صداقة "شكسبير"

Views : 520

التصنيف

ترددت كثيراً أمام المساهمة في تحرير نص شكسبير "الملك ريتشارد" وإعداده للمسرح؛ بدا الأمر، بالنسبة لي نوعاً من القفز إلى منطقة شائكة ومحفوفة بالمخاطر، ولم أجد أن من حقي أن أدخل في مغامرة شخصية على حساب مشروع جماعي

ترددت كثيراً أمام المساهمة في تحرير نص شكسبير "الملك ريتشارد" وإعداده للمسرح؛ بدا الأمر، بالنسبة لي نوعاً من القفز إلى منطقة شائكة ومحفوفة بالمخاطر، ولم أجد أن من حقي أن أدخل في مغامرة شخصية على حساب مشروع جماعي كالذي تصدى له مسرح عشتار، عبر المشاركة في أولمبياد شكسبير في العاصمة البريطانية ممثلاً لفلسطين.

ولكن أهمية المشاركة وروح الفريق، وربما مستوى التحدي الذي شكله العمل، هي التي جعلت من المشاركة حاجةً معرفيةً ومسؤوليةً لا ينبغي التهرب منها.

كان الوقت ضيقاً والعمل في ترجمته الأولى ـ الأمينة إلى حد كبير ـ ملغزاً، والرغبة شديدة في إضافة الراهن العربي والفلسطيني وتحولاته، وهو ما لا يمكن تفاديه أمام نص مثل مأساة الملك ريتشارد المبني على مكائد اللوردات وانهيار حكم العائلة وصعود عائلة ملكية جديدة إلى العرش البريطاني، بينما في خلفية الصورة يتدافع الناس مثل أشباح لا تصل إلى حافة المسرح حيث الضوء، وهي تبحث عن خلاصها عبر استبدال ملك بملك.

كان علينا أن نبحث عن إشارات النص والحفر بحذر كما لو أننا نحفر في حقل ألغام، وكانت هناك قراءات متعددة للنص، قراءات ذكية وجادة، واقتراحات تحملها رغبة كيف ستقدم فلسطين شكسبير في لندن؟

ثلاث مرات أعددنا النص، ثلاث مرات أعدنا كتابته، ثلاث مرات حاولنا زحزحة البلاط الإنجليزي قليلاً نحونا.

إشارتان بدتا مثل مسلمتين ضروريتين بالنسبة لنا، حملة الملك ريتشارد لإخماد ثورة الايرلنديين، ورحلة هنري للأراضي المقدسة لينظف يديه من دماء ريتشارد، ولكنهما لم تكونا كافيتين لحمل البلاط الإنجليزي، وجثث اللوردات، ومأساة الملك المخلوع وتأملاته، إلى أبعد كثيراً من الدائرة التي رسمها شكسبير.

"كونال" المخرج الايرلندي المتخصص في أعمال شكسبير، جاء مثل عجلة إنقاذ، رغم حاجز اللغة، في الأسابيع الأخيرة، الورشات التي انعقدت وحضرت جزءاً منها، كانت أشبه بورشات معرفية في كيفية قراءة شكسبير على الخشبة، الدروس التي نظمها قيس الرنتاوي للممثلين والتي شملت اللغة والنطق، وجود ثلاثة أجيال من الممثلين على الخشبة كان ورشة أيضاً في تبادل الخبرة وتقديمها.

كتبت عندما طلبت مني إيمان عون أن أكتب شيئاً على البروشور:

"العلاقة مع شكسبير ضمن فريق عمل مسرحي تختلف تماماً عن قراءاته أو مشاهدته على الخشبة، كذلك الإصغاء إلى مخرج متخصص وسخي في تقديم معرفته مثل "كونال"، هنا يتفكك النص وتظهر الصورة الشخصية للمسرحي العظيم، عبر تتبع المفردات ونموها داخل العمل، ثم تحركها على الخشبة وتأثيرها العميق المتدرج على أجساد وهيئات وأصوات وعلاقات الممثلين، لتصل إلى اكتمالها الذي سيبقى ناقصاً من دونهم.

الممثلون هم أصدقاء شكسبير وليس القراء، هذه الحقيقة هي الهدية الثمينة التي حصلت عليها أثناء عملي مع هذا الفريق الرائع".

غسان زقطان

عن "الأيام" الفلسطينية

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.