سارة: 13 متر مربع في ستوكهولم تختصر الحكاية من البداية

نزار عسكر ( الكومبس )
Views : 9140

التصنيف

الكومبس – مقالات: سارة، هربت من الحرب في بلدها، وجدت نفسها تعيش في شقة مساحتها لا تزيد عن 13 متر مربع في ستوكهولم، “عليها ألا تكون فقط راضية فيها”، بل “تكون ممتنة” وتشكر البلد الذي حماها من الحرب، وقدّم لها هذه “النعمة”، فهي حقاً خدمة إنسانية راقية من بلد قدم الكثير للمهاجرين.

 والأكثر من ذلك، فإن سارة تُعد الآن “ملكة” في عيون أهلها وأصدقائها ومعارفها، لأنها فقط تعيش في ستوكهولم..!

لكن ماذا إذا كانت سارة بالفعل غير راضية؟ رغم أنها تشعر بالامتنان للسويد التي قدمت لها يد المساعدة؟ هل عليها أن تعود فورا الى حيث أتت؟

“إذا ما تعجبك السويد، عودي لبلدك”، هذه عبارة شهيرة يطلقها الكثير من الناس، فهل تنطبق على حالة سارة؟

لكن لماذا سارة غير راضية؟

تقول بصوت مخنوق والدمعة على وشك القفز من عيونها المتعبة: “مسؤولتي الاجتماعية، من أصول مهاجرة، تعاملني باحتقار، وتقول لي لا تنسين من أين أتيت؟ بقدر ما في جيبك ستتسع مساحة شقتك! عجباً لم أسمع يوماً هذا الكلام، من مسؤول سويدي”.

لا تقتصر معاناة سارة من مسؤولتها، على هذه التعابير فقط، فهي تتعمد مساعدة أبناء جلدتها والتمييز بينهم وبينها، بل حتى تتعمد إهانتها لأنها فقط تطالب بحق كفلته الدولة لها.

موظفون “عنصريون”

كلام سارة، مثال بسيط على معاناة مجموعة من المهاجرين الجدد، الذين يعانون من موظفين في مؤسسات الدولة تقدم الخدمات للاجئين، تتسم تصرفاتهم بالتعالي والتمييز وأحيانا أخرى بالعنصرية. ( الموظفون من أصول مهاجرة في الأصل).

معاناة سارة، تذكرني بما كتبته بي بي سي عن السكن في ستوكهولم، عندما دعت الذين يعتقدون أن الأمور ليست جيدة في المدينة التي يعيشون فيها التفكير في أزمة مدينة ستوكهولم، حيث أصبحت قائمة الانتظار لاستئجار سكن هناك طويلة جدا لدرجة جذبت اهتمام القائمين على موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية.

هناك سبب خفي لقبول العديد من المستأجرين في العاصمة السويدية ستوكهولم لأقل مستوى ممكن للتصميم الداخلي الضيق للمسكن، وهو أمر شائع في دول الشمال الأوروبي عموما. لكن في عاصمة تعاني من نقص حاد في السكن، لن تكون هناك مدعاة للهو بأن تنقل أمتعتك من شقة إلى أخرى بشكل مستمر.

هل “ستوكهولم أفضل الأماكن المفضلة على الكوكب بالنسبة الى المغتربين”؟

قد تكون ستوكهولم واحدة من أفضل الأماكن المفضلة على كوكبنا بالنسبة للمغتربين، لكن عندما تضمن الوظيفة التي تحلم بها هناك، يصبح إيجاد سكن للعيش فيه مصدراً لقائمة جديدة من المشاكل.

زاد عدد من يبحثون على سكن للإيجار في المدينة بشكل كبير، حتى أصبحت قائمة الانتظار طويلة جدا، إلى درجة دفعت “موسوعة غينيس” للأرقام القياسية إلى وضعها في الاعتبار كصاحبة أطول مدة زمنية يمكن أن ينتظرها الناس لاستئجار شقة.

فالزمن المستغرق، في المتوسط، للحصول على سكن بنظام الاستئجار هو تسع سنوات، وقد يقفز هذا المعدل إلى عقدين في بعض الأحياء المفضلة.

كما يصعب أيضاً، وبشكل لا يصدق، أن تعثر على غرفة نوم داخل شقة للسكن المشترك. فنسبة العقارات المصممة لأشخاص يعيشون بمفردهم في السويد هي تقريباً أعلى من أي بلد آخر من بلدان الاتحاد الأوروبي.

بالعودة الى معاناة سارة: هل كل ذلك، ووصول إنسان هارب من حرب مزقت بلده، الى عاصمة مثل ستوكهولم، يمحي كل الأثار النفسية للحرب وتطلق العنان له للانطلاق من جديد؟ وبسرعة يستعجلها البعض، على الرغم من فداحة ما خسره، وصعوبة ما يواجهه من لغة جديدة، ومجتمع جديد، وعادات وتقاليد وثقافة لا صلة لها بتاتا ما تربى عليه المهاجرون؟

قد يكون الجواب بالنسبة الى الكثيرين: نعم، وهو جواب منطقي بالطبع، لكن ألا يستحق من يشعر بأنه يتعرض لمواقف قد تكون عنصرية او تمييزية، الاستماع له على الأقل؟

نزار عسكر

سكرتير تحرير شبكة الكومبس

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.