بيرشنك سعيد: بعض مؤسسات الإندماج الأوروبية “تُعّقد” اندماج المهاجرين

الكومبس – ثقافة: بيرشنك سعيد، (أستيرا)، ناشطة اجتماعية في مجال الاندماج بالمجتمع، تحمل شهادة الماجستير في الصحافة وقد عملت بها قبل مجيئها إلى الدنمارك.

تعمل منذ ما يزيد على (22) عاماً وما زالت في مجال المجتمع المدني، حيث تساعد القادمين من ثقافات ولغات مختلفة، على التأقلم مع المجتمعات الجديدة والإندماج في المجتمع، خصوصا الفئات التي عانت من التناقضات الاجتماعية في بلدانها.

تعمل (أستيرا) مع كافة الفئات العمرية من الجنسين، ويشمل نطاق عملها مجالات واسعة، من السلوك العام في الحياة اليومية، مروراً بتعلم اللغة والتأهيل الدراسي ومعرفة الأنظمة والقوانين، وصولاً إلى سوق العمل والاندماج في المجتمع.

تقول لـ “الكومبس”: “الدولة تضطلع بالمسؤولية الكاملة في حماية ورعاية مواطنيها، وعندما تحمل المرأة بطفلها أو طفلتها مثلاً، تخضع منذ الأشهر الأولى إلى إشراف كامل من قبل القطاع الصحي ومراقبة طبية ورعاية دائمة إلى ما بعد الولادة، ويسجل هذ المولود رسمياً في سجلات الدولة ويدخل في نظام اسمه (نظام الإنسان)، ويستمر فيه طوال مراحل حياته.

هذا ما لا يفهمه البعض من الأبوين، مما يدفعهم لعدم تقبل هذا الأسلوب التربوي الجديد ثلاثي التسمية الدولة والأسرة والمجتمع”.

تعمل (أستيرا) مع الأسرة المهاجرة كاملة (أبوين ومراهقين وأطفال)، ومن خلال عملها مع هذه الأسرة تتكون لديها صورة وافية عن البرامج الثقافية والتعليمة التي تحتاجها الأسر المهاجرة.

تضيف: “بعض النساء يحتجن إلى محاضرات في تربية الأطفال، فتناط هذه المهمة إلى متطوعات متخصصات في هذا المجال في المركز الثقافي الذي أعمل معه. فنقوم بتوعية هؤلاء النساء بدور الحضانة والروضة والمربي والمربية، وكيفية تعاملهم مع أولادنا في الرحلات المدرسية والسفرات الخارجية، وننصح النساء بعدم التدخل في اختيارات الأبناء للتخصص الدراسي الذي يرغبون فيه، والكثير من التوجيهات والإرشادات في التعامل اليومي داخل الأسرة. إضافة إلى مرافقتهم لزيارة بعض المؤسسات المختصة، وزيارات ميدانية لبعض المختصين لمركزنا. كما نعتمد مبدأ التحفيز في عملنا، وبهذا نضرب عصفورين بحجر واحد ونحقق هدفين معاً، أولاً: خروج المرأة من دوامة الخدمة المنزلية واعتمادها على نفسها في التعامل مع المؤسسات التربوية، وثانياً: تقوية شخصية المرأة داخل الأسرة وتمكنها من إعطاء المعلومات الحقيقية والصحيحة للجيل الجديد”.

التعليم والتأهيل والتحفيز

 تحاول (أستيرا) دائماً تشجيع النساء المهاجرات على الخروج من البيت، وتحفيزهن للبحث عن فرص العمل، فبالإضافة إلى انتظامهن في دورات تعلم اللغة والدورات التأهيلية والمهنية، فإنها تساعدهن في اكتشاف الطاقات والمواهب الكامنة لديهن، من منطلق: (تحقيق الحلم يأتي من خلال البحث عن الذات). “اصطحبت بعض النساء إلى الشارع وأعطيت لكل واحدة منهن كاميرا فيديو، وقلت لهن أطلقوا العنان لخيالكن وسجلوا بالصوت والصورة ما يخطر ببالكن، وصوروا كل ما يعجبكن من حدائق ومبان ومناظر طبيعية، وصوروا أنفسكن أيضاً وأي شيء ترونه جميلاً. بعد ذلك ومن خلال المركز الثقافي وبالتعاون مع المخرج السينمائي الفنان (جمال أمين)، فتحنا دورة للتصوير الفوتوغرافي للنساء الموهوبات، اللاتي شاركن لاحقاً في معرض مع فنانين دانماركيين معروفين. كما شاركنا مع مخرج بريطاني وأثنين من الفنانين في مدينتنا ومجموعة كبيرة من النساء المهاجرات من مختلف البلدان والثقافات، قبل عدة سنوات في فيلم تسجيلي حول (التقييم المسبق)، فتجمعنا في احدى المقاهي وسط المدينة وارتدينا الحجاب والنقاب، ورصدنا ردة فعل المارة من الناس وتقيمهم المسبق على منظرنا الاستفزازي”. وقد نجحت (أستيرا) من خلال (جمعية النساء متعددات الثقافات)، التي أسستها وتعمل بها منذ أكثر من (22) عاماً، بمساعدة العديد من النساء بعد تخرجهن من الدورات التدريبة والمهنية، بالحصول على فرص عمل تليق بهن، وكذلك بإكمال البعض منهن دراستهن الثانوية والجامعية، ومن ثم توظيفهن في مجال اختصاصهن.

العنف الأسري والاجتماعي

 هناك الكثير من المشاكل الاجتماعية التي تواجه العوائل المهاجرة في المجتمعات الجديدة، وتتميز الدول الاسكندنافية ودولة الدانمارك على وجه الخصوص بوجود الجمعيات المتخصصة، التي لديها تقاليدها الخاصة بها، ولديها القدرة على تغيير استراتيجية وخطط وبرامج التعليم في المدارس، التي تعمل مع المهاجرين وقد تراكمت لديها الخبرة في معالجة تلك المشاكل، منها: (العنف الأسري ضد النساء والأطفال، نفور الأبناء المراهقين من أهلهم وتركهم منزل العائلة، وتعرض بعض الفتيات إلى عمليات اغتصاب غالباً ما ينتج عنها حالات من الحمل).

ولدى (أستيرا) علاقات وطيدة مع هذه الجمعيات وتعمل معها بنشاطها المعهود، “نقوم بإعادة التأهيل النفسي للنساء اللاتي يتعرضن إلى العنف الجسدي ونوفر لهن الحماية الممكنة، كما نساعد بعض العوائل بإعادة أطفالهم الذين تأخذهم البلدية من ذويهم لأسباب عديدة بمساعدة محامية متطوعة لدينا، ويجب الإشارة هنا إلى أن بعض مؤسسات الدولة في الدانمارك تعقد الأمور أكثر مما يجب، لقلة معرفتها بثقافات هذه الأسر المهاجرة والمستويات التعليمية للأهل، كم هو مؤلم وأنت ترى الوالدين في حالة تقزم، كما يقول (كافكا) في قصته المعروفة، (الإنسان يتحول إلى صرصور)، وكم هو مؤلم وأنت تراهم يعيشون في عزلة نفسية رهيبة، بالرغم من أنهم يتحملون المسؤولية كاملة فيما حصل لهم ولأبنائهم”.

لا يخفى على أحد أن البيت والمدرسة والشارع يساهمون في تربية الأبناء في بلداننا، وفي بلدان الاغتراب يجب أن تكون الأسرة وتحديداً الأبوين هما المدرسة الأولى لأبنائهم، وأهم الدروس التي يجب أن يتلقاها الأطفال في مدرسة الأسرة هي: (الأخلاق، تقبل الآخر، احترام الرأي المختلف، حرية الاختيار، واحترام القوانين السائدة في البلد الجديد)، ويبقى التوازن بين حضارتين وثقافين ليس بالأمر اليسير.

 

محمد المنصور

التعليقات

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.