علي الحسن: نستثمر تناغم المشتركات في صياغة نموذج متوازن للتعدد الثقافي

الكومبس – مجتمع: مثله في ذلك، مثل مئات آلاف المهاجرين، غادر المعلم الخمسيني، علي مجحم الحسن، سوريا عبر الأراضي التركية، ناشداً حماية في السويد، سنة 2015. استقر به المقام أولاً في إحدى مساكن اللاجئين داخل بلدية (فنشبوري)، التابعة لمحافظة (فسترا غوتالاند).

كان سبق له العمل في بلاده ضمن مجال الأنشطة الطلابية، ما يزيد عن 25 عاماً، قضاها وسط المعسكرات الإنتاجية والمعارض والحفلات والمخيمات التطوعية لطلبة الجامعات والمعاهد، لذا عزم في قرارة نفسه على نقل التجربة إلى موطنه الجديد عند أقرب فرصة.

بعد 6 أشهر من الانتظار، صدر قرار مصلحة الهجرة بحق طلب لجوئه، قاضياً منحه حق الإقامة الدائمة، كما جرى نقل محل سكنه إثر ذلك إلى مدينة (كونغ إلف). هكذا زالت كبرى العقبات من طريق طموحاته، مقرراً بدء ما أسماه “شكر دولة السويد” على استقبالها وحسن استضافتها لبني شعبه.

نشاطات اجتماعية محط انظار الصحف المحلية

يروي علي لـ “الكومبس“، تفاصيل أنشطته العديدة التي جعلته محط أنظار الصحف المحلية السويدية، قائلاً: “فور انتقالي للإقامة في مدينتي الجديدة، شدت انتباهي قلعتها العتيقة، لتتبادر إلى ذهني فكرة إقامة معرض صور حول أبرز المعالم السياحية والأثرية في بلدي (سوريا).

من هنا، شرعت أجمع الصور من مواقع البحث على شبكة الإنترنت، مدوناً عليها المعلومات، ثم راسلت البلدية بهذا الخصوص، فنقلت طلبي سريعاً إلى بيت الثقافة، الذي وافق دون تردد، واضعاً قاعة عرض كاملة تحت تصرفي، شاملة كافة تجهيزاتها، مدة 30 يوماً، كما طبع لي 40 صورة بالألوان لأقوم باستخدامها ضمن المعروضات. لقد لاقى عملي هذا إعجاباً كبيراً بين أهالي المدينة، حتى أن صحيفة (كونغ إلفز بوستن) المحلية، خصصت نصف صفحة لتغطية الخبر.

بعد انقضاء 6 أشهر على المعرض، أتيحت لي فرصة العودة للعمل مجدداً كمعلم، في إحدى المدارس الابتدائية بالمدينة، هناك، لفتت نظري معلمة شابة ترتدي زياً تقليدياً سويدياً بديعاً، لاحظت تلك المعلمة شدة إعجابي واهتمامي بملابسها، فشرعت تحكي لي بفخر عن تاريخه وسبب ارتداءه، شارحة تفاصيل كل جزء منه.

 حينها تذكرت أن في سوريا 14 محافظة، لكل واحدة منها أيضاً ثوب شعبي مميز، من هذا المنطلق، خطرت ببالي فكرة تنظيم معرض للأزياء الشعبية السورية بالتعاون مجدداً مع بيت الثقافة، الذي أكدت لي إدارته، إثر نجاح المعرض الماضي، استعدادها لاستضافة أي نشاط ثقافي أخر أعتزم تنظيمه مستقبلاً. عندما قمت بتنفيذ الفكرة، راق العمل للأهالي بشدة كما سابقه، لتستمر فعالياته 20 يوماً متتالياً.

لطالما سعيت منذ الأيام الأولى التي تلت وصولي إلى السويد، لخلق ألفة اجتماعية بيني وبين الأهالي، كما سبق وفعلت في بلدي الأم، لأمسي معروفاً من الجميع ويحيوني باسمي حين يروني، سواء كانوا وافدين جدد، أو سويديين، لذا أسست أول جمعية للوافدين الجدد من أبناء الجاليات العربية، القاطنين ضمن نطاق المدينة وضواحيها، تضم 150 عائلة، أسميتها (جمعية الثقافة العربية)، هادفاً من خلالها إلى عكس ثقافتنا وحضارتنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة داخل المجتمع السويدي، أملاً في مد جسور التواصل والصداقة بيننا وبين بقية العائلات السويدية.

“حكاية صغيرة من سوريا”

كانت أولى أنشطة الجمعية التي أرأس إدارتها، تنظيم عرض مسرحي غنائي، مدته 30 دقيقة، أسميناه (حكاية صغيرة من سوريا)، حرصت فيه على اختيار 20 طفلاً من أبناء الجاليات العربية، دربتهم على الأداء المسرحي، كما أشرفت بنفسي على اختيار الأغاني التي قاموا بأدائها، فيما خصص بيت الثقافة لنا بدوره مسرحاً كامل المعدات، سعته 350 مقعداً، إضافة إلى قاعة تدريب للأطفال، مجاناً، مدة 3 أسابيع، كذلك نشرت صحيفة (كونغ إلفز بوستن) عن نشاطنا هذه المرة تقريراً كاملاً.

يوم عرض المسرحية، عمدت إلى إيقاف صبيتين من بنات جاليتنا أمام مدخل المسرح، تحملان دَلَّةَ (إبريق) قهوة عربية، تسقيان منها الحاضرين، عرباً وسويديين، من ذات الفنجان، دون غسله أو استبداله. حين استفهم السويديون في حيرة عن المغزى وراء ذلك، أجبتهم أني أود جعلهم يحتسون القهوة مع الوافدين من ذات الوعاء، وفق العادات العربية، دلالة على زوال أية حواجز أو مخاوف تفصل بينهم، لقد أمسى هذا الموقف فيما بعد حديث أهالي المدينة من السويديين ردحاً طويلاً.

 إن أعداد من حضروا المسرحية يومها، بلغت حوالي 400 متفرج، أي ما يزيد عن عدد المقاعد المتاحة، قدمنا لهم من خلال عرضنا قصة سوريا، قبل، أثناء وبعد الحرب، ثم هجرة بعض اللاجئين السوريين إلى السويد يرافقها في الخلفية النشيد الوطني السويدي.

 لقيت المسرحية تعاطفاً كبيراً من جميع الحضور، خاصة السويديين، الذين لمحت أكثرهم يكفكفون الدموع تأثراً.

أما ثاني أنشطة جمعيتنا، تمثلت بتنظيم معرض للمأكولات الشرقية، كلفنا فيه كل عائلة من أعضائنا بإعداد أكلة شرقية مختلفة، كما حجزنا لأجله قاعة خاصة من البلدية، بسعر رمزي، سعتها 500 مقعد، ثم حرصنا على دعوة العائلات السويدية إليها لمشاركتنا الطعام. مجدداً لقيت مبادرتنا هذه رضا واستحسان السكان السويديين.

لقد تسنى لي من خلال تنظيم كل الأنشطة سالفة الذكر، تحقيق حلمي بأن أصبح معروفاً لدى جميع أهالي المدينة، كما بات الأطفال من تلاميذي في المدرسة متعلقين بي كثيراً، حتى شعرت بنفسي في وطني مرة ثانية، إلا أن ضيق وقتي وإنهاكي الشديد، جَرَّاء توظيفي للعمل في المدرسة بدوام رسمي طويل، أبقاني عاجزاً عن تنظيم أنشطة جديدة، إلى أن صادف تعيين مديرة جديدة للمدرسة.

 في اجتماع للتعارف بيني وبينها، دار قبل أيام قليلة من عطلة الخريف، حدثتها عن أنشطتي في المدينة، ثم اقترحت عليها استغلال فرصة عدم وجود تلاميذ وتوقف مطبخ المدرسة عن العمل مؤقتاً بإقامة حفل لتناول الفلافل، كوني بارع جداً في إعدادها، ندعو إليها كل أولياء الأمور رفقة أبنائهم. لم تقتنع المديرة بداية الأمر بمقدرتي على تجهيز كميات كبيرة من الطعام وحدي، لكنها سرعان ما وافقت إزاء رؤيتها مدى إصراري وحماسي، هكذا نفذت الفكرة على أكمل وجه، بمساعدة ولداي فقط، لتلاقي إعجاب الجميع بمن فيهم أولياء الأمور، الذين أثنوا علي بعبارات الشكر والمديح، صحبتها تغطية إعلامية ثالثة من صحيفة (كونغ إلفز بوستن)”.

عن أنشطته المستقبلية، يختم (علي) حديثه، قائلاً: “حتى رغم انشغالي، سأعمل دائماً على تنظيم الأنشطة كلما أتيحت لي الفرصة. أما الآن، فإني أخطط إلى تنظيم معرض للحرف اليدوية السورية الصيف القادم، إضافة إلى عرض مسرحي للأطفال عن العرس الشامي، لكن طموحي الأكبر، العمل كموظف لدى البلدية في مجال تنظيم الأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية للبالغين”.

قسم التحقيقات

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.