جعفر طاعون: “ما لم تستطع تحقيقه السياسة حققته الأحذية”

Views : 250

التصنيف

الكومبس – ثقافة: ربما البيئة والظرف الاجتماعي قاداه إلى هذا النوع من الفن، أو دفعته الحاجة الشخصية لاكتشاف نفسه منذ طفولته، لأنه كان طفلاً خجولاً منزوياً وما زال خجولاً ويفضل الابتعاد عن الأضواء، وقد يكون اقترابه من مجموعة من الفنانين التشكيليين الرواد في البصرة، هو ما ولد عنده هذا التوجه بأن يكون رساماً، ففي المرحلة الابتدائية كان يفضل درس الرسم ويهرب من الدروس الأخرى، فالرسم يمثل له الشيء الكثير لأنه متعة للروح وراحة للنفس واسترخاء للدماغ، وبالرغم من الخجل الملازم له كان طفلاً مشاكساً ولكنه يحب الرسم، وكان مدرس الرسم يرفض استقبال التلاميذ المشاكسين في مرسمه، وقد زاده هذا إصراراً على أن يمارس هوايته في الرسم، فكان يرسم وينقل الصور من لوحات إلى كارتات صغيرة ويقدمها هدايا للأصدقاء، إنه الفنان التشكيلي الحائز على جائزة أفضل سينوغراف مسرحي عام (1996) في السويد، والذي تنتصب جداريته وسط مدينة مالمو الفنان جعفر طاعون.

 

من المخبز الصغير إلى فضاءات الفن الطباعي

كان والده سياسياً يسارياً ويملك مخبزاً صغيراً، وكان المخبز عبارة عن مقر للقاءات الرفاق، فتعلم فيه حب الناس والبساطة ومساعدة الآخرين، ودخل إلى عمق المجتمع في التعامل مع الرجال والنساء والأطفال، وتوصل إلى الكتاب والجريدة والثقافة عموماً، فأصبح الرسم عنده لغة راقية للتعبير عما يحدث بداخله وهو في العاشرة من عمره، وكان يتردد على الخطاطين في البصرة القديمة، ويساعدهم أحياناً في بعض الأعمال الصغيرة، وله مشاركات في النشاط المدرسي، وفي معرض للبوستر أثناء الدراسة المتوسطة، “حصلت فيها على الجائزة الثانية على عموم العراق ومبلغ من المال وساعة يد فاخرة وهدايا أخرى، وقد طلبت الشاعرة (لميعة عباس عمارة) لوحتي الفائزة، لتكون صورة الغلاف لديوانها الشعري، هذا ما جعل مني رساماً محترفاً ومعروفاً بين الأوساط الثقافية العراقية”، ثم أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام (1988)، وتخصص في (الغرافيك) الفن الطباعي الذي يعتمد على العمل اليدوي.

حلم لم يتحقق ورحلة عبر الصحراء

من الحلم بتغيير العالم من خلال الفن إلى الخدمة العسكرية إلى حرب الكويت، ثم انتفاضة آذار عام (1991) والحصار على العراق، ثم قرار عبور الصحراء باتجاه (رفحاء) السعودية، ولم يصطحب معه سوى نسخ ورقية من أعمال (الغرافيك)، وفي أحدى المحطات أودع النسخ لدى صديق له، وحين التقاه ثانية أخبره بأنه تدفأ عليها في ليلة باردة، من الصفر بدأ العمل في خيمة وسط الصحراء، “كانت تجربة غريبة وحياة قاسية ووضع بائس وإلغاء وتهميش، وسط حصار صعب في مكان أكثر تعاسة، ورهان خاسر وصراع مع النفس، كيف تقدم شيئاً يقترب من معاناتك؟ فيتحول عندك الفن من موضوع جمالي إلى موضوع بحثي، يبحث في داخلك عن توازن شخصي، كيف ترمم هذا الخراب في داخلك وفي المحيط الخارجي؟ فبدأت أشتغل على الألوان المائية التي تميل إلى الدفء والألفة وتعطي شيئاً من الفرح والأمل، صور غرائبية تحول فيها الموت إلى احتفالية والحزن إلى موسيقى، في أكثر من خمسين عمل وفي معارض عديدة وسط الصحراء”.

 

حداثة وسط الرمال وقصائد مهربة

الثقافة هي النافذة الوحيدة التي يطل منها العراقيون على العالم الخارجي، فأرسلوا ملففاً إلى مجلة الثقافة الجديدة: (شعراء رفحاء)، رسم طاعون كل تخطيطاته، أسماه الشاعر سعدي يوسف (قصائد من الورد مهربة)، كتب عنه الشاعر أودنيس، وأخرج الفنان هادي ماهود فيلماً وثائقياً عن الفنان جعفر طاعون، “بعد سنتين من المعاناة بدأت الوفود من مختلف دول العالم تزورنا، ومن حسن الصدف زار خيمتي وفداً سويدياً، وقد تفاجأ الوفد بشغلي وأعجب أحدهم بلوحة صغيرة وأراد شراءها، فقدمتها له هدية لكنه رفض وأصر على دفع ثمنها، فعرضت عليه دولاراً واحداً يكتب عليه أسمه وتوقيعه للذكرى، فوافق على العرض وأخذ اللوحة وما زلت أحتفظ بالدولار، وبعد ثلاثة أشهر حصلت على الموافقة بالسفر والإقامة في السويد”.

انتهاء الرحلة في مدينة مالمو السويدية

كل إنسان يأتي إلى منطقة وحياة ولغة أخرى يصاب بالذهول، خصوصاً إذا لم يأت إلى هذه العوالم سائحاً، بل ليقيم ويستقر ويؤسس حياة جديدة، حتى يدخل في مرحلة إعادة التوازن، “لقد عشت حالة من الدوار عندما جئت إلى السويد عام (1993)، لأني وصلتها إنساناً حزيناً مخرباً، لكن الحظ وقف معي في هذه المدينة، فتعرفت على فتاة سويدية تجيد اللغة العربية، ساعدتني كثيراً جداً وكانت لي منفذاً جميلاً، فقد وضعتني على بداية الطريق وعلمتني كيف ولماذا ومع من أبدأ، عرفتني على الشاعر والفنان التشكيلي السويدي (تابيس)، أحد أهم الفنانين ما بعد الحداثة في العالم، وساعدتني في المشاركة بورشة عمل عام (1994)، بمعرض لأعمال الفنان الأمريكي (كيثارنك)، رسمت خلالها عشرة أعمال على قماش يستخدم في صناعة الخيام، وما زال أحدها معلق منذ عام (2000) وسط مدينة مالمو، وطلبوا مني (مودارن موسيت) في مالمو العام الماضي، والمتحف البريطاني (تيت كاليري) وهو أهم متحف في العالم، أن أعيد تجربتي القديمة.

بلد ومجتمع جديد ولغة وعوالم جديدة

إن ما أنجزه جعفر طاعون من أعمال موجود في ذاكرة الناس فقط، بالرغم من أرشفة وتوثيق كل أعماله، وهذا ما دفعه أن يخطط لأعماله القادمة بأن تكون دائمة وثابتة، “أنا أعتقد أن المبدع في كل مجالات الثقافة والفنون هو شاهد على زمانه، وإن ما يميز الفن الآني أو الفن اليوم الذي تجاوز مرحلة ما بعد الحداثة، طرح التساؤلات من خلال الأعمال الفنية المنجزة، حول الهجرة والجمال والموت، أو أي موضوع حياتي مهم لنا ولأطفالنا”، وقد جسد الفنان جعفر طاعون هذه الفكرة في معرض من الأحذية القديمة، فوزع ألف حذاء على ألف طفل جلهم من أسر مهاجرة في ورشة عمل، تركهم يلوننها بخيالهم وأحلامهم وأفكارهم وإبداعاتهم، فشكل من هذه الأحذية عوالم متنوعة، وقدم هذا المعرض في مدينة سويدية أخرى، وقد وفرت بلدية مالمو حافلات لنقل الأطفال الألف إلى تلك المدينة، فالتقى هؤلاء الأطفال بأقرانهم الأطفال السويديين وتعارفوا وكونوا صداقات جديدة، وكان هذا اللقاء أبلغ رسالة وخير مثال على الاندماج، وقد كتبت الصحافة السويدية وقتها عن معرض الأحذية للفنان التشكيلي جعفر طاعون: “ما لم تستطع تحقيقه السياسة حققته الأحذية”.

 

محمد المنصور

التعليقات

اترك تعليقاً