دروس من الانتخابات السويدية

كاتب المقال ساهر عريبي ( الكومبس).
Views : 4465

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: انطلقت قبل أيام العملية الانتخابية في السويد عبر التصويت البريدي أو في مراكز الاقتراع للسويديين المقيمين في الخارج، حيث تستمر عملية الاقتراع الى يوم 9 سبتمبر المقبل موعد إجراء الانتخابات داخل البلاد التي سيتمخض عنها برلمان جديد يتألف من 349 نائبا.

وتخوض عدد من الأحزاب السباق الانتخابي ويشترط لدخولها البرلمان الحصول على4% من مجموع أصوات الناخبين، وهي تتوزع بين تكتلين أحدها اشتراكي يساري وآخر رأسمالي محافظ فيما برز حزب جديد في الانتخابات السابقة عام 2014 وهو حزب السويديين الديمقراطيين ذي الميول العنصرية.

لقد شاركت شخصيا في الانتخابات في مقر السفارة السويدية بلندن قبل أيام، وجرت عملية الاقتراع بسلاسة حيث استقبلتني إحدى الموظفات بالترحاب، ثم شرحت لي كيفية الانتخاب، وبعدها وقفت في الدور، ثم أبرزت للموظفة المسؤولة الهوية الوطنية وتم شطب اسمي من السجل الانتخابي عبر جهاز الكومبيوتر ثم وضعت قائمة الحزب الذي صوت له في ظرف وضعته في صندوق الاقتراع ولم تستغرق العملية سوى بضع دقائق.

وكان اللافت ان ثلاثة انتخابات تجرى في آن واحد وهي انتخابات مجلس النواب ومجالس المقاطعات التي يبلغ تعدادها20 والمجالس البلدية ويبلغ تعدادها 290 , وتتولى مجالس المقاطعات الإشراف على القطاع الصحي والعمل على تطوير المقاطعات. ويضع الناخب قائمة الاقتراع لكل منها في واحد من الصناديق المخصصة, ولكل قائمة لون خاص فالأصفر للانتخابات البرلمانية والأزرق للمقاطعات والأبيض للمحلية, حيث توضع في ظرف فيه فتحه تظهر اللون كي لا تختلط الأمور على الناخب.

ومن الملاحظ ان قائمة الانتخاب تارة تكون ورقة بيضاء تحمل اسم وشعار الحزب حيث يمنح الصوت للحزب, وتارة يمكن ملأها بأسماء مرشّحي الحزب.

ويتم فرز الأصوات بعد إغلاق صناديق الاقتراع يوم التاسع من سبتمبر المقبل ليعلن عن النتائج بعد ساعات قليلة. وبمجرد الإعلان تتضح صورة التحالفات الانتخابية حيث تحسب مقاعد كل من الحزب الاشتراكي وحزب اليسار وأخيرا حزب البيئة. وأما الجناح المحافظ فيتشكل من حزب المحافظين وحزب الوسط وحزب المسيحيين الديمقراطيين وحزب الأحرار, وهناك حزب مرفوض من كلا الجناحين وهو حزب الديمقراطيين السويديين ذي الميول العنصرية.

وجرت العادة ألا يحصل أي حزب على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده وهي 175 مقعد, حيث يشكل إما الاشتراكيون أو المحافظون الحكومة. وقد يحصل أن كلا التكتلين لا يحصل على الأغلبية البرلمانية وكما حصل في الانتخابات التي جرت عام 2014 والتي فاز بها الحزب الاشتراكي بزعامة رئيس الوزراء الحالي ستيفان لوفين لكنه حصل على 113 مقعدا فقط فيما جاء حزب المحافظين من بعده ب 83 مقعد.

وقد بدأ بعد ظهور النتائج حينها حساب المقاعد التي حصل عليها كل تكتل حيث بلغ عدد مقاعد اليسار 159 فيما بلغت عدد مقاعد اليمين 140 مقعدا باستثناء حزب الديمقراطيين الذي حصل على 42 مقعد والمتبقي مقاعد قليله متفرقة. ومع هذه الأرقام فإن حزب الديمقراطيين يعتبر بيضة القبّان إذ ان انضمامه الى أي من التكتلين يعني فوزه بتشكيل الحكومة. ومن الطبيعي أن التكتل الاشتراكي لن يوافق على تشكيل الحكومة بدعم من هذا الحزب, لأن الخلاف بينهما أيديولوجي ولن يقبل هذا التكتل بتشكيل حكومة مع حزب ذي ميول عنصرية وعلى حساب مبادئه.

واما تكتل احزاب اليمين التي تمثل الجناح الرأسمالي في البلد فإنه يمكنها التحالف مع هذا الحزب وتشكيل الحكومة, لكن تلك الأحزاب أيضا في بلد متحضر من السويد ترفض التنازل من اجل كرسي الحكم عن المبادئ الإنسانية التي بنيت وفقالها دولة السويد الحديثة, ولذا فقد أعطى اليمين التكتل اليساري فرصة لتشكيل الحكومة بالرغم من انه لا يمتلك الأغلبية البرلمانية وهي 175 مقعد! لكن الأحزاب اليمينية لم تعرقل عمل الحكومة الاشتراكية طوال أربع سنوات بالرغم من قدرتها على اسقاطها عبر التعاون مع الديمقراطيين, لكن هذه الأحزاب تضع مصلحة البلاد فوق امتيازات السلطة.

وأما الأمر الآخر الأشد غرابة فهو ان الحزب الاشتراكي شكل حكومة مع حزب البيئة فقط فكان مجموع مقاعدهما 138مقعد فقط أي أقل من الأغلبية البرلمانية اللازمة ب 37 مقعد! وهي توصف بحكومة أقلية,  وأما حزب اليسار (الشيوعي سابقا) الذي فاز ب 25 مقعد فلم يطالب بأي حقيبة وزارية ولكنه دعم البرنامج الحكومي للاشتراكيين وبلا مقابل, سوى تنفيذ بعض المقترحات التي تهدف لتحسين أحوال الطبقة العاملة!

هذا الرقي الحضاري والروح الوطنية والشعور بالمسؤولية تجاه الشعب تتمتع بها احزاب لا تعرف الدين ولكنها أسست وفقا لقيم إنسانية تنسجم مع الفطرة البشرية السليمة, وتعكس كذلك السمو الأخلاقي وقيم الإيثار وهي تعكس بالمقابل مدى الانحطاط الأخلاقي للعديد من احزاب السلطة في العراق وخاصة الدينية منها التي تتقاتل على السلطة واضعة المبادئ الدينية والإنسانية تحت قدميها.

فلا ضير أن تتحالف تلك الأحزاب مع داعم للإرهاب أو خائن للوطن أو فاسد او فاشل او مقصّر أو عميل , لإن المهم هو الوصول الى كرسي الحكم ولأن الهدف ليس خدمة الناس , ولو أن لتلك الأحزاب أدنى شعور بالمسؤولية لعزفت عن تشكيل الحكومة نظرا للمهام الجسام الملقاة على عاتقها في ظل بلد يعيش ازمات لا اول لها ولا آخر.

ومما يثير الغثيان أيضا أن تلك الأحزاب وخاصة الإسلامية منها تدعي انها تطرح منظومة قيمية بديلة للمنظومة الغربية , منظومة قائمة على شراء الذمم ووضع المبادئ تحت الأقدام واستخدام مختلف الطرق المشروعة وغير المشروعة للوصول الى السلطة بهدف نهب خيرات البلاد وليس خدمة العباد, فهل سيأتي يوم يستبدل فيه السويديون منظومتهم القيمية الراقية بمنظومة هذه الأحزاب البائسة؟ لا شك إن ذلك يستحيل حصوله لإن القيم الإنسانية تسمو هناك يوم بعد آخر فيما تنحدر فيه تلك القيم نحو الحضيض في الشرق المريض!

 

ساهر عريبي

sailhms@yahoo.com

 

 

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس.

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.