عندما تعيشُ فائضاً من الحياة، أو كفائضٍ عنها!

Views : 835

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: لا أجد تشبيهاً أقرب لحياتنا نحن الناجون بالكاد من الهلاك، سوى حياة مجموعةٍ كبيرةٍ من الخراف استطاع قسمٌ كبيٌر منها، النجاح بالفرار من مذبحةٍ وشيكةٍ قبل أن تُسلخ جلودها ويمثل بجثثها وتُنهش لحومها بكل شراسة.

لم نكد ننه فرارنا المصيري ذاك، إلا لنكتشف أننا أصبحنا بعمق غابة، نجهل قوانينها، نجهل مسالكها، يدهشنا تقريباً كل ما نراه يتحرك أو ساكناً فيها.

أحد أتعس تحديات حياتنا اليومية في هذا العالم الجديد ولسوء حظنا، أنه مليئ بالشاشات، وكأن مشاهدة ذبح وسلخ أهلنا وما تبقى من القطيع يومياً وعلى مدار الساعة، عبر تلك الألواح الرقمية اللعينة هو شرط نجاتنا، أو ربما أحد شروط نجاتنا المؤقت.

من غير المسموح ولا الممكن لنا نحن معشر الناجين، أن نصرخ ونتألم كما ينبغي لأي حيوانٍ يتم تعذيبه حتى الموت، فالقوانين في عالمنا الجديد تفرض علينا أن نكون لبقين، متحضرين، وأن نتابع مشاهد موتنا بهدوء، فهي صارمة بشأن إزعاج الجيران والعامة.

ثم أنّ عليك أيها التعيس أن “تندمج”، وستبقى متهماً بعدم الإندماج حتى لو أمضيت حياتك تثبت العكس، وليكن واضحاً أن الإندماج بمفهومنا، هو ارتقاء مخلوقٍ أدنى لمستوى مخلوقٍ أعلى، في عاداته وسلوكه، واعتقاداته وتصوراته للحياة بشكل عام، ولذلك لا بد من الخضوع لدوراتنا في إعادة التأهيل -الإندماج- وأن تثبت نفسك من خلالها.

مطلوب منك أيها الناجي المتطفّل، أيها العبئ الثقيل على الحياة، ألا تعيقك كل مصائبك المرتبطة بمصاب أهلك وبلدك، عن أداء واجبك -المضاعف- تجاه بلدنا، الذي وفر لك فرصة للحياة لسنا متأكدين بعد من كونك تستحقها، أو عن دراسة لغاتنا وإتقانها، او عن الالتزام المضاعف بكل قواعد حياتنا، وأن تحذر أشد الحذر، فمخالفتك المرورية قد تثير فزعاً عاماً تنشغل به وسائل الإعلام، في حين لا يجدر بك أن تتفاجأ لمرور جريمة قتل قد يقوم بها أحد مواطنينا كحدث عابر قام به مجرم، سيكون غالباً قد تعرض لاضطراب نفسي شديد في طفولته أو خلال حياته حتى أقدم على جرمه، فالأسوياء منا لا يمكن أن يقدموا على فعل كذلك.

عندما يتحدثون عنك أيها الروح الفائضة عن حاجة هذا العالم، في أروقة السياسية للبلدان التي تقيم فيها، وكأنك سلعة، أو بالأحرى، على أنك سلعةٌ، أو ملفٌ، أو ورقةٌ انتخابيةٌ كما أصبحوا يطلقون عليك صراحةَ في وسائل الإعلام، عليك ألا تتحرّج من ذلك، أن تعيش تحت التهديد، أن ترتعد أطرافك وأنت تتابع عن كثبٍ وبأدقّ التفاصيل نتائج كل انتخاباتٍ برلمانيةٍ أو رئاسيةٍ، لتحتفل فيما لو لم يفز اليمين المتطرّف الذي ينادي بسحلك علناً، أو لتطرق كفاً بكف، وتبدأ بالتفكير جدياً بخيارات حياتيّةٍ استراتيجيّةٍ قد تضطّر للإقدام عليها مستقبلاَ، وأن تصمم حياتك وعملك بناء على هذه الخيارات السوداويّة المتوقّعة حال نجاحه، هو أمر لا بد وأن يلازمك دائماً في منفاك الأخير.

ستتلقّى الإهانة مع كل نشرة أخبارٍ يقدمونها في محطاتهم تتعاطى بقدرٍ عالٍ من العاديّة، عند استعراضهم لأخبار ومشاهد موتك وأهلك وشعبك، وذات الإهانة مع كل سؤالٍ ساذجٍ لا بد وأن يُطرح عليك خلال فائض حياتك التي تعيشها تلك، كأن تُسأل عن وجود جامعاتٍ أو سياراتٍ، أو عن وجود طرقات إسفلت في بلدك الأصلي!.

سوف تصبح معايشتك لتصرّفٍ عنصريٍّ يمارس بحقّك، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، مراراً تقليدياً تستشعره في جوفك دائماً، الأمر سيبدو مستهجناً ويحثك على الحزن والتعاسة فقط خلال مراحله الأولى، لأنك بعد ذلك ستتوقع أن تعايشه بأي لحظة وبأي مكان.

على الجانب الآخر وكمهمة شاقة أخرى أصبحت حياتنا الجديدة مشترطة بها، هو هؤلاء الذين لا يعتبرون تعاطيهم الإيجابي معك فعلاً عادياً وبديهياً نابعاً من بداهة أننا كلنا بشر متساوون ونستحق كل الحياة، وإنما يُظهرون -ربما بشكل غير مقصود- في كل تصرف يتخذونه أنهم يقومون بما يستوجب تنازلاً وتواضعاً وفائضاً من التعاطف والشفقة -التي نستحقها على أي حال-، لكنها ليست شفقةً كونك ضحية حربٍ اضطّرت لمغادرة ديارها، وإنما لكونك -غالباً- متخلف، بدائي، تنتمي لبيئة متخلفة وبدائية.

لن يمنع كل ذلك أن يجتاحك شعور عام بالمسؤولية، وبأنك مدان يتوجب عليك الاعتذار، و أن تدفع جزءاً من الثمن،عند حدوث أي عمل إرهابي تسمع أو تقرأ عنه في وسائل الإعلام في بلد إقامتك، خصوصاً إذا كان من قام به، يشابهك باللون، أو الدين، أو من حيث الإنتماء لعالمك المتخلف.

الشعور الأسوأ من ذلك، هو شعورك بالطمأنينة والارتياح، عندما تقرأ أو تسمع عن وقوع عمل إرهابي يقوم به أحد مواطني البلد أنفسهم، ذلك الشعور نابع ربما من الإحساس بشيءٍ من المساواة، أو بنوعٍ من العدالة، أو ربما هو الارتياح لخروجك من دائرة الاتهام وخلاصك من ذلك الشعور بالذنب، الذي سيداهمك ولا ريب حتى مع أي عاصفة اقتصادية مريرة قد تعصف في البلاد، لأن أول ما ستثيره تلك العاصفة في أوساط المجتمع والسياسة والإعلام، هو عبؤك الثقيل الذي كان مساهماً رئيسياً، أو ربما أدى بمفرده لتلك الضائقة الإقتصادية التي عانت منها البلاد.

لحظة وصولك لعالمك الجديد، تتخلى عن كلِّك، عن كلِّ شيءٍ كان يجعل منك مُعرَّفاً، للتحول إلى مجرد نكرةٍ تحتاج أن تبذل كل جهدها -عبثاً- لإعادة إنتاج هويتها وذاتها، حيث لم تحتفظ لنفسها من عالمها البائد سوى بعبئين ثقيلين، ملتصقين بك كظلك، هما مظهرك ولغتك.

من أقسى مهام حياتنا كناجين من مذبحة حتمية لا تزال تحصد أرواح أهلنا بكل سلاسة ودون أي قيود، هو الإجبار على الاعتياد على الفراغ، أن تعيش وحيداً، أو أن تعيش مع أسرتك وحيدين ، وكأنما يفصلك عن مجتمع يضج بالبشر من حولك، ملايين الحواجز الغير قابلة للاختراق، أن تألف المجهول الذي كنت تخشاه حتى لحظة ما قبل هروبك، كأي إنسان طبيعي لا يحبذ المجهول، كونك يا عزيزي أصبحت تعيش في رحابه، أن تعتاد على أنك أصبحت غريباً أبدياً، تعيش بوسط لا وجود فيه إلا للغرباء الأعلى مرتبة منك، لا لأنهم كذلك، وإنما لأنهم قرروا أنهم كذلك.

محمد قنطار

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.