عائلة مها وإبراهيم: لا إقامة .. لا سكن .. لا بلد يستقبلهم.. والسويد تُصرُّ على ترحيلهم ..!

Views : 30191

التصنيف

الكومبس – قضية في رسالة: مها الأشوح وإبراهيم غالي، زوجان فلسطينيان، من أهالي مخيم (برج البراجنة) في لبنان، وصلا لاجئين إلى السويد رفقة أولادهما الأربعة سنة 2015 ويسكنون حالياً مدينة مالمو.

سنة 2018، قررت مصلحة الهجرة رفض طلبهم وترحيلهم من السويد، لكن القوانين تكفل لهم حق الاستئناف وهو ما فعلوه لـ 3 مرات متتالية، إلا أن جميع مساعيهم فشلت.. حوّلوا قضيتهم إلى المحكمة العليا، يسترحمونها لإعادة النظر في أوضاعهم الإنسانية، لكن هذه الأخيرة، ما لبثت أن أصدرت حكماً نهائياً ملزماً باعتماد قرار الهجرة، كما رفضت لاحقاً طلبهم للطعن.

سنة 2019، حولت الهجرة ملف العائلة كاملاً للشرطة السويدية، حيث بات على آل غالي التوجه إلى مركز الشرطة والتوقيع في دفتر الحضور يومي الاثنين والأربعاء من كل أسبوع.

تقول السيدة مها الأشوح لـ “الكومبس“: “لقد حرصنا دائماً على الالتزام بالحضور للتوقيع في مركز الشرطة وفق المواعيد المحددة، حيث أكدوا أن الأمر سيستمر على هذا المنوال حتى يتم إبلاغنا بانتهائهم من استكمال الأوراق اللازمة لترحيلنا.

لكن مع بداية العام الحالي، فوجئنا برجال الشرطة يداهمون المنزل، ثم يقتادونا جميعاً إلى مركز احتجاز أوستروب للاجئين في مدينة هلسنبوري. احتج زوجي إبراهيم بشدة على وضع أطفالنا القُصَّر الثلاثة داخل حجرات الاحتجاز بصورة لا تتناسب وقوانين حقوق الطفل في السويد، سيما أننا لم نكن نسعى للهرب أو تغيير محل إقامتنا كما يفعل الكثيرون. ما جعل مسؤول المركز، على مدار اليومين التاليين، يتخذ إجراءات تأديبية في حقه وحق ولداي البالغان، عبد الفتاح (22 سنة) ومنصور (20 سنة)، بأن يضع كل واحد منهم داخل حجز انفرادي.

أطفال مها وإبراهيم ( خاص)

“السوسيال يتدخل لانتزاع أطفالي” !!

قبل ترحيلنا بساعات، استدعوني إلى مكتب مسؤول المركز بدعوى أنه يريد مقابلتي وأصروا على اصطحاب كل أبنائي القاصرين معي. هناك، دهشت لدى رؤية موظفي مصلحة الشؤون الاجتماعية (السوسيال) يقفون في انتظارنا، ليكشفوا لي عن عزمهم انتزاع الأطفال منا، إثر ورود بلاغ ضدي، يؤكد رميي طفلي الأصغر على الأرض عمداً في لحظة غضب.

 استنكرت الأمر مطالبة بإبراز ما يثبت صحة هذا الادعاء، فصارحوني أنهم لا يملكون أية دلائل. تمسكت بأولادي رافضة تسليمهم، بيد أن رجال الشرطة سارعوا إلى التدخل، حيث قام أحدهم بلي ذراعي وراء ظهري وألقاني على الأرض، واقفاً بقدمه الضخمة فوق ساقي حتى كاد يهشمها، ليمنعني من النهوض.

لما رأى ابني أسامة (17 عاماً) مصابي، راح يطالب الشرطي بتركي، محاولاً سحبي من تحته، لينقض عليه شرطي أخر ويدفعه صادماً رأسه بقوة في إحدى الخزائن، قبل أن يتعاون مع زميلين له لتثبيته على الأرض. ذهب هول الموقف بعقلي، فرحت أبكي وأصرخ أرجوهم ألا يأخذوا أطفالي، حتى أني كببت على قدم الشرطي أقبلها لعله يرأف بحالي، سوى أنهم سحبوني عنوة ليحتجزوني منفردة في حجرة ما، جاهلة مصير أبنائي.

بعد قليل، أخبرني أحد عناصر الشرطة أنهم عثروا على دليل ضدي، يؤيد دعوى تعنيفي الجسدي لابني، طلبت منهم أن يطلعوني عليه، فامتنعوا دون إبداء أسباب. علمت حينها أن الأمر مجرد تلفيق لإرغامي على عدم المقاومة والانصياع لأوامرهم. تأكدت صحة تخميني في تمام الساعة الخامسة والنصف فجراً، عندما جاء 3 حراس يطلبون مني مرافقتهم لتسفيري إلى لبنان، رفضت مغادرة حجرتي إلا بصحبة أطفالي، فوافقوا هذه المرة، شريطة ألا أنبس ببنت شفة طوال الرحلة وإلا سيحرمونني رؤيتهم إلى الأبد. علمت لاحقاً من زوجي، أنهم أجبروه على التعهد بطاعتهم تحت نفس التهديد.

هكذا، انطلقت معهم في سيارة منفصلة عن سيارة أطفالي القصر. بالمطار، وصل إبراهيم وابني البكر عبد الفتاح في سيارتين منفصلتين كذلك، أما ابني الثاني منصور، فأبقوه محتجزاً نتيجة عدم تمكنهم من الحصول على وثائق كافية لتسفيره، غير عابئين إلى كونهم بهذا يفرقون شمل عائلتنا.

“أعادونا من جديد الى السويد”

فور وصولنا لمطار بيروت، اصطحبنا عشرة مرافقين إلى مكتب الأمن. بقيت عائلتنا تنتظر بقسم الاستقبال، فيما جرت مباحثات طويلة بين السويديين واللبنانيين. ثم خرج علينا ضابط لبناني واستفسر عن أحوالنا، فحكينا له أوضاعنا بشيء من التفصيل. لما فرغ من الإنصات إلى حديثنا، تركنا ومضى، ليرجع بعد عدة دقائق ويبلغنا أن مسؤول الأمن في المطار، أصدر قراراً يمنع بموجبه وجودنا على الأراضي اللبنانية.

لدى عودتنا إلى السويد، اقتادت الشرطة زوجي وابني للحجز مجدداً، أما أنا والأطفال، فأرسلونا إلى مقر الشؤون الاجتماعية لنبقى تحت المراقبة، حيث حاولوا في البداية فصلنا، لكنهم أحجموا لما رأوا إصراري على الرفض. حاولوا أيضاً إرسال ابني أسامة للإقامة مع عائلة سويدية ما، إلا أنه رفض بدوره، ما جعلهم يقبلون إقامته في منزل عمته.

مؤخراً، سمحت لنا دائرة الشؤون الاجتماعية بالمغادرة، معلنين أنهم لم يجدوا في تعاملي مع أطفالي ما يريب، لكني بت مطالبة من جديد بإثبات حضوري، مع جميع أبنائي القصر، للشرطة السويدية، عبر توقيعنا في إحدى مراكزها أيام الاثنين والأربعاء والجمعة من كل أسبوع، بينما لا يزال زوجي وولداي الكبيران يقبعون داخل الحجز دون مبرر أو جرم اقترفوه.. ولا نعلم حتى اللحظة، ما إذا كان سيتم الإفراج عنهم قريباً، أو ما تخبئه لنا الأيام القادمة”.

بلا سكن

وأضافت: “منذ عودتنا إلى السويد، رفضت السلطات منحنا مكاناً للسكن، ما اضطرني وأولاي الثلاثة إلى الإقامة مع شقيقة زوجي وعائلتها المؤلفة من ستة أفراد بذات الشقة. ليغدو عددنا 10 أشخاص، في مخالفة صارخة لشروط السكن الصحي السويدي.

لقد قامت مصلحة الهجرة كذلك بسحب تصاريح إقاماتنا المؤقتة، كما قطعت جميع مساعداتها المالية، لتضيف بهذا عبئاً جديداً على كواهل أقاربنا المساكين، الذين باتوا ملزمين بإعالتنا، بعد أن كانوا يتدبرون تكاليف حياتهم اليومية بالكاد قبل قدومنا.

فيما سبق، كان ابني منصور يتلقى علاجاً نفسياً في إحدى المراكز الصحية المختصة بمدينة لينشوبينچ جراء صدمة أصابته إبان فترة الحرب في لبنان. هو اليوم، متوقف عن العلاج كلياً لوجوده داخل الاحتجاز، ناهيك بأن التأثير السلبي للظروف الحالية على نفسيته، أدى إلى انتكاس حالته أكثر. أما شقيقه الأصغر، المولود على الأراضي السويدية، فيعاني أيضاً مشكلة انخفاض نسبة الحديد في الدم، تتطلب مداومة على العلاج، لكن الأمر أصبح منهكاً بالنظر إلى أوضاعي المادية الحالية، علماً بأنه ذات الصبي، الذي حاولت الشؤون الاجتماعية قبل أسابيع، انتزاعه خوفاً على سلامته مني، ثم أمست ترفض اليوم صرف كروناً سويدياً واحداً ثمناً لدوائه”.

وختمت: “بعد عودتنا من لبنان، ثبت إلى السلطات السويدية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن قرار ترحيلنا غير قابل للتنفيذ أبداً، فإذا أضفنا إلى ذلك، طبيعة الظروف غير الإنسانية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، سنجد أن الاستمرار في معاملتنا بهذه الصورة القاسية لإجبارنا على الرحيل قسراً، مع العلم المسبق بحقيقة عدم قبول أية دولة في العالم استقبالنا، أمر لا يقبله عقل سليم ولا منطق، كونه يمثل انتهاكاً كبيراً ومتعمداً لشتى أشكال ومعايير حقوق الإنسان، سيما أن زوجي وولداي، وفق هذا، قد يبقون داخل الاحتجاز إلى الأبد. بالتالي، ما جدوى التوقيع على اتفاقيات حقوق الإنسان إذا كنا من سينتهكها؟

“لماذا لا يُعيدوننا الى بلدنا الأم”؟

إن لبنان اليوم، محتقن بالغضب والأزمات الاقتصادية والأمنية، ما جعل كثيراً من أبناءه الأصليين، مع الأسف، يطلبون اللجوء في السويد، فكيف يعقل أن يطالبوا من ليسوا بلبنانيين العودة إليه؟

لماذا لا تحاول السلطات السويدية مثلاً، التفاوض مع الإسرائيليين لإعادتنا إلى بلادنا بدلاً من سعيها اليائس لدفعنا إلى المعاناة في بلد غريب يرفض وجودنا؟

إن الأمر يتطلب اتخاذ قرارات جادة وعملية، تحل مشكلة لا تصنع أزمة، تراعي أوضاعنا كبشر أولاً وكلاجئين فلسطينيين بلا وطن ثانياً، لا أن تبقى قضايانا معلقة إلى أجل غير مسمى بشكل عبثي، يستنزف طموحاتنا وأعمارنا واتزاننا النفسي وبراءة أطفالنا بين أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز، لا لذنب اقترفناه، إلا أننا جئنا طلباً لحياة كريمة”.

قسم التحقيقات

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.