رمضان يبحث عن طقوسه التي لا يمكن ترجمتها الى اللغة السويدية اطلاقا

Views : 631

التصنيف

الكومبس – مقالات: يحلو لي هذا المساء أن أنقّب عن رمضان في طفولتي التي جعلت من طقوس هذا الشهر الفضيل عالما خاصا، له نكهة مميزة في شهر كامل تتغير فيه رتابة المألوف في حياتنا الى حياة رمضانية لها طقوسها ، التي تجعل من رمضان ليس فقط مناسبة دينية لها معانيها الروحية السامية ، انما أيضا كرنفال اجتماعي يحتضن هذه المناسبة الدينية ، ويضفي عليها بهجة الدنيا حين تتأخى مع زهد الدين في طقس رمضاني يجمع بين جوع الصائم وشهوات مائدة الافطار في يوم واحد !
لا ادري بالضبط متى وعيت رمضان أول مرة في طفولتي ، وان كنت أحاول هذا المساء أن أتلمس رمضان الاول في حياتي بعد هذه السنوات الطويلة من رمضانات كثيرة في هذا العمر !
مثل كل اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات ، لم يكن لدينا “رمضاننا الفلسطيني ” نحتفل به في بلادنا بطقوسنا الفلسطينية ، كان رمضان يزورنا كغرباء في بلاد الاخرين ويمنحنا طقوسهم الرمضانية بسخاء ، وفي مخيم العائدين في حمص رأيت رمضان الأول في حياتي بنكهته السورية التي كانت أقرب الى ” باب حارة ” حقيقي قبل ان يصبح مسلسلا رمضانيا بالوان الديجتال في المحطات الفضائية العربية ، وكان جهاز الراديو هو الفضاء الوحيد الذي نرى به العالم “بأذنين “تصغيان الى فضيلة المفتي وهو يؤكد ثبوت رؤية هلال رمضان ، ولا أدري لماذا كانت مدينة حماة السورية هي أول من ترى هلال رمضان ، ويشهد ثلاثة من أهلها على ذلك امام المحكمة الشرعية ، ورغم بساطة الحياة في تلك الأيام الا ان قدوم رمضان كان يحمل الفرح لحياة جديدة ، نعيشها لمدة شهر كامل ، يصبح بها جوعنا متعة ، ونحن نعد الساعات لسماع صوت مدفع الافطار الذي كان ينطلق من فوق قلعة حمص ، ليمتزج مع آذان المساجد في حمص وصوت الآذان في الراديو من الجامع الاموي في دمشق ، ولا أنسى لحظات التعذيب التي كنا نمضيها ، ونحن نحدق في مائدة الافطار ، ونحن نستمع الى الشيخ عبد الباسط وهو يتلو قصار السور من القرآن الكريم بانتظار آذان المغرب ، ومع أول الله اكبر من آذان المغرب تكون العبارة الذهبية ” اللهم لك صمت وعلى رزقك افطرت ” !
ولا يبقى من رزق الله على مائدة الافطار من شوربة عدس وفتوش و كبة حمصية مشوية ،الا والتهمه جوعنا ، ونحن نستمع الى مسلسل اذاعي سوري اسمه :” صابر وصابرية ” يحكي قصة زوجين شاميين ، ونضحك على مقالب صابر وصابرية ، لم يكن وقتها التلفزيون قد دخل البيوت ، كان القليل من الاجهزة المحدودة في بعض المقاهي السورية تدفع مبلغا من المال لكي تتفرج على مقالب ” غوار ” دريد لحام و “حسني البورزان ” المرحوم نهاد قلعي في مسلسل صح النوم ، وبعض المقاهي كانت ماتزال متمسكة بالحكواتي الذي يروى قصص الزير سالم ، الى ان تغلب التلفزيون على الحكواتي وحوله الى عاطل عن العمل !
رمضان زمان كان بسيطا في حياتنا البسيطة المنزوعة التكنلوجيا ولكنه كان قادرا على منحنا الفرح الذي كلما كبرنا صار الفرح أصغر ! ونحن اليوم نعيش رمضان في المنافي الاوروبية حيث يزورنا رمضان في مجتمعات غريبة عنه وعن طقوسه ، نحاول ان نعيش رمضاننا الشخصي في بيوتنا الصغيرة الذي ينتهي ان فتحت الباب وخرجت الى الشارع الذي تجد به رمضان لاجئا مسكينا في بلاد الاخرين ، يبحث عن طقوسه التي لا يمكن ترجمتها الى اللغة السويدية اطلاقا !
بقلم الكاتب الصحفي خالد عيسى المقيم في مالمو منذ 26 سنة