عزلة شتاء السويد!

Foto: Maha
Views : 8135

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: مشهد ثلجي ناصع البياض في الخارج.

تتساقط حبات الثلج النقية، بخفة الريش، وهي تتحدى النسمة الخفيفة في الهواء التي تحاول إحادتها عن طريقها. للطبيعة جبروتها في أبسط التفاصيل.

للجالس في المنزل يبدو منظر الطبيعة من النافذة في الخارج كبطاقة بريدية جميلة تلك التي كان الناس في السابق يتراسلونها فيما بينهم بالصيغة التقليدية للمراسلة، يكتبون عليها بخط اليد، التي تتلوى الآن عند الكتابة اليدوية لإعتيادها النقر على مفاتيح الحروف على لوحة الكتابة الإلكترونية.

الشتاء يحيل السويد الى بلد آخر، متجمد، معتم وكئيب بعض الشيء، على الأقل في مثل هذا الوقت من العام، على عكس الصيف الذي يُشيع بهجة وإندفاعاً للحركة، يجعل المرء لا يتحمل السكون في مكانه لوقت طويل.

للشتاء في السويد مزاياه أيضاً. رغم أنه ليس من السهل ملاحظتها أو التمتع بها، فذلك يتطلب قدر كبير من رغبة العيش في العزلة التي ربما تتحول الى محطات إبداعية لدى البعض، الا يُقال أن العزلة “مصنع الأدباء” على إعتبار أن الأدب من إحدى المحطات الإبداعية المتعددة التي تثير غرائز البعض الإبداعية، وأن أكثر الأدباء إبداعاً هم من عاشوا في عزلة إختاروها هم لأنفسهم، رغم ما حفظه لنا التاريخ من طقوس وأمزجة خاصة لأدباء عالميين لا زالت لأسمائهم أوزانها الثقيلة بعد أن تحولوا الى أشخاص يعيشون في عوالم خاصة نسجت خيالاتهم من خلالها مواضيع كتاباتهم التي نتمتع بها بنفس القدر كلما أعدنا قراءتها.

عندما يدخل المرء في عالم العزلة رغم كل ما يتطلبه ذلك من جهد، يصبح من الصعب عليه الخروج من تلك الدائرة أو مواصلة حياته الإجتماعية بشكل طبيعي كما كان في السابق عندما كان محاطاً بالناس.

يختلف الأمر بالتأكيد، إذا كان المرء قد إختار عزلته بنفسه أو إذا كانت تلك العزلة مفروضة عليه، حيث في الأولى قد تقود الى الإبداع رغم ندرة ذلك، كون أن هناك جملة من الأمور الأخرى التي تتحكم في أن يكون المرء مبدعاً ولا يقتصر ذلك فقط على العيش في عزلة.

وقد تقود الثانية (العزلة التي يرى الإنسان نفسه فيها دون تخطيط مسبق) الى الكآبة وربما الجنون أو في أحسن الحالات عدم الإحساس بوجود دافع لمواصلة الإحساس بشغف الحياة وتحقيق الأهداف.

الشتاء في السويد، يحيط العزلة بإطار حزين لكنه محبب الى القلب في نفس الوقت. وهذا حديث ليس بالعام. يعلمنا الصبر والتحمل بقوة ورباطة جأش في انتظار شمس الربيع ودفء الصيف، انتظار وحدنا فقط من يمكننا توجيهه لصالحنا، وأن كان المرء محظوظاً فإن ذلك قد يصبح ملازماً له في سلوكياته الحياتية وبكل الأمور، وذلك بالطبع مختلف عن البلادة التي يصف بها البعض المغتربين.

يحتاج الأمر بالتأكيد الى الجلوس مع النفس طويلاً والحديث الى الذات والمطالعة الهادفة، شريطة فهم ما يتم قراءته والإبتعاد عن المبالغة في تصوير محسوساتنا ومشاعرنا ووضعها في إطار الحجم الحقيقي لها، بغض النظر عن نوعها، بمعنى إحاطة النفس وما ينعكس عنها من تناقضات ومفارقات وتخبطات بكاشف من الهدوء الذاتي، يقوم على تحليلها بروية ويساعد في إدراك الإسباب بدل التركيز على النتائج فقط قبل السماح لها بالزفير.

هذا بالتأكيد ليس بالأمر السهل، كما أن الجميع قد لا يكون راغباً في ذلك، لجهة أن كل تجربة جديدة نُقدم عليها تحتاج الى الجهد والمثابرة لتحقيق الأهداف المرجوة منها، لكن إذا تحقق الأمر، فذلك يعني توفير الكثير من الجهد على أنفسنا في إيجاد أجوبة لما يحيط بنا والإبتعاد عن محاولة إيجاد تفسير منطقي لما كنا عليه وما إنتهينا إليه في دولاب الحياة المستمر بالدوران.

 

لينا سياوش

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.