“تُنسى كأنك لم تكن”

Views : 610

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: يذكرني قول الشاعر الأثير محمود درويش:

 “تُنسى كأنك لم تكن

 تُنسى كمصرع طائر

 ككنيسة مهجورة تنسى

كحب عابر وكوردة في الريح تُنسى

يذكرني هذا القول بوضع الشعب العراقي الحالي.

تخرج الأمور عن المعقول عندما يُستهان بها، ويمكن لها أن تتحول الى ذكرى سوداء مُوجعة عندما يدير المجتمع الدولي الظهر لها. وهذا بالضبط ما يحصل في العراق وثورة شعبه العادلة.

إذا لم تسفر تظاهرات العراقيين الحرة الى مكاسب لهذا الشعب المبتلى بحكوماته، سيكون ذلك وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، الذي أرتضى لنفسه ان يكون متفرجاً على الحدث بدل أن يكون سانداً وداعماً للمطالب الشعبية الواضحة  والمُحقة.

 لا يتظاهر العراقيون من أجل بناء ناطحات سحاب، أو الذهاب في رحلات سفر مجانية الى القمر، بل يريدون وطناً يهتم بأمرهم ويرعى مصالحهم وليس عصابات تتاجر بأسمهم.

منذ ما يزيد عن الشهرين تتزين ساحة التحرير ومناطق واسعة من محافظات البلاد بعراقيين، يعكسون ما فشل الساسة منذ أن تولوا مناصب الحكم في البلاد في إظهاره.

 نجاح التظاهرات التي يشهدها العراق، ناجم عن وعي العراقيين بقضيتهم، إيمانهم بالتغيير وثورتهم من أجل التحرير، يريدون وطن تناسب قياساته الجميع، لا محاصصات طائفية ولا تقسيم لثروات البلاد وتوزيع الفتات على الشعب وكأنه أمر طارىء.

تسمح الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربية لأنفسها بالتدخل في أمور الدول عندما يعزز ذلك التدخل بشكل أو بأخر مصالحهم وأهدافهم في المنطقة، يُعبرون عن ذلك بطرق شتى ابتداء من بيانات الرأي وصولا الى التدخل العسكري، لا يُوقفها عائق، طالما يضمن لها ذلك تنمية مستدامة لاستراتيجاتها المستقبلية، لكن عندما يُترك ما يزيد عن المليون شخص منازلهم، يملاءون جادات البلاد ويبيتون في ساحاتها، مطالببين بوطن حر يحتمون تحت مظلته، يصمت المجتمع الدولي بكل وقاحة وتخاذل وكأن العراقيين من كوكب آخر غير الأرض، كأن لا حق لهم في الحياة.

يريد المتظاهرون وطناً، تسعى مظلته العراقيين جميعاً، لا يريدون منة من احد أو سياسي يتصنع السكينة وهو يخاطب شعبه واعداً الشباب بفرص عمل، أجيال من الشباب العراقيين أنهوا دراساتهم واستوظفوا الشارع بحثاً عن عمل، وبكل وقاحة تُقابل طلباتهم بوعود لا يمتد مفعولها لأكثر من قرص أسبرين منتهية صلاحيته.

تنشغل صحافة الدول الغربية بين الحين والآخر، بقضايا تستحوذ على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، على سبيل المثال قضية جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس الذي أسقطت بحقه أخيرا تهمتي الإغتصاب ضد امرأتين سويدتين، قضية مثل هذه لم تشغل الإعلام السويدي فقط، بل إعلام دولة أوروبية عدة والولايات المتحدة وغيرها، حق تلك المرأتين أصبح قضية العالم الحر حينها، فيما يضيع حق ملايين العراقيين دون أن ينبس أحد بكلمة، ثم يسألون ما أصل كل هذا العنف في الشرق الأوسط.

لم يتحد العراقيون ولم يظهروا يقظة تُخجل العالم كحالهم الآن. بل لم يكونوا بهذا التنظيم والحيادية مثل ما هم الآن، مواطنون من كل الأطياف والأعمار والأجناس، اختاروا ان يتوسدوا الطرقات والأرصفة، لا شيء ليخسروه، لم يُترك لهم شيء يخسروه، أضاعوا وطناً أأتمنوا فيهم أحلامهم، ويريدون الآن إستعادته، فقدوا أحباء لا يمكن استرجاعهم، ما الذي سيخسرونه أكثر من ذلك، بل بالعكس، هناك في ساحة التحرير وساحات البلاد يستمد الشباب قوتهم من بعضهم البعض، يعانون من نفس الجراح ويحلمون بذات الحلم، العيش في وطن يحترم قادته الشعب ولا يبخسون حقه كما يفعلون الآن، فهل في ذلك ما يُخجل العالم من وقفة العراقيين.

لينا سياوش

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.