بشرى من داخل مركز الاحتجاز: أناشد السلطات السويدية إيجاد حل عاجل لمشكلتي الصحية

Views : 5674

التصنيف

بشرى الدخلاوي، طالبة لجوء تونسية، تحتجزها الشرطة السويدية داخل مركز تابع لمصلحة الهجرة، في بلدية Märstaبالعاصمة ستوكهولم، منذ 4 أشهر تقريباً، بغرض ترحيلها من البلاد. تعرضت داخل محبسها، كما تقول، إلى مرض عصبي، تسبب في تصلب أصابع يديها وانقباضها كلياً، حتى لم تعد قادرة على بسطها أو تحريكها على الإطلاق.

حسب ما ذكرت بشرى، فإن مسؤولي مركز الاحتجاز يرفضون تماماً فكرة عرضها على طبيب أعصاب مختص أو معالج فيزيائي، بدعوى عدم مقدرتهم على تحمل تكاليف العلاج، مكتفين بإعطائها أدوية مسكنة للألم كل ليلة، حتى تتمكن من الخلود إلى النوم، فيما حالتها الصحية والنفسية لم تنفكا تزدادان تدهوراً يوماً بعد يوم. كما تؤكد أنهم رفضوا طلب نقلها إلى منزل شقيقتها لتتولى رعايتها، أو العلاج في إحدى المستشفيات على نفقتها الخاصة، مع تقديم أية ضمانات يحتاجونها للتأكد من عدم قدرتها على الهرب.

تخشى بشرى أن يزداد وضعها سوءاً بحيث يتعذر علاجه مستقبلاً، مخلفاً لها إعاقة جسدية مستديمة، أو معاناة طويلة أليمة، لا تنتهي إلا بالوفاة، لا سيما أن قرار ترحيلها يبقى حبراً على ورق، غير قابل للتنفيذ، إزاء توقف رحلات الطيران إلى خارج أوروبا منذ بدء جائحة كورونا، ما يعني أن مأساتها قد تستمر إلى أجل غير مسمى، مصحوبة بكل ما يترتب عليها من مشاكل، تستنزف عافيتها وتهدد حياتها.

كل طلبات اللجوء رُفضت

تقول بشرى لـ”الكومبس“، عبر اتصال هاتفي معها: وصلت إلى العاصمة ستوكهولم سنة 2015، ثم تقدمت سريعاً بطلب لجوء إنساني. إلا أن مصلحة الهجرة سرعان ما رفضت قضيتي وجميع محاولاتي اللاحقة للاستئناف، مصدرة قراراً نهائياً يقضي بترحيلي، كوني دخلت إلى أوروبا بتأشيرة سفر فرنسية. هكذا لم أجد مناصاً من الانتظار 4 سنوات أخرى، لأحاول تقديم طلب لجوء جديد، لا سيما أن مدة تأشيرتي حينها ستكون قد انقضت وزالت معها أكبر عقبة تحول دون حصولي على حق اللجوء. نجحت بمرور الوقت في إجادة اللغة السويدية والحصول على وظيفة تمنحني استقلالاً مادياً يغنيني عن الحاجة إلى أية مساعدات مالية تمنحها الدولة. لكن الأمور لم تسر كما خططت لها، حيث رفضت الهجرة السماح لي بتقديم طلب لجوء أخر، بدعوى وجوب تنفيذ نص قرار الترحيل السابق في حقي، فاحتجزتني مباشرة داخل مركز “فورڤار”، المخصص لاستقبال طالبي اللجوء المزمع ترحيلهم، يوم الثلاثاء، الثالث من مارس/آذار 2020، توطئة لإعادتي إلى تونس.

كورونا توقف ترحيلها

إلى هذا الحد، كانت كل الإجراءات قانونية وعادلة جداً، لم أجد في نفسي غضاضة بقبولها والانصياع لها عن طيب خاطر. كان من المفترض آنذاك، أن يتم ابقائي قيد التوقيف حتى استكمال كافة إجراءات سفري خلال مدة لا تتعدى ستون يوماً فقط، ما جعلني أحتمل على مضض صعوبة الأوضاع الإنسانية التي أقاسيها داخل الحجز أملاً في اقتراب الفرج. غير أن تفشي وباء كورونا أدى إلى إغلاق الحدود الدولية تماماً والحيلولة دون إمكانية إيجاد رحلة طيران تقلني لبلدي في وقت قريب معلوم. هنا فوجئت بمسؤولية قضيتي تبلغني أنها قامت بتمديد فترة حجزي شهرين أخرين، قابلين أيضاً للتمديد، إلى حين استئناف الرحلات الجوية لخارج أوروبا مجدداً. صارحت هذه الأخيرة باستيائي الشديد من قرارها، موضحة أن الأزمة قد تستمر شهوراً، ما سيبقيني نزيلة محبسي ردحاً طويلاً من الزمن لا علم لأحد بميعاد انتهاءه. خاصة أن الشهرين المنصرمين استنزفاني نفسياً حتى أوشكت على الإصابة بانهيار عصبي. لكنها لم تُلق إلى توسلاتي بالاً ومضت في قرارها دون أن يرف لها جفن، حينها تملكني أسى وحزن كبيرين على ما آل إليه حالي.

لا أعلم بالضبط إذا ما كان لوضعي النفسي السيئ دور مباشر في الأحداث التالية، لكنني تعرضت قبل شهر تقريباً لصدمة عصبية قوية، أدت إلى عجزي كلياً عن تحريك أصابع كلتا يدي وتصلبها بشكل منقبض حتى أمست مشلولة تماماً، كما بدأت أتعرض لنوبات ضيق التنفس وأكح وأبول دماً، جعلتني لا أقوى حتى على دخول دورة المياه وتنظيف نفسي، لولا تطوع بعض النزيلات الصوماليات الخيرات على مساعدتي في قضاء حوائجي.

“نقلوني للمستشفى مقيدة كما لو أنني مجرمة”

استغرق الأمر خمسة أيام كاملة بلياليها، قضاها مشرفو المركز يتابعون حالتي الصحية عن بعد بين مصدق ومكذب، حتى اقتنعوا أخيراً بضرورة عرضي على طبيب. هكذا نقلوني إلى المستشفى صحبة ثلاث رجال شرطة ضخام، مقيدين كلتا يدي في قضيب سرير حديدي بالأصفاد المحكمة، كأنني مجرمة بالغ الخطورة، بشكل زاد معه وضع يدي سوءاً وألماً.

داخل المستشفى، فحصني طبيب عام ليعلن أن حالتي تستوجب العرض على أخر مختص في أمراض المخ والأعصاب، ثم حولوني إلى طبيبة أخصائية في العلاج الطبيعي، فحصتني قليلاً بدورها، قبل أن تخبرهم بكونها غير قادرة على مساعدتي، فرجعوا بي للحجز مباشرة.

عندما سألتهم أن يحددوا لي موعداً مع أخصائي أعصاب وفق ما أوصى الطبيب، أو محاولة إخضاعي إلى العلاج مجدداً على يد معالج فيزيائي مختلف، أجابوني أنهم لا يملكون دفع تكاليف علاجي. فأخبرتهم أني قادرة العلاج على نفقتي الخاصة، لكنهم اعتبروا كلامي محاولة للهرب من الحجز، أو هكذا اتفقوا على تبرير رفض طلبي، كما ادعوا أن من الصعب على الأطباء الآن مقابلة المرضى خوفاً من تفشي عدوى كورونا.

عرضت عليهم شقيقتي من جانبها تولى الإشراف على رعايتي في منزلها ريثما أتماثل للشفاء أو يتسنى تسفيري إلى بلدي، مع منحهم أية ضمانات يطلبونها للتأكد من عدم إقدامي على محاولة الهرب. إلا أنهم رفضوا أيضاً.

كان أقصي ما فعلوه، أن اعتبروني شخصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث وفروا لي بعض موظفي الرعاية المنزلية، يأتون لزيارتي دقائق محدودة، في أوقات بعينها، ثم ينصرفون، تاركيني أعاني أغلب ساعات النهار وطول ساعات الليل وحدي دون معين. أما العلاج فكان يقتصر على حبة دواء مسكنة للألم، يدسها طبيب عام ما تابع إلى المركز في فمي كل مساء، لتساعدني على النوم.

على الرغم من أن عدد موظفي مركز الاحتجاز يتراوح ما بين 30 إلى 40 شخصاً، يشرفون على 13 نزيلة فقط، لا يكادون يمارسون أي عمل تقريباً أغلب أوقات الدوام، يروحون ويغدون بيننا مهددين بنقل العدوى إلينا من الخارج، بيد أنهم لا ينفكون جميعاً يرفضون كل طلب مني بالمساعدة خلال الساعات التي لا يتواجد فيها أحد من أفراد الرعاية المنزلية، مرددين عبارتهم الأثيرة أن “هذا ليس عملنا.

لقد رجوتهم أن يتواصلوا مع السفارة التونسية بستوكهولم، لعلها تجد وسيلة لترحيلي، ففعلوا وأبلغوني أنهم لا يزالون في انتظار ردها حتى اللحظة”.

لم أطلب المستحيل

وختمت بشرى: لست أطلب المستحيل أو ما ليس من حقي كبشر، لدي من التقارير الطبية والمستندات ما يؤيد صحة كل كلمة قلتها بخصوص حالتي الصحية. أقصى ما أرجوه أن أعود إلى بلدي سريعاً بأية وسيلة كانت، لترعاني عائلتي وأتعالج في إحدى المستشفيات هناك، بينما لا أزال قادرة على السير فوق قدمي.

لذا أناشد السلطات السويدية المختصة أن ترأف بحالي وتساعدني على تحقيق ذلك. كما أرجو من المسؤولين في الحكومة التونسية وسفارتنا بستوكهولم ألا يتخلوا عني في عز أزمتي ويلتزموا بمسؤوليتهم الأخلاقية تجاهي كمواطنة لديهم، فينسقوا مع نظرائهم السويديين لإعادتي إلى أرض الوطن، حرصاً على إنقاذ حياتي من الضياع بين غياهب السجن والمرض المعجز.

وإن كان قد استعصى عليهم سفري، فليسمحوا أن يتم علاجي على أيادي أطباء مختصين في السويد، حتى لا يتفاقم مرضي أكثر، إلى حين إمكانية ترحيلي.

أو على أقل تقدير، فليحفظوا علي ما بقي من كرامتي وينقلوني إلى منزل شقيقتي لترعاني، بدلاً من اضطراري إلى توسل العون من الغرباء كلما أردت تناول الطعام أو الاستحمام أو تغيير ملابسي أو دخول دورة المياه، كاشفة عورتي على كل من هب ودب.

أيضاً أهيب بالمنظمات الحقوقية ووسائل الأعلام المحلية أن يسلطوا الضوء على قضيتي، لعل نداءاتي هذه تصل للمسؤولين، فيعاملوني وأمثالي من المحتجزين بصورة أكثر اتساقاً مع اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، ذلك إننا لسنا إلا طالبي لجوء يراد ترحيلنا، لا مجرمين نقضي عقوبة. فإن لم نكن سنتراحم بيننا في ظل أزمة عالمية كالتي نمر بها الآن، متي نفعل إذن؟.

تقرير: عمر سويدان

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.