول كتاب للأطفال ظهر في السويد منذ أكثر من 500 عام وكان مترجماً من الألمانية.

كتاب الطفل صعب التأليف وصعب الإنتاج أيضا. وطبعا نحن نعرف أن هذا النوع من الكتب حديث العهد في عالمنا العربي، على الرغم من التجارب الفردية التي أخذت مجراها في القرن الماضي. إن كُتّاب الأطفال المتخصصين هم قلائل في اللغة العربية، والطفل قارئ لا يساوم في ذوقه. عندما أسست “دار المنى” كنت لمست بنفسي النقص الكبير في هذا المجال، فقررت التركيز عليه وكلي أمل بإنشاء علاقة وثيقة بين الأدب السويدي والأدب العربي.

كتاب الطفل في السويد يتمتع بشهرة عالمية تتجاوز الحدود الإقليمية وعوائق اللغة. وقد قامت “دار المنى” بترجمة ونقل مجموعة كبيرة من الكتب المتخصصة في مجال أدب الطفل والناشئة لكثير من الكتاب السويديين الروّاد الذين يتمتعون بشهرة عالمية، ومنهم على سبيل المثال الكاتبة أستريد ليندجرين مؤلفة “جنان ذات الجورب الطويل”، و”الأخوان”، و”ميرابل”، و”ميو يا ولدي”. بالإضافة إلى شخصية برهان لكاتبة جونيلا بيرجستروم، والذي  ارتبط اسمه باسم “دار المنى” لأنه كان من أول إصدارات الدار، فالعديد من الأطفال يعرفون قصص هذا الولد الصغير في حكاياته اليومية مثل “تصبح على خير يا برهان” و”احذر المنشار يا برهان”.

فيما توسع النشر إلى أعمال أدبية موجهة للكبار متلويلهلم موبيرغ في روايته المهاجرون  بير لاغركفيست في روايته ضيف على الواقع ويان غيو في الطريق الى القدس  وهنينغ مانكل في رواياته المترجمة الى العربية.

والكاتب هنينغ، يعتبر من أبرز الروائيين الذين كتبوا الرواية البوليسية. التي تكاد تكون غير معروفة في عالمنا العربي كنوع أدبي مستقل. وعندما أتيت بروايتيه ‘قاتل بلا وجه’، و’الكلاب في ريغا’، وجدت صعوبة في تسويقها فلا أحد يعرف الكاتب أو يعرف أهميته في بلاده. ومؤخرا بدأ اسم هذا الكاتب يتردد في عالمنا العربي، خصوصا بعد مشاركته مع أسطول الحرية إلى غزة، وبعد أن أعلن آراءه ضد الحصار الظالم على أهل غزة.

13517964_10206148692146051_1724919957_o1c5a25a6a0-framsida.001

هل نقلت كتب من العربية إلى السويدية وكيف تتعاملين مع طرق الترجمة؟

نقلت من العربية إلى السويدية ثلاثة دواوين شعر للشاعر المبدع محمود درويش.

حالياً أنا لا أترجم بنفسي إلا القليل، لدي عدد لا بأس به من المترجمين المتمكنين من اللغة السويدية والعربية ومعرفة جيدة بالثقافتين وهذا يسهل من عملية الترجمة.

يمكن ملاحظة أن القصة العربية كانت تروى دائما بصيغة الماضي، ما اكتشفناه عند ترجمة كتب الأطفال السويدية هو استخدام المضارع، وهذا ما يزيد من توسع خيال المتلقي أكثر، على أساس أن الحدث يجري الآن أمامه ليستطيع تخيله أكثر.

دعني أقول لك أن الترجمة هي فعل حضاري، لأنها تساعد على فهم الآخر وعلى التواصل معه وعلى حفظ الحضارة الإنسانية، والحضارة الإسلامية العربية التي شهدتها منطقتنا سابقا هي ايضا جزء لا يتجزأ من صرح الحضارة الإنسانية التي نشهدها اليوم.

mona_henning_kungamedaljen

ما الذي تنصحين به الناطقين باللغة العربية في السويد خاصة القادمين الجدد؟

أريد أن أقول لهم ابحثوا عن كتب الأطفال السويدية المترجمة للعربية وليس من أجل شرائها فهي تتواجد على رفوف المكتبات العامة في كل المدن والأرياف السويدية ويمكن استعارتها. إدعوا الجميع لقراءة أعمال الكاتبة السويدية الرائعة أستريد ليندجرين، والتي قالت: “خيال الطفل ليس له حدود”. أريد أن أكتب للصغار لأن الصغار يصنعون المعجزات عندما يقرؤون ولهذا فهم يحتاجون الكتب” تراث هذه الكاتبة الأدبي هو أرث عالمي.

هذه الكتب تعتبر للقادم الجديد وسيلة من أهم الوسائل السهلة والممتعة للتعرف على المجتمع السويدي والثقافة السويد. انها وسيلة ناجحة من أجل الاندماج في المجتمع الجديد.

أدعوهم أيضاً إلى قراءة أعمال سلمى لاجرلوف التي صورت السويد وعلاقات الإنسان وخاصة الطفل مع الطبيعة، والعادات والتقاليد السويدية بأجمل صورها، وكذلك كتب إلزاا بيسكوف. لذلك إذا اردتم أن تتعرفوا أكثر على السويد يجب قراءة أدب الأطفال لأنه حاضن لكل العادات والتقاليد السويدية فهو مرآة هذا المجتمع الذي سيتعرف عليه القادم الجديد.

هذا هو المدخل الصحيح للاندماج برأي هو التعرف على أدب وثقافة الآخر من خلال الكتب والقراءة، هؤلاء الكتاب هم رموز السويد التي تفخر بهم وليس السياسيين.

وكما هو معروف عن السويد في إحصائيات عديدة أنها تتصدر قائمة الشعوب الأكثر إقبالا على القراءة في العالم. وهناك اهتمام كبير يحثّ الطفل من سنين حياته الأولى على القراءة، مثل المكتبات المدرسية والمكتبات العامة، وثمة ميزانيات مخصصة لشراء الكتب، بحيث ان ثلثي الطبعة الأولى من أي كتاب يذهب إلى هذه المؤسسات والثلث المتبقي يذهب إلى دور الكتب التجارية!

الطفل يقرأ كل ما هو متوافر من حكايات شعبية وأدب حديث وأدب مترجم وكتب علمية عديدة مقدمة بطريقة ممتعة تشد الطفل اليها.

هناك مكتبيات متخصصات ومدرسون يؤمنون بأهمية القراءة الحرة، وهناك وعي لدى الأهالي بأهمية الكتب وأهمية القراءة. وهنا يجب التذكير، بما قلت سابقاً بأهمية قراءة اللغة العربية أيضا للطفل منذ صغره.

في نهاية اللقاء شكرنا الناشرة والقنصل الفخري للأردن منى زريقات هنينغ على استقبلها لنا وعلى الوقت الذي خصصته للحديث معنا، كما تمنت لشبكة الكومبس المزيد من النجاح في تقديم خدماتها الإعلامية.

pippi