تأثير إسرائيل وأدواتها على الإعلام السويدي

الكومبس – مقالات الرأي: من الشائع عند العرب بأن الإعلام المؤثر في بلاد الغرب، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وحتى أستراليا ونيوزيلاندا، يتمحور في أيادي اليهود رغم قلة عددهم نسبة لمجموع سكان تلك البلاد.  وهناك جزء منهم مؤيدين للمشروع الصهيوني في احتلال فلسطين وأراض عربية والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بشكل أو بآخر.

وبما أن الجاليات اليهودية هي التربة الخصبة والرئيسة التي استفادت منها الحركة الصهيونية عند نشوئها، وبما أن هذه السطور ستتحدث عن السويد، وهي واحدة من الدول التي تعتبر جزءا من المنظومة الغربية وينطبق عليها القول أعلاه، فلا بد من العودة لمعرفة موجات قدوم اليهود لهذه البلد.

بدأ اليهود بالهجرة إلى السويد، حسب ما ورد في الكتب السويدية، منذ نهايات القرن الثامن عشر، كأفراد، بعد أن سمح المجلس الإستشاري الملكي السويدي، في عهد الملك جوستاف الثالث، عام 1772، بدخول اليهود آملاً بتحسين الإقتصاد وتقوية الصادرات السويدية إلى الأسواق الأوربية حيث كان لليهود باع طويل في هذا المجال. دخل على إثرها آرون إسحق 24 حزيران/يونيه من عام 1774 كأول يهودي إلى العاصمة استوكهولم. وتزايدت أعداد اليهود تباعا من 150 فردا عام 1787 إلى حوالي 20 ألفا في يومنا هذا.

تم تصنيف موجات قدوم اليهود إلى السويد إلى خمس. الأولى بين عام 1860 و 1917 وكان معظمهم من أوربا الشرقية وروسيا القيصرية، والثانية مابين عام 1932 و 1940 وجاؤا من ألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا هربا من النازية، والثالثة التي أشرف عليها الأمير فولكه برنادوت بعملية منظمة سميت “بالباصات البيضاء” عند انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، والرابعة مابين عام 1968 و 1970 وغلب عليها يهود بولندا هربا من الإضرابات التي عمت بولندا، والخامسة بدأت مع نهايات عهد السوفييت عام 1989 الذين اتجهوا باغلبيتهم إلى فلسطين بمساعدة كنيسة “كلمة الحياة” الأكثر صهيونية.

ما قبل سبعينات القرن الماضي

بنشاط واجتهاد الجالية اليهود، حيث كان لكبير الحاخامات في السويد ماركوس إيهرينبرايس، اليد اليمنى لزعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمن، من جهة أولى، ووجود حكومات إشتراكية ديمقراطية آمنت بأن المشروع الصهيوني في فلسطين هو تطبيق مثالي للإشتراكية من جهة أخرى، وتأييد مطلق من الأحزاب البرجوازية والشيوعية في آن واحد، وكذلك الكنيسة الرسمية في جهة ثالثة، وغياب التأثير العربي من جهة رابعة، فقد سيطرت عائلات يهودية مثل فالينباري وبونير وغيرها على كثير من المؤسسات الإعلامية كالصحف ودور النشر ومؤسسات صناعة الأفلام، وكذلك المؤسسات الكبرى المالية كالبنوك، والصناعية كصناعة السيارات بأنواعها والأسلحة وغيرها .

فأكبر الصحف في السويد النهارية منها مثل “سفنسكا داج بلاديت ” صحيفة النهار السويدية، وجريدة “داجنز نيهيتّر” أخبار اليوم والمسائية مثل “إكسبرسّن” إضافة إلى العديد من الصحف المحلية في المحافظات تم أمتلاكها من قبل عائلة فالنباري. وهذه وغيرها لعبت دورا كبيرا منذ نشوء الكيان الصهيوني في خلق رأي عام مؤيد للفكرة الصهيونية، ومبررة لمعظم أعمال إسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة في لبنان وسوريا والأردن ومصر وغير المجاورة مثل تونس.

هذا وقد عينت هذه الصحف لها مراسلين يهود صهاينة في فلسطين المحتلة. فصحيفة النهار السويدية “سفنسكا داج بلاديت” ومراسلتها الصهيونية كورديليا أرفيدسون – التي غيرت بعض توجهاتها بسبب ماشاهدته شخصيا من أفعال إسرائيل أثناء الإنتفاضة الفلسطينية عام 1987 – وصحيفة أخبار اليوم “داجنز نيهيتر” ومراسلها الصهيوني ناتان شخَر. وجريدة “أكسبرسّن” ورئيس تحرير شؤونها الخارجية الصهيوني أرنيست كلاين. والمحلية مثل جريدة أوبسالا الجديدة ” أوبسالا نيّا تيدنينج ورئيس تحريرها هوكان هولمباري، الأكثر صهيونية من اليهود أنفسهم، إضافة للصحف التابعة للتنظيمات الدينية مثل جريدة النهار “داجن” التابعة لكنيسة العنصرة “بنكست” أو للتنظيمات والأحزاب السياسية، وكذلك الصحف والمجلات التي تصدر تحت إسم التنظيمات أو الجالية اليهودية مثل كرونيكا اليهودية “جويش كرونيكا” و” مينورا”. ويدعم تلك التوجهات العديد من الكتاب الصهاينة ومؤيديهم أمثال السياسي والكاتب بير ألمارك.

أما دور النشر فقد كانت حتى بداية السبعينات من القرن الماضي مغلقة تماما أمام الأقلام المؤيدة للحق الفلسطيني .

وأفضل مثال يمكن ذكره هو بأن كتاب ” إنجلترا وفلسطين” لمؤلفه يرت فينش، الذي صدر في عام 1940 ويتحدث عن ثورة 1936 في فلسطين، قد تم سحبه من السوق السويدية بقرار من البرلمان السويدي. لتعريته ماقامت به بريطانيا والحركة الصهيونية في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه. واعتبر سحب هذا الكتاب من السوق ومنعه سابقة سويدية لم تتكرر حتى يومنا هذا.

وفي محاولة فردية لإصدار أول كتاب عن فلسطين باللغة السويدية تحت عنوان “لمن الحق بفلسطين” لمؤلفه الدكتور مفيد عبد الهادي في أول ستينات القرن الماضي تعرض عبد الهادي لصعوبات واعتراضات جمه من قبل دور النشر التي لم تتجرأ على نشر فكر جديد على الرأي العام السويدي.

وبذلك كان كل من أراد، خطيا من خلال الكتب أو المقالات أو حتى شفويا، تغيير الدفة الإعلامية عن مسارها المؤيد للهدف الصهيوني، وأن يسبح عكس التيار، يتلقى الصدمات القاسية من قبل اللوبي الصهيوني على الساحة السويدية. وأقل ماكان يقال، ويقال فيه حتى يومنا هذا، بأنه كارها لليهود “لاسامي” مستخدمين عقدة الذنب الأوربية التي تشكلت بعد ماسمي بالهولوكوست اليهودي على أيدي النازية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية.

هذا وقد تشكلت، بعد تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، التنظيمات اليهودية التي زاد عددها عن 60، منها حوالي 20 صهيونية الهوى، إضافة إلى التنظيمات السويدية، والسويدية – اليهودية، المؤيدة للفكرة الصهيونية، لتكوّن بمجموعها أدوات ضغط “لوبي” إسرائيلية لتدافع عن كامل أفعال إسرائيل وسياساتها.

ومن المفيد ذكره هنا بأن السفارة الإسرائيلية نشطة على مستوى العلاقات الفردية للإستفادة منها، و في نفس الوقت لهاعيون ساهرة لكل مايصدر من تصريحات سياسية، أو مقالات، أو كتب، بخصوص النزاع  الفلسطيني أو العربي الإسرائيلي لترد الصاع صاعين، إذا كانت تلك التصريحات لاتصب في خانة محبة إسرائيل أو الدفاع أو التغاضي عما تقوم به ضد الشعب الفلسطيني، كما تقوم السفارة بتوزيع المواد الإعلامية على المؤسسات التعليمية.

وفي المقابل غاب الإعلام العربي كليّاً عن الساحة السويدية وخاصة قبل سبعينات القرن الماضي. واستمر الوضع على هذا الحال إلى أن قامت إسرائيل باحتلال أراض عربية وأصبحت توصف بسلطة إحتلال، وبدأت بعض الأقلام، السويدية طبعا، والمصورين بمحاولات عسيرة في تغيير الرأي العام، وكان على المرء ولازال أن يسبح ضد التيار. ولابد هنا من ذكر بعض المحاولات للتوضيح.

منذ السبعينات

بعد أن احتلت إسرائيل الكثير من الأراضي العربية وضمها الجولان والقدس وبنائها المستعمرات واستقدام مستوطنين يهود من دول العالم وتسليحهم لقتل وتشريد الشعب الفلسطيني فتحت الكثير من عيون العالم على حقيقة إسرائيل ولم يكن لإسرائيل وأداوتها في السويد أن تقف أمام هذا التيار الجديد. ففي إستطلاع الرأي في الذي أجري في عام 2004 تبين بأن 80 بالمائة من السويديين ينتقدون ماتقوم به إسرائيل من إجراءات في المناطق المحتلة.

وبدأت بعض دور النشر بفتح المجال أمام طباعة ونشر الكتب الموضوعية في مضامينها. كما بدأت الصحف تفسح المجال للمقالات الناقدة لإسرائيل، وواكبت ذلك التوجه الشاشة الصغير في عرض الأفلام الوثائقية لما يجري على أرض فلسطين داخل وخارج الخط الأخضر. لكن ردة فعل محبي إسرائيل على الساحة السويدية أصبحوا أكثر شراسة في حربهم لكل من تسول له نفسه ان يفضح إسرائيل وسلوكها العنصري والإقصائي تجاه سكان فلسطين الأصليين.

ومثال على ذلك أصدر أحد كتاب “الحزب الشيوعي اللينيني الماركسي – الثوريين” ستيفان بيكمان عدة كتب، في بداية السبعينات، يفضح فيها المشروع الصهيوني كمشروع إستعمار إستيطاني إمبريالي على حساب الشعب الفلسطيني وتبعه كتب صدرت عن الكنيسة التبشيرية.

نضجت الأجواء تدريجيا أمام الكتاب وصناع الأفلام وكان أحد اهم و أقوى الكتب هو الذي صدر في عام 2012  لواحد من كبار الكتاب السويديين في السياسة السيد إنجمار كارلسون  تحت عنوان ” العروس جميلة لكنها متزوجة” يفضح فيها نوايا وخطط الحركة الصهيونية من ألفها وحتى يائها بما فيها التعاون النازي مع الصهاينة. وكان من الطبيعي أن تتهجم أدوات اللوبي الصهيوني في السويد على الكتاب و مولفه .

لم تستطيع الصحف الكبرى حجب الأصوات الجديدة الفاعلة أدبيا وسياسيا وفنيا وحتى دينيا وأكاديميا في المجتمع السويدي، وخاصة اليهودية منها التي كان لها أثر أبلغ من غيرها في التأثير على الرأي العام، التي وجدت لها مكان على صفحاتها لترد على المقالات الصهيونية .

كما وفتح التلفزيون الرسمي شاشته للأفلام الوثائقية كان بدايتها فيلم لبيهو هولمكفيست “القدس مدينة بلا حدود” بمناسبة أعياد الميلاد لعام 1979. الفيلم الذي أغضب الجمهور الصهيوني وتصدرت المقالات ضده على معظم الصحف الكبرى وتمت مهاجمته برفع دعوى قضائية ضده على أنه غير موضوعي ومنحاز لوجهة النظر الفلسطينية، ونجحت الدعوى بسبب الضغط الصهيوني الشديد. لكن الباب قد فتح فيما بعد للعديد من التقارير والأفلام الوثائقية من الأراضي المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية.

خاتمة

يمكن القول بأن إسرائيل وأدواتها إستفادت من التوظيف الجيد لمقدرات الجالية اليهودية وأصدقائها على الساحة السويدية لتعمل في مجال الإعلام على جبهتين الأولى الساحة السويدية، حيث  يتابعون مايتم كتابته وعرضه في المجتمع السويدي ومؤسساته الإعلامية والأكاديمية وحتى على مستوى المدارس بكل مستوياتها العلمية. وكانت آخر ردة فعل لأدوات إسرائيل وفي مقدمتهم سفيرها في ستوكهولم، في أيار/ مايو من عام 2015 حيث حاولوا بتهمة الإنحياز واللاسامية منع عرض فيلم تعليمي للمدارس تحت عنوان” حتى الموتى لهم أسماء” يحكي عن معاناة المشاركين في “أسطول الحرية” عام 2011 لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وذلك من خلال الحديث مع طبيب الأطفال اليهودي هنري أشّر، واليهودي الذي تخلى عن جنسيته الإسرائيلية السيد درور فيلر.

وعلى المستوى الصحافي تتابع السفارة بدقة توجهات كافة الصحافيين الذين يودون السفر إلى فلسطين المحتلة، وهي واحدة من المناطق الأكثر تغطية صحافية في العالم، قبل منحهم تراخيص العمل الصحافي هناك، وتتابعهم وتضيق عليهم فيما لو كانوا موضوعيين في تغطياتهم للأحداث. ويكتب الباحث اليهودي الإسرائيلي يوهانّس فالستروم # في مقالة له في صحيفة “فولكِت إي بيلد” الشعب في الصورة بتاريخ 28 تشريت الثاني/نوفمبر من عام 2005 :

تقوم السفارة في استوكهولم برقابة ماكتبه الصحافي سابقا، بينما يقوم جهاز المخابرات بفحص انتمائه السياسي، بعد ذلك يتم منحه بطاقة صحافة إسرائيلية…. وعند الحصول عليها يتوجب على الصحافي أن يوقع على موافقة يسمح من خلالها بعرض مادته الإعلامية لرقابة الدولة.

وبعد حصر ردود الأفعال، كالإتصال الهاتفي أو الرد عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل الخطية أو رفع الدعاوي القضائي أو رفع بلاغات للجنة الرقابة، يقول مراسل وكالة الأنباء السويدية “تِ تِ” ستيفان يرتين الذي جمع ملفا لكافة المقالات الحوارية ومقالات القراء التي كتبت ضده وضد وكالة الأنباء ت ت:

تبين بأن أسماء الذين كتبوا هم من مجموعة الضغط الصهيونية ولايزيد عددهم عن 22 معظمهم معروفون على الساحة الإعلامية السويدية بأنهم إسرائيليون أو أصدقاء لاسرائيل .

هذا وقد تعرضت مراسلة الإذاعية السويدية الجريئة سيسيليا أودّين للوقوف أمام مجلس إدارة الإذاعة السويدية محاولين طردها بتهمة أنها منحازة في تقاريرها. وتقول أودين:

ليتمكن المرء من وصف النزاع بأمانة يتوجب عليه أن ينحاز للطرف الأضعف – وتقصد أودين الفلسطينيين

وبالطبع يحرص الصحافي السويدي النزيه، حتى يومنا هذا، على إختيار الكلمات والتعابير والصور بحرص شديد حين يصف أعمال الإسرائيليين حتى لايقع في شباك الإتهام باللاسامية والملاحقات والتهديدات بالقتل كما حصل مع الصحافي دونالد بودستروم الذي افتضح سرقة أعضاء الجرحى والشهداء الفلسطينيين في مقالاته وكتبه. وتقول مراسلة داجنزنيهيتر لوتّا شولكفيست: الإتهام باللاسامية هي كسكين تمسك به إسرائيل رقبة أوربا.

والجبهة الثانية: في فلسطين المحتلة حيث يُمنع الصحافيين في كثير من الأحيان، أو تصادر كاميراتهم بحجة الأمن، من دخول مناطق يريدون رفع تقاريرهم منها. ويقول في هذا المجال الصحافي التلفزيوني بيتر لوفجرين:

أن تعمل في إسرائيل هو كمن يعمل في نصف ديمقراطية ونصف آخر في ديكتاتورية عسكرية…… لقد تعرضت شخصيا لإطلاق النار عدة مرات من قبل الجيش الإسرائيلي، وعندما يهاجمني المستوطنون يقف الجنود مكتوفي الأيدي.

بقلم الباحث الفلسطيني رشيد الحجة

المراجع:

—أطروحة ماجستير للباحث الصحافي يوهانيس فالستروم # ترعرع فالستروم في يافا وموسكو وستوكهولم. وبعد حصوله على درجة الماجستير بالإعلام في السويد عاد إلى فلسطين المحتلة وقام بالتعاون مع الفلسطينيين وبعض الإسرائيليين وقوى دولية بإنشاء وكالة أنباء هناك. وبصفته مواطن إسرائيلي تم منعه من متابعة عمله بتلك الوكالة في بيت لحم، عاد في عام 2005 ليقطن في السويد ويكتب بشكل منتظم في جريدة “أورد فرونت” جبهة الكلمة، المؤيدة للحق الفلسطيني.  

—كتاب “لمن الحق بفلسطين” تأليف مفيد عبد الهادي

—-كتاب “سلطة إسرائيل في السويد” تأليف أحمد رامي

—كتاب “العروس جميلة لكنها متزوجة” تأليف إنجمار كارلسون

—مجلة فلسطين الثورة، التي صدرت في قبرص العدد 897 بتاريخ  5 تموز/يوليو 1992

—عدة مقالات صحافية باللغة السويدية