سعدي يوسف : الشاعر يرى بقلبه وان بلغ الثمانين

Views : 1297

التصنيف

الكومبس – خاص: الطفولة والشعر توائم القصيدة وتوائم الشاعر. وحين بلغ الشاعر سعدي يوسف الثمانين من العمر في 11 من نيسان ( إبريل ) 2014، اكمل في نفس اليوم إعداد كتابه التسعين للطبع، وهو ترجمة لقصائد الشاعر الفيتنامي نغوين كوانغ ثيو صديقه. وبذلك العمل يخطو الشاعر نحو بداية جديدة.

الكومبس – خاص: الطفولة والشعر توائم القصيدة وتوائم الشاعر. وحين بلغ الشاعر سعدي يوسف الثمانين من العمر في 11 من نيسان ( إبريل ) 2014، اكمل في نفس اليوم إعداد كتابه التسعين للطبع، وهو ترجمة لقصائد الشاعر الفيتنامي نغوين كوانغ ثيو صديقه. وبذلك العمل يخطو الشاعر نحو بداية جديدة.

وسعدي يوسف ليس فقط شاعراً وباحثاً ومترجماً وكاتب أعمدة جميلة، بل هو سياسي اشكالي اثار العديد من نقاط الإختلاف مع حركات سياسية، واحزاب انتمى اليها او عاصرها، وكذلك مع احزاب دينية ومجموعات رأى فيها لحظة الخراب التاريخي.

وحين اعلن أرائه انقلبت عليه الدنيا، واعلن البعض من اقرب اصدقاءه الخلاف معه الى درجة قطيعته. لكن الشاعر بقي في مدينته وبيته الصغير في " هيرفيلد " يكتب قصائده ويستبصر ويرى .. وفي هذا اللقاء مع " الكومبس " يقول سعدي يوسف حقائق التجربة ويسرد الرؤى:

هاجرت باكرا في الستينات وطفت المدن من عمان الى طنجة وعدت واشتغلت وسجنت وجمّدت وواجهتك صعوبات كثيرة خلال عملك السياسي والثقافي ولكنك امسكت بطائر الشعر نقيا وبعيدا ..

الشاعر روح عصف دائم وانا وان امتزج لدي الشعر بعناصر الفكر وجدل الحياة غير اني كنت اجد في الشاعر فرصة لإبتكار تاريخ الحواس واكتشاف الإنسان.

في الثمانين تقف في مواجهة العواصف، الكل ينتظر ما تكتبه، ثم يحدث الانقسام ما بين مؤيد ومعارض، كل ما تكتبه لدى هؤلاء يصنف على أنه امر مثير، حتى لو كان خاطرة سريعة، حول أمر سياسي

لقد الفت هذا المشهد حين يهيج الصغار، فيتبارون في الشتيمة والإتهام بأشياء ليست في، مثلا " سعدي يوسف طائفي "! هكذا يقولون، لكن متى كان الأخضر بن يوسف طائفيا؟ ومتى كان الشيوعي الأخير طائفيا؟ علما بأني شيعي بالولادة وشيوعي بالإختيار. الم يقولوا عني انني قلت عشية حصولي على الجنسية البريطانية، في مؤتمر صحفي: ان العراق لم يعد وطني! وأقيمت ولائم النهش ضدي وانا لم اقل ذلك، لأن الوطن لا يُخلع حتى لو ضاق هو ذرعا بالمرء، أو ضاق به المرء ذرعا.

إذا حياتك متاهة من الرحلات والمحطات والمدن ..

أنا شاعرٌ مدينيّ، لا ريفيّ، أستطلعُ المدن وأهلها وأزقّتَها، حاناتها ومقاهيها، المدينة مادّتي، وأهمّ منجَزٍ حضاري للبشر أنهم شيّدوا مدُنا تمنح الشاعر فسحة للنظر والتأمل ومعرفة عناوين جديدة قد يفقدها ليعود ويمارس ضياعه الواعي.

هل ترك المنفى على قصيدتك لمسته في الإغتراب والتخفيف من البلاغات ومحمولات الكلمة

الاطلاع على منجز الأمم الأخرى الشعري، والتكلُّم بغير العربية، خفّفا من أثقال البلاغة ومن محمولات اللغة لكن الشعرية اصبحت اعمق واكثر دلالة وتنويرا في البناء والمعنى..

كيف تنظر الى تجربتك الشعرية بعد ان اصدرت تسعين كتابا بين الشعر والترجمة وكتابات اخرى؟

بعد نصف قرن من الكتابة والتجريب أجدني لا أزال في اللحظة الحرجة، وربما هذا الإحساس المستمر باللحظة الحرجة هو الذي منحني قدرة على الاستمرار في الكتابة، ولربما في محاولة تجديد النص الذي أكتبه. أحيانا تتخذ عملية النص الذي أكتبه طابع مراجعة شاملة وقد تستغرق الانتقالة الجديدة عقدا من السنوات، أو أكثر أحيانا. لكن بعد انتهاء هذا العقد أجدني مرة أخرى أمام امتحان قاس أيضا، أحاول فيه محاولة أخرى وهكذا، انني اعتبر نفسي محظوظا لأنه أتيحت لي فرصة الحياة أكثر من بعض الشعراء مثل بدر شاكر السياب الذي توفي مبكرا، وهناك شعراء آخرون رحلوا مبكرين. هذه الحياة الطويلة أتاحت لي فرصة الاستمرار. ومع السنوات تبين لي أنني لا أملك نشاطا حيويا غير الشعر. نشاط أعتمد عليه وأحاول أن أطور فيه الشعر وحده. والآن حياتي الفعلية سواء في التعامل مع الكتابة أو في التعامل مع الطبيعة أو مع العالم بشكل ما، حتى في السياسة أتعامل بما تمليه علي استراتيجية الفن أكثر من النظر الى تكتيك السياسة بين حين وآخر وبين حدث وآخر.

كنت دائما قادرا على حفظ المسافة بين الشاعر والسياسي ولكنك منذ احتلال العراق اظهرت صورة اخرى للشاعر والسياسي والمواطن ..

الشاعر انسان والسياسة هي نشاط بشري مستقل بذاته، والشعر نشاط بشري آخر مستقل بذاته أيضا. هذه مسألة أولية. الأدوات مختلفة والنظرة إلي العالم مختلفة. النظرة إلس العالم مختلفة بمعني أن الفن أكثر استراتيجية . وبالرغم من اني اجد انني قاربت بين الشاعر والسياسي في ما كتبت من نصوص ومقالات مضادة لإحتلال بلدي ولأؤلك الذين نصبتهم قوى الإحتلال قادة على بلدي واحدثوا فيها هذا الدمار الهائل الا انني ماازال اظن انني وظفت السياسي بجدله ووظفت الشاعر بروح الفن فقط .

عنايتك بعنصر المكان في القصيدة هل هو تعويض عن وطن مفقود؟

الشاعر يسقط اشياءه على المدن والأماكن، بيروت وباريس وغرناطة وطنجة والجزائر ولندن هي مدن واوطان لكنها ليست كما اريد وكما اتذكر واحلم. والمكان موجود في الشعر العربي. وقد تم الاهتمام به في العصر الجاهلي الذي أعتبره أهم شعر عربي حتى الآن. القصيدة الجاهلية هي أفضل ما كتب العرب من شعر إذا نظرنا إلى الاحتكامات الفنية الأساسية. هي قصيدة وثيقة وموثقة. والمكان فيها واضح بشكل عجيب. ولذلك فإني لم آت بجديد في هذا. لكن ربما في وقتنا لضياع كثير من الأشياء اتخذ المكان شكلا مختلفا، وهذا هو الطريق الصعب، وقد تعلمته من امرئ القيس ولم آت به أنا لكني امثل زمني وتقنياتي ورؤياي ولغتي.

متنوع انت في الكتابة بين قصيدة التفعيلة والعمود وقصيدة النثر ولكن لديك اراء مختلفة في قصيدة النثر

لا انا كنت دائما مع قصيدة النثر أنا أعتبر أن قصيدة النثر باب ينبغي أن يكون جديا في الشعر العربي. لدي مجموعة شعرية كتبتها في أوائل الثمانينيات تحت عنوان، يوميات الجنوب، يوميات الجنون. وهي في معظمها قصائد نثر. إني لا أضع حدودا قاطعة بين الأنواع الشعرية على الإطلاق. ولذلك أكتب الأبيات العمودية وبحور الشعر من طويل وبسيط، وأكتب قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة. واستخدم في بعض الأحيان مقاطع من لغات أخرى. أنا متحمس لقصيدة النثر من حيث المبدأ، من حيث أنها تضيف عنوانا جديدا إلى الشعر العربي وتفتح بابا للاجتهاد والتجديد والتغيير. ولي مآخذ على ما تراكم منها حتى الآن. فهي لم تتوصل بعد إلى نظام موسيقي معين ولم تستطع أن تخرج من الدائرة المغلقة إلا نادرا، ولم تكتب ببيان عربي سليم في أدبها، وكثير ما يكتبها أناس يجهلون اللغة العربية إطلاقا. وهناك جانب التقليد فيها لما هو منحط في الشعر الفرنسي. تقليد فج يكون أحيانا عن جهالة. هذه كلها مآخذ جدية. وهذا لا يغير من موقفي من أن قصيدة النثر تفتح بابا جديدا في الشعر العربي. ومن المؤسف أن يحدث هذا لأني كنت أتصور أن قصيدة النثر عندما تأخذ مداها ستكون أداة جماهيرية، أداة للتعبير الحقيقي عما يجري في هذه الأرض المعذبة التي هي أرضنا، لكن معظم نماذجها أشعرتنا بالانكفاء وبالخذلان والتقوقع على ذات غير متكونة وتعاني من هشاشة.

كنت تتمنى التغيير في العراق غير ان احتلال العراق قد جعلك تكتب وتواجه وتنتقد وتتلقى ردود فعل مختلفة وربما قاسية ..

نعم انا انسان جدلي واؤمن بجدل التاريخ والدكتاتوريات عندي ان كانت افرادا او احزابا او ايديولوجيا هي الى زوال حتمي. ولذلك حين كتبت قبل غزو العراق بأقل من شهر مقالة، قلت إن العراق الحالي زائل أو في حكم الزوال. وتساءلت هل يهل عراق آخر وهل سيتاح لنا أن نعيش ذلك العراق الآخر. ولكن الآن بعد مضي اكثر من عشر سنوات على احتلال العراق لا أرى الا ظلالا للمحتل في كل مسؤول او سياسي هناك، وكنت كتبت مقالة ايضا عندما تم احتلال العراق تحمل عنوان "مائة عام من الاستعمار". وهذا ما أتوقعه سيحدث بسبب اؤلئك الذين باعوا وطنا وقتلوا شعبا حيث سيستمر الإحتلال قرنا من الاستعمار.

عندما دخلت بريطانيا العراق إبان الحرب العالمية الأولى، لم تخرج إلا بعد نصف قرن. وما يحدث الآن شيء شبيه بذلك. وطيلة نصف قرن على الأقل، سيعاني العراق وطأة الاحتلال والحماية والأشكال المختلفة من الحكومات العميلة. وستبدأ من جديد التظاهرات في الشوارع والمطالبة بإغلاق القواعد الأجنبية ..

برغم كتاباتك السياسية المثيرة للجدل الا انك بقيت وفيا للغتك الشعرية ولحلمك بقصيدة الحواس ترى هل يتحقق من خلال اللغة اليومية في قصديتك ام هناك مدخل آخر للأمر؟

في السياسة وفي الشعر تأخذ اللغة الوانها وفق لحظة الإنفعال. في السياسة هناك من يرد علي من منطلق ضيق فأتجاهل هذه الجهالة الكبرى . اما في الشعر فأن النزعة السردية، أو المسحة القصصية في نصوصي هي مبدأ أساس لدي. وهذا يكشف عن جزء من جهدي في أن يشاركني القارئ ما أكتب. وفي هذا أخذ بيد القارئ كي يتاح له تتبع النص، فأنا بشكل ما أساعده على المتابعة. اذ المهم في القصيدة في النهاية هو القارئ والمفروض أن يفتح المبدع أعين الناس على الجمال وعلى الحياة وعلى الحقائق الكبرى والمصيرية.

فاروق سلوم – الكومبس

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.