سيناريوهات تأثير أزمة كورونا على السياسة المالية في السويد

Views : 817

التصنيف

مقال اقتصادي ـ خاص بـ الكومبس: تشرفت أول أمس الجمعة 3 أبريل، بحضور ندوة لمجلس وزراء دول الشمال الأوربي، والتي تم عقدها “اونلاين” مع زميل لي كمشاركين في الندوة من مصلحة التأمينات الاجتماعية السويدية، محور هذه الندوة كان مناقشة السياسات المالية المستدامة لدول الشمال الخمسة (السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا وايسلندا) كما تناولت الندوة أيضا، تأثير فيروس كورونا المستجد على هذه السياسات المالية.

مجلس وزراء دول الشمال الأوروبي، هو الهيئة الرسمية للتعاون الحكومي الدولي في منطقة الشمال. تأسس المجلس في عام 1971 ويتكون من عدة مجالس فردية للوزراء وتُسند المسؤولية إلى وزراء التعاون ولجنة التعاون في دول الشمال، والتي تنسق العمل اليومي للتعاون السياسي الرسمي في هذه الدول، والتي تعتبر بطبيعة الحال من أكثر الدول تطورا وتقدما في العالم على العديد من الاصعدة.

شارك في هذه الندوة نخبة من خبراء الاقتصاد والسياسات المالية من دول الشمال وكان المتحدث الرئيسي فيها البرفسور لارش كالمفورش   (Lars Calmfors)

والذي يعتبر من كبار الخبراء الاقتصادين في السويد حيث شغل العديد من المناصب المهمة من بينها رئيس لجنة السياسات المالية في السويد، ورئيس لجنة جائزة نوبل في الاقتصاد، كما لعب الدور الأكبر في عدم انضمام السويد الى عملة اليورو واحتفاظها بالكرون كعملة وطنية.

تناول النقاش العديد من النقاط في هذه الندوة والتي استمرت حوالي 3 ساعات، ولكني أود تلخيص وإضافة بعض النقاط التي تتعلق بأزمة كورونا الحالية وتأثيرها على الاقتصاد السويدي والتي قد تهم القارئ في السويد.

أجمع العديد من الخبراء والمحللين من الوزرات المالية، والجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات الاقتصادية على صعوبة التنبؤ حاليا بحجم وأثر الازمة الاقتصادية غير المسبوقة، ولكن تم وضع سيناريوهات مختلفة بناء على التقييم الحالي للوضع (مع حالة عدم يقين مرتفعة).

وبحسب لارش كالمفورش فإن السيناريوهات المتوقعة حاليا لتأثير الازمة على الاقتصاد السويدي هي:

السيناريو الأول (وهو الأقل تشاؤما)

انكماش للناتج المحلي الاجمالي السويدي بنسبة 6 بالمئة خلال عام 2020

عجز مالي في ميزانية الدولة بنسبة 5 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي

زيادة الدين العام بنسبة 7ـ 8 بالمئة (ليصل إلى 42ـ43 بالمئة من الناتج المحلي السويدي)

السناريو الثاني (وهو الأكثر تشاؤما)

انكماش للناتج المحلي الإجمالي السويدي بنسبة 10 بالمئة خلال عام 2020

 عجز مالي في ميزانية الدولة بنسبة 7 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي

زيادة الدين العام بنسبة 11ـ12 بالمئة (ليصل الى 46ـ47 بالمئة من الناتج المحلي السويدي)

ولكن الامر الإيجابي بخصوص السويد هو تمتعها بدين عام منخفض مقارنة بالعديد من دول أوروبا ومن الدول التي يطلق عليها “العالم الأول”. حيث يصل الدين العام في السويد الى حوالي 1055 مليار كرون أي ما يعادل حوالي 35 بالمئة فقط من الناتج الإجمالي المحلي وهي النسبة الأقل بتاريخ السويد منذ الثمانينات بحسب آخر تقرير لمكتب الدين العام السويدي بتاريخ 28 فبراير2020.

نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الإجمالي في السويد منذ عام 1980
المصدر: مكتب الدين الوطني السويدي

ومن أجل فهم هذه الأرقام بشكل أفضل، تجدر الإشارة إلى أن فنلندا لديها أعلى دين عام من بين دول الشمال ويصل إلى حوالي 60 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي ، وهذه النسبة تعتبر الحد الأقصى المسموح به، حسب قواعد الاتحاد الاوروبي، في حين أن لدى فرنسا دين عام بحوالي 100 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي ، ولإيطاليا دين عام بنسبة 134 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي واليونان بدين عام 171 بالمئة من ناتجها المحلي الاجمالي.  من ناحية أخرى يبلغ الدين العام في كندا إلى 85 بالمئة، فيما يصل في الولايات المتحدة الأميركية 108 بالمئة وفي اليابان تقفز النسبة إلى 237 من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة (جميع هذه الأرقام هي بتاريخ أكتوبر 2019 ومصدرها   صندوق النقد الدولي وهذا قبل انتشار مرض الكورونا في العالم بالطبع).

قدرة أكبر للسويد على مواجهة الأزمة المالية
 الدين المنخفض لدى السويد يعطيها قدرة أكبر على مواجهة أزمة الكورونا واثارها الاقتصادية حيث يمكن للحكومة الاقتراض بمبالغ كبيرة لتمويل المصروفات الطارئة لهذه الازمة وهذا ما بدأ بالفعل وسيستمر في الفترات القادمة.

بالطبع الأزمة الحالية ستأثر بشدة على اقتصاد أوروبا والعالم بأسره، وهو ما سيوُثر بالتالي على صادرات السويد والتي قامت بتصدير سلع وخدمات بقيمة 166 مليار دولار عام 2018 وهو ما يشكل حوالي 46 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السويدي لذلك العام، أكثر من 70 بالمئة منها لدول الاتحاد الأوروبي.

الوضع الاقتصادي المقبل للسويد والعالم غير مسبوق

فيما أشار الخبير المالي لارش كالمفورش، أيضا إلى أن الوضع الاقتصادي المقبل هو غير مسبوق، حيث أن جميع الازمات الاقتصادية للسويد والتي شارك في تحليلها ودراستها من ازمة النفط العالمية في السبعينات، والازمة المالية السويدية في التسعينات، وأزمة فقاعة التكنولوجيا الاميركية في بداية الالفية، والازمة المالية العالمية عام 2008 لم تظهر هذه الأرقام الكبيرة والمتسارعة التي يشهدها السويد والعالم في الأزمة الحالية. وبالتالي طريقة معالجتها تختلف عن كل الازمات السابقة وعن القوانين الاقتصادية التقليدية.
من جهتها توقعت وزارة المالية في السويد بأن يكون معدل البطالة المتوقع في السويد حوالي 9 بالمئة خلال العام الحالي والعام المقبل، وأن ينخفض قليلا في عام 2022 الى حوالي 8.4 بالمئة وأن الاقتصاد السويدي سيحتاج الى العديد من السنين للتعافي.

كساد وليس مجرد أزمة ركود اقتصادي

في النهاية يمكن برأي اعتبار هذه الازمة بمثابة كساد اقتصادي عالمي وليس أزمة ركود اقتصادي عالمي، حيث يعرٌف الركود الاقتصادي باختصار بأنه نمو سالبي للناتج الإجمالي المحلي لربعين متتالين (أي 6 أشهر) وهو أمر تكرر في العالم لأكثر من 30 مرة منذ عام 1860 كان أخرها الركود الاقتصادي بسبب الازمة المالية العالمية عام 2008 حيث وصلت نسبة البطالة لأكثر من 10 بالمئة.

بينما الكساد الاقتصادي هو أكثر قوة وتأثيرا ولفترة أطول وحصل خلال نفس هذه الفترة الزمنية لمرة واحدة فقط في عام 1929، حيث وصلت معدلات البطالة الى 25 بالمئة واستغرق العالم أكثر من 10 سنوات لتجاوز هذا الكساد وكان من أبرز نتائجه الحرب العالمية الثانية.

السبب الرئيسي في تقييمي هو أن الازمة الحالية هي أزمة عرض وطلب في نفس الوقت وليست أزمة عرض فقط او أزمة طلب فقط،  كالأزمات السابقة، وليست أزمة مالية كأزمة عام 2008، وبالتالي فإن الأثر الاقتصادي لها هو مضاعف وأشد تأثيرا وستنتقل بالضرورة الى القطاع المالي والمصرفي بأكمله. ولكن يمكن برأي اعتبار ان السويد ودول الشمال بشكل عام ستكون من الأقل تأثرا وتضررا من هذه الازمة مقارنة بالعديد من دول العالم (بالتأكيد سيكون لها تأثير كبير جدا على الاقتصاد السويدي ولكن مع ذلك سيكون من الأقل عالميا).

 بالطبع وكما قيل سابقا يصعب جدا التنبؤ الأن بالتأثير الاقتصادي والمدى الزمني لهذه الازمة التاريخية، وسيتم تعديل هذه التوقعات والتحليلات بشكل مستمر.

ريان رسول

مهندس مالي

ستوكهولم، السويد في 5 ابريل 2020

شرح لبعض المصطلحات الاقتصادية التي تم ذكرها في المقال:

الناتج المحلي الإجمالي هو مؤشر اقتصادي يقيس القيمة النقدية لإجمالي السلع والخدمات التي أُنتجت داخل حدود دولة ما خلال عام كامل.

-الانكماش المالي هو عبارة عن انخفاض متواصل في أسعار السلع والخدمات في كافة جوانب اقتصاد الدولة، وهو عكس التضخم المالي واسوء منه من ناحية النتائج والاثار، إلا أنه نادر الحدوث.

العجز في الميزانية هو الرصيد السالب للميزانية العامة للدولة، والناتج عن كون النفقات تفوق الإيرادات. وتضطر الحكومة في هذه الحالة الى تمويل هذا العجز من خلال الاقتراض، مما يؤدي الى تزايد الدين العام.

الدين العام هي الأموال التي تقترضها الحكومة من الأفراد والمؤسسات لمواجهة أحول طارئة ولتحقيق أهداف مختلفة وذلك عندما لا تكفي الإيرادات العامة لتغطية النفقات العامة التي تتطلبها هذه الأحوال الطارئة.

المصادر:

https://www.norden.org/en/nordic-council-ministers

https://www.riksgalden.se

https://www.imf.org/external/datamapper/GGXWDG_NGDP@WEO/OEMDC/ADVEC/WEOWORLD

https://data.worldbank.org/indicator/ne.exp.gnfs.zs

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.