سياسة “النعامة” في مواجهة صعود حزب SD

د. محمود آغا تصوير حنا ورد

الكومبس – منبر: قبل عدة سنوات كان معظم من بدأ يصوت أو يتعاطف مع حزب “ديمقراطيو السويد” يفعلون ذلك دون تباهي أو حتى بشكل غير معلن، الآن لا يجد العديد ممن يناصر هذا الحزب أي حرج للمجاهرة بتأييده ودعمه.

 تقول نادين التي تعمل بشركة سويدية كبيرة، وهي أبنة أحد الأصدقاء، إنها تفاجأت حين سمعت من أحد زملاء عملها، أنه صوت لهذا الحزب الذي له مواقف عدائية من قضايا الهجرة واللجوء.

 نادين تفاجأت لأنها تعرف أن هذا الشاب لا يحمل أفكاراً عنصرية علنية على الأقل، ولأنه قال ذلك في جلسة مع أصدقاء العمل بعد حفلة لعيد ميلاد زميل آخر لهم. وتفاجأت أكثر لأن هذا الشاب يعرف نادين أنها من أصول سورية، وأن أهلها هاجروا إلى السويد منذ تسعينيات القرن الماضي للبحث عن فرصة حياة أفضل، وهو مع ذلك يحتفظ بعلاقات زمالة ممتازة مع نادين ومع غيرها ممن لهم أصول أجنبية في الشركة.
تقول نادين إنها حاولت أولا أن تفهم منه لماذا يقوم شاب سويدي مثله بالتصويت لحزب يعتبر “عنصري” وهو بنفس الوقت يصادق الأجانب ويتعامل معهم؟ طبعا وكما هو معروف من غير اللائق أن تسأل شخص في السويد لمن صوت في الانتخابات أو أي حزب يفضل، ولكن في مواقف وجلسات معينة بين الأصدقاء خاصة الشباب، يصبح هذا السؤال عاديا.
ما فهمته نادين من مبررات ساقها الشاب لكي يصوت لحزب لا يزال يعامل من قبل أحزاب أخرى وكأنه منظمة منبوذة، هو الخطاب المختلف الذي يطرحه الحزب في قضايا لا تقتصر على مواضيع الهجرة واللجوء فقط بل تشمل السياسة الضريبية وتأمين فرص العمل والرفاهية وغير ذلك.
الشاب زميل نادين بالعمل يقول إنه يستمع وينبهر، لأنه على الأقل لا يسمع خطاب آخر أفضل مما يقدمه هذا الحزب. لأن الأحزاب الأخرى اليمينية منها واليسارية أصبحت متقاربة فيما بينها بطريقة مملة وغير جاذبة وبالتالي لا تبهر أحداً.
هذا الشاب هو واحد من حوالي 20 بالمئة من السويديين الذين يتعاطفون حاليا مع “ديمقراطيو السويد” ومستعدون للتصويت له، أي أن هذا الحزب أصبح يهدد فعليا الاشتراكيين الديمقراطيين في أن يخسروا لقب أكبر الأحزاب السويدية، اللقب الذي حافظوا عليه لسنين طويلة.
حوالي أو حتى أكثر من 20 بالمئة هو رقم كبير وقد يعني أن عدداً لا بأس به  من السويديين الذين نقابلهم في حياتنا اليومية هم من حزب لا يزال موصوما بتهمة “العنصرية” من قبل أحزاب أخرى ومن قبل عدة منظمات وهيئات اجتماعية، ممكن أن يكونوا زملاء عمل، جيران، موظفون في دوائر الهجرة أو صندوق التأمينات الاجتماعية، أو حتى من الشرطة.
مثال آخر يبين أيضا قوة هذا الحزب الخطابية وتأثيره على الناس العاديين، ففي مقال كتبته Eva Franchell في عدد 25 أكتوبر من المسائية السويدية “أفتونبلادت” تحت عنوان: أزمة القطاع الصحي ليست بسبب اللاجئين، أوردت الكاتبة حوارا بين ثلاثة مسنين، وهي تقف في طابور إحدى الصيدليات، هكذا أوردت الكاتبة الحوار:
إحدى المسنات تقول: قريبا لم يعد لنا مكان في الرعاية الصحية.
مسن آخر يكمل: المهاجرون في كل مكان.
مسنة أخرى: تهز رأسها مواقفة.
تتساءل الكاتبة في مقالها، عن هؤلاء المسنين، بعد أن سمعت حوارهم، هل يا ترى يعرف هؤلاء وغيرهم أن الحكومة الحالية قامت بالتخلي عن حوالي 6 مليارات كرون سنويا، كتخفيضات ضريبية على أصحاب الدخل العالي، بعد اتفاق يناير، وأن حكومة يمين الوسط السابقة وفرت على الأغنياء ما يقارب 141 مليار كرون أي بمعدل 20 مليار كرون سنويا، وأن هذه الأموال لو بقيت بخزينة الدولة، لكانت الحكومة قد حلت بسهولة أزمة الرعاية الصحية؟
وتضيف الكاتبة، هل يعلم أيضا هؤلاء المسنين، أنه لولا المهاجرين ومساهماتهم في سوق العمل، لكان نظام الرفاهية السويدية قد انهار كلياً. انتهى الاقتباس.
المشكلة أن الأحزاب السويدية العريقة قد تراجعت أمام الخطاب الشعبوي وهي تدفن رأسها بالرمال، دون أن تعرف مخاطر حزب، يجيد الخطاب ويجيد إخفاء الحقائق، وهو حتما سيفشل عند أول امتحان عملي له لتسلم السلطة، ولكن عندما يستلم السلطة سيكون الأمر ربما تأخر، وسنشهد وجود حزب يميني متطرف يقوض ركائز دولة قائمة على قيم إنسانية عريقة.
الشاب السويدي زميل نادين بالعمل، وهؤلاء المسنين الثلاثة، يسمعون خطابا مطربا فيه كلمات جديدة ومغايرة لكنه بعيد عن الحقائق، وطالما لا يوجد خطاب مقابل يعتمد على التوجه للعقل بدل العاطفة، من الممكن جدا أن نرى حزب “ديمقراطيو السويد” في مرتبة أكبر الأحزاب عندها سيكتشف الاشتراكيون الديمقراطيون وأحزاب أخرى أن سياسة “النعامة” لم تعد مفيدة لهم.

د. محمود صالح آغا

رئيس تحرير مؤسسة الكومبس الإعلامية

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.