“علموا أطفالكم لغتكم الأم قبل أن تندموا”

 

منبر الكومبس – هذه العبارة “علموا أطفالكم لغتكم الأم قبل أن تندموا”، قالها علناً بحرقة والد لصبيتين في أوائل العشرينات من عمرهما، ونحن نجلس معاً في مناسبة عامة، من المناسبات التي تجمع أحيانا أبناء الوطن الواحد في المغترب السويدي.

منبر الكومبس – هذه العبارة “علموا أطفالكم لغتكم الأم قبل أن تندموا”، قالها علناً بحرقة والد لصبيتين في أوائل العشرينات من عمرهما، ونحن نجلس معاً في مناسبة عامة، من المناسبات التي تجمع أحيانا أبناء الوطن الواحد في المغترب السويدي.

يقول الأب الخمسيني، أنه أدرك متأخراً خطأه وتقصيره بعدم الإنتباه إلى تعليم أطفاله اللغة العربية، بشكل مقبول. وشعر بلوم نفسه بشدة، عندما قالت له إحدى بناته من مدة ليست بعيدة: “بابا ليه ما علمتنا نحكي أربي” وتقصد لماذا يا والدنا لم تعلمنا أن نتكلم العربية؟

الفتاة التي دخلت الجامعة حديثا وجدت، هناك في مجتمع ما بعد المدرسة والمراهقة، أنها بحاجة لأن تظهر شخصيتها الخاصة، ضمن الهوية السويدية التي تحملها، ووجدت أنها لو استطاعت أن تجيد لغة أهلها، لانفتحت أمامها أفاق واسعة وجديدة، في التميز بين زملائها في بعض المواد التي تناقش ما يجري الآن من أحداث متلاحقة في المنطقة العربية.

ولأن الإختصاص الذي إختارته الفتاة، له أرتباطٌ بالعلاقات الدولية، وتأثير الأحداث الخارجية على السويد، كان لابد أن يكون لها رأيا مميزا يتناسب مع ملامحها وشكلها والأسم الذي تحمله، عند مناقشة قضية تخص المنطقة التي أتت منها عائلتها إلى السويد.

يتابع الأب الذي لا بد وأنني أعجبت بصراحته وبساطته: كنا نفتخر ونعتز عندما نسمع ان أطفالنا يتكلمون لغة أهل البلد الذي نحاول نحن الكبار الاندماج به والتأقلم معه، وأصبحنا نجد متعة ونحن نتكلم ونرد على أسئلة أطفالنا باللغة السويدية، وبالنسبة للأطفال من الطبيعي أن يختاروا استخدام اللغة الأسهل بالنسبة لهم، أي اللغة السويدية.

في مرحلة لاحقة، يتابع الأب، أصبحنا نتعلم من أطفالنا طريقة الحديث وبعض المفردات، وتطورت هذه المرحلة إلى درجة انهم اكتشفوا عجزنا عن مجاراتهم، وهنا كان المنعطف، لقد فقدنا وسيلة التواصل مع ابنائنا، لانهم وببساطة اكتشفوا بأننا “أميون” بالنسبة لهم، وكانهم قرروا عدم مشاركتنا في الحديث معهم، إلا عند الضرورة، وبشكل موجز ومقتضب.

وهكذا نجد أن الأبناء تطوروا بشكل اسرع مع المجتمع، ونحن بقينا ضمن مستويات متواضعة، أو في بعض الحالات كان تطورنا بطيئا، ونقصد هنا طبعا في مجال اللغة، ولكن وبما أن اللغة هي وسيلة التواصل مع المجتمع، فقد شعرنا وكأننا في عالم آخر منفصل عن عالم أبنائنا.

وكما يحدث في لقاءات مشابهة أثناء مثل هذه المناسبات، فقد تشعب الحديث، إلى عدة اتجاهات بحسب المتحدثين وقدراتهم التحليلية والثقافية، لكن وفي النتيجة، يستطيع المتابع لموضوع هذا الحوار أن يستنتج التالي:

من الخطأ الكبير أن تحرم طفلك ومنذ عمره المبكر من امكانية تعلم وحتى اتقان اللغة الأم، عربية كانت أم غير عربية، لأن العلم في الصغر كالنقش بالحجر، ولأن اللغة ليست فقط عنوان من أهم عناوين الهوية الخاصة، ولكن لأن التمكن من لغة إضافية هو “مهنة”، ويمكن أن توسع مدارك طفلك وتفتح له فرص أوسع في المجتمع.

الطفل قادر على استيعاب وتعلم عدة لغات بوقت واحد بصورة قد لا يمكن للأهل تخيلها، والتجارب اثبتت ذلك، فليس هناك خوف من التشويش أو تداخل اللغات في عقل الطفل.

الدولة والمجتمع السويدي ومعظم الأحزاب السياسية الكبيرة، تدرك أهمية أن ينشأ جيل يحمل ثقافتين ولغتين أو أكثر، لذلك تشجع الحكومات السويدية على تعليم اللغات الأم في المدارس.

ليس هناك قلق من تعلم الطفل اللغة السويدية بشكل تام، حتى وأن تابع التكلم واستخدام وتطوير لغته الأم في المنزل، أو من خلال دروس خاصة.

وفي العوة إلى صاحب مقولة “علموا أطفالكم لغتكم الأم قبل أن تندموا” نجد انه لا يزال يعتقد بأنه يستطيع تعليم بناته لغتهم الأم، من الآن، لأن الوقت غير متأخر، خاصة انهما متشجعتان على ذلك، ويران أن زملاء سويدين لهما يسعون ويثابرون على تعلم العربية.

يقال أن لكل لغة شخصية خاصة، وكل شخص يحمل لغة أو أكثر يمكن أعتباره عدة شخصيات في جسد واحد.

د. محمود الآغا

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.