فارس الخليلي: قصةُ طبيب بُنيت على الإرادة وقوة الإصرار

 

الكومبس – تجارب وقصص نجاح: قصةُ نجاح الدكتور فارس الخليلي، تستحقُ أن تُروى! فهي مثالٌ على إمكانية تحقيق النجاح، والوصول الى الهدف، في هذا البلد.

جاء شابّا يافعاً مليئاً بالطموح، مُصِرّاً على النجاح، فحصل ما أراد، وهو الذي ترك بلده مُضطراً، بسبب نيران الحروب التي قال عنها الشاعر سعدي يوسف ” حربٌ تلِدُ أخرى “.

في العام 1982 أستقر في السويد، درسَ فيها الطُب، فتخرج من جامعة ” لينشوبينك ” عام 1986، وعمل في عدة مستشفيات بستوكهولم، عاد الى الدراسة من جديد فحصل على تخصص في الباطنية عام 1993، ثم في أمراض القلب عام 1995، من مستشفى كارلونيسكا الشهير. بعدها حصل على الدكتوراه في أمراض القلب والشرايين من مؤسسة كارلونيسكا عام 2000. حاليا يعمل في مركز أمراض القلب بستوكهولم، الذي يُعد من أكبر المراكز الصحية في الدول الإسكندنافية، وحاصلٌ على عدة ميداليات وجوائز تقديرية، منها جائزة أفضل الأطباء من الجمعية الطبية السويدية في كارلونيسكا، كما شارك في مؤتمرات عديدة بالسويد ودول أخرى.

الخليلي إضافة الى كونه طبيباً، فهو مهتمٌ جداً بالفن والثقافة وقارئ نهم للتاريخ القديم.

وصلتَ السويد عام 1982، ولم يكن هناك الكثير من أبناء الجالية العراقية ليساعدوك في التغلب على الصِعاب الأولية التي تواجه كل قادم جديد، كيف تمكنت من التغلب عليها لوحدك؟

عشتُ ظروف العراق وتحدياتها ومشاكلها في الثمانينات، ومَن يعرف ومرّ بتلك الصِعاب، تهون عليه في الحقيقة مصاعب الغربة، لذلك عندما وصلت السويد، لم أشعر بأنها أصعب من العراق، كنت أعتقد أن من المستحيل أن أصادف مشاكل أو صعوبات أكثر من التي مرّت بي في بلدي.

في الحقيقة السويد بلدٌ متطور ومُتحضر يفهم الإنسان، ويقدر الشخص الذي يعمل، وهناك احترام للبشر فيه، وللإنسان الذي يبذل جهده ويريد تحقيق النجاح، فلا يمكن أن يُصاب المرء بخيبة أمل إذا كان يستمر في الطريق الصحيح. ونحن كأجانب علينا أن نبذل جهدنا ونُظهر للسويدي أننا طموحين، ونريد الوصول الى هدف معين.

وبالنسبة الى اللغة لم تكن لي مشكلة، وهي لن تكون كذلك الى أي واحد، في حال إذا درسها بشكل مكثف وجاد، سواء من خلال المدارس أو الحياة العامة، كأن يختلط مع الناس، ويقرأ الصحف. لغتي الإنجليزية كانت ممتازة من الأول، وعندي معرفة باللغتين الفرنسية والإسبانية، وبدأت بمحاولة قراءة الصحف والكتب السويدية من الأيام الأولى لوصولي السويد، وكنت أحاول ترجمتها كلمة كلمة، وكنت أتكلم مع الناس كلما سنحت الفرصة.

من المهم برأي أن يتعلم الأجنبي تاريخ المجتمع الذي يعيش فيه، ومن أول يوم كنت مهتما بمعرفة تقاليد المجتمع وطريقة تفكير الناس، لان الإنسان عندما يعيش في بلد، يجب أن يعرف كيف يفكر الناس فيه، ودائما أقول ليس المهم ترجمة الامور الحياتية بشكل آلي، وأنما معرفة كيف يفكرون أيضا. فاللغة هي طريقة تفكير، ومعرفة الآخر.

إذاً تكيفت بسرعة، وعملت سنوات طويلة في هذا المجال، هل تعتقد أن العنصرية هي ظاهرة موجودة في الوسط الطبي والمستشفيات، تجاه الأطباء الأجانب الناجحين، هل شعرت أنك تعرضت الى تمييز عنصري خلال عملك؟

العنصرية ظاهرة موجودة في كل مكان. نحن أساساً عانيناً منها في بلدنا، قبل أن نأتي الى السويد. ففي العراق تعرضنا الى مختلف أنواع العنصرية والتفرقة في كل مناحي الحياة تقريباً. أنا بصراحة لم أتعرض الى أي نوع من أنواع التمييز أو العنصرية، خلال كل دراستي وعملي كل هذه المدة، في الكثير من المرات، كنت أحصل على أحسن منصب في المستشفى، وكانوا في كثير من الأحيان يفضلونني على الأطباء السويديين أنفسهم.

كأجانب علينا أن لايكون طموحنا أكثر من الواقع ومن أمكاناتنا الحقيقية، مثلاً يأتي بعضٌ من الأجانب الى هنا ويريدون الوصول الى بعض المستويات التي لم يصلوا الى درجتها، وتفوق في الحقيقة إمكاناتهم المهنية الحقيقية، لذلك تراهم ينصدمون بالواقع عندما يتم تفضيل آخرين من نفس البلد عليهم، فسرعان ما يفسرون الموضوع وكأنه تمييز!! لكن الحقيقة قد لاتكون كذلك، ويجري في كثير من الحالات التهويل وإعطاء الأمور بُعدا عنصريا ليس موجوداً في الأساس.

فالسويديين يفضلون الأفضل والأحسن حتى لو كان من تقدم للعمل سويدي أصلي ، لكن إذا حدث ذلك مع بعض الأجانب فيعتبروه تفرقة وتمييز عنصري.


الإنسان عندما يعيش في بلد، يجب أن يعرف كيف يفكر الناس فيه.

هل يعني هذا أن كثير من الأطباء الأجانب يعملون الآن؟

في الحقيقة سوق العمل في السويد متغير وغير ثابت، ففي نهاية الثمانينات كانت هناك أزمة عمل بالنسبة الى الأطباء السويديين أنفسهم، وفي بداية التسعينات أصبحت هناك بطالة، فالمئات من الأطباء كانوا عاطلين عن العمل، لكن بعد ذلك، أصبحت هناك حاجة كبيرة اليهم.

عندما وصلتُ أنا في ذلك الوقت، كان هناك نوع من المفاجأة بالنسبة لهم، أن يأتي أطباء من العراق، ولكن اليوم تغيرت الحالة، فوزارة الصحة إستحدثت أقسام خاصة بها، لتأهيل ودمج الأطباء في سوق العمل، والإستفادة من إمكانياتهم.

فالظروف الآن أفضل بكثير. وهناك حاجة ماسة الى الأطباء في السويد خصوصا المتخصصين، لذلك فانا أعتقد أن الأغلبية الساحقة من الأطباء الذين يأتون الى هنا يحصلون على فرص عمل، خصوصا من العراق، وأعتقد ان نسبة 99 % منهم وجدوا عملاً.

كونك طبيبا سويديّا من أصل عراقي، ومن خلال تجربتك، كيف تقيّم المستوى المهني للأطباء العراقيين الجُدد وليس القدامى منهم، كون الجُدد تخرجوا من كليات تدنى المستوى العلمي فيها كثيراً في السنوات الأخيرة؟

أقولها بكل صراحة، لا أرى فرقاً بين الأطباء القدامى والجُدد، صحيح أن المستوى التدريسي في العراق إنخفض بشكل هائل بعد الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات، لكن الذين يدرسون الطب، هم نُخبة من الشباب الطموحين جداً، فيبذلون جهوداً كبيرة لمقاومة الظروف السيئة، فهم مستميتين في الحصول على العلم والبحث عن المواد التدريسية، وهؤلاء الأطباء، بسبب كونهم كانوا طموحين هناك، يحملون معهم هذا الطموح والإصرار على النجاح الى السويد. فيحاولون التعويض عن ما خسروه هناك، من خلال الإمكانات المتوفرة، الأمر الذي يجعلهم أن يصلوا الى مستوى الطبيب السويدي.

الأطباء العراقيون أثبتوا جدارتهم، حتى الذين مروا بظروف سيئة جداً، فهم يتميزون بالقدرة على التكيف مع مختلف الظروف، من خلال مشاهداتي أرى أنهم يتعلمون اللغة بسرعة، ويتعاملون مع الأطباء الآخرين والمرضى بشكل إيجابي جداً.

يتداولُ عددٌ من قرائنا على صفحات موقعنا ” الكومبس “، وصفحته على ” الفيسبوك” مشاكلهم وتذمرهم من مايصفوه بالبيروقراطية والأخطاء الطبية الكثيرة في النظام الصحي السويدي، كيف تقيم هذا الكلام، وأيضا ماهو تقيمك للنظام الصحي السويدي بصورة عامة؟

النظام الصحي في السويد هو من أحسن الأنظمة الصحية في العالم، وهذا الأمر مُتفق عليه وبديهي في العالم. أما بالنسبة الى بعض الأجانب ومدى تقبلهم لآليته، فأنا أعتقد أن البعض منهم ” يتذمرون ” بسرعة دون وجه حق، إنطلاقاً من أسباب كثيرة، بعضُها مُبرر، فالأجنبي يتذمر أكثر من السويدي، بشكل عام. هناك فرق شاسع جدا بين هذا النظام والأنظمة الصحية في البلدان العربية.

فالمريض في تلك البلدان يمكن له في دقائق ان يراجع عيادة طبية، ولأتفه الأسباب يحصلُ على كميات كبيرة من الأدوية، ليس في حاجة لها، فيعتقد المريض إن هذا الطبيب من أفضل الأطباء !!. هذا الشي ليس موجوداً إطلاقا هنا. هناك مراحل دقيقة يجري فيها فحص المريض بدقة، وليس شائعاً أن يعطي الطبيب الدواء سريعا، قبل التشخيص الدقيق للحالة المرضية.

لكن من المفهوم أن الكثير من الأجانب، خصوصا العراقيين، يعانون من الآثار النفسية الرهيبة للاوضاع التي عاشوها، فقد مروا بأوضاع صعبة جدا، لم يمر بها أي شعب في العالم. فهذه تعكس على نفسيتهم، التي حتما تصبح متذمرة وحساسة، ذلك فإن أقل تعامل خطأ أو بطيء، نجده يتصرف بعصبية ونرفزة، ويفهم الأمور بشكل خاطئ.

وبعض الأطباء السويديين لايفهمون هذه الشخصية وخلفياتها، فيمكن يعاملوه معاملة ” مريض”. لكن هذه الامور لا تحدث مع السويديين لانهم يفهمون بعضهم البعض، ويعرفون النظام الصحي.

Hjartspecialistmottagning.jpg

لكن هناك من يقول إن النظام الطبي السويدي يعاني من قلة الخبرة في تشخيص الأمراض كيف ترد على ذلك؟

لا أعتقد بوجود أية مشكلة في تشخيص الأمراض، بل العكس هو الصحيح. السويد هي من أرقى دول العالم في تشخيص الأمراض وعلاجها. لكن بالطبع لايوجد نظام كامل 100 % ولا بد من أن تحدث أخطاء، وهذا جارٍ في كل دول العالم. الشيء الجميل في السويد، أننا نستطيع فرز كل الأخطاء التي تحدث، ويتم محاسبة الطبيب أو اللجنة الطبية التي أرتكبت الخطأ. ويوجد مؤسسة مختصة تفحص كل الأخطاء، وتناقش سببها، ومن المسؤول عنها، وكيف يتم تصحيحها وعدم الإكتفاء بمحاسبة المقصرين. وفي بعض الأحيان يجري بحث خطأ معين لمدة سنة، الى أن يتم الوصول الى السبب.

هناك عدد من الأطباء حاولوا فتح مستشفيات خاصة في العراق، يقدمون فيها خبراتهم للمرضى، خصوصا في أقليم كردستان، لكن بسبب البيروقراطية والفساد الإداري لم تر هذه المحاولات النور. كيف تعلق على هذه المحاولات؟

في الحقيقة مايتعلق بأقليم كردستان، أنا لم أذهب الى هناك، لذلك لا أستطيع التعليق على مايجري فيه، لكن لدّي الكثير من الأصدقاء الذين يسافرون الى المنطقة التي تشهد إستقراراً كبيراً وإستثمارات في مختلف المجالات، وبإمكان الأطباء فتح عيادات لهم هناك، لكن رغم الهدوء فان الكثير من الأطباء الذين يزورون الأقليم يقولون انه أيضا يعاني من مشاكل كبيرة جدا في البنية التحتية.

وهناك أعتقاد بأن الطب أصبح لعدد كبير من الأطباء تجارة! وهذه مشكلة أساسية، حيث يجري إستغلال الوضع والتسهيلات بفتح المستشفيات والعيادات لغرض مالي. وأيضا ليس هناك رقابة على النوعية، وان هذه المؤسسات الطبية الخاصة لها الحرية في العمل كما تريد، بدون أية ضوابط، واصبح الحافز مادي فقط!

الكثير من الأخوة الكرد الذين يأتون للفحص في السويد، يعانون من هذه المشاكل. فالمستشفيات هناك صحيح انها أكثر من بغداد وغيرها من المدن، وهي أفضل فعلا، وعندها إمكانيات أكبر وأجهزة أفضل، ولكن الحافز هو مادي. وهذه المشكلة ليست مشكلة كردستان فقط، وانما العراق ودول العالم الثالث كله، ونفس المشكلة موجودة في الأردن، وسوريا ودول أخرى.


الأطباء العراقيون أثبتوا جدارتهم، حتى الذين مروا بظروف سيئة جداً

تردد أن هناك أكتشاف طبي جديد يخص مرضى إرتفاع ضغط الدم، هل لك ان تتحدث عنه؟

هذا الأكتشاف ليس علاجاً، وأنما عبارة عن عملية بسيطة، يتم فيها قطع عصب الى شريان الكلية، فهذا العصب يؤدي الى تقلص الشريان، وعندما يحدث ذلك، يرتفع الضغط. وهذه العملية ليست جراحية، بفتح البطن، وإنما تتم عن طريق القسطرة بواسطة الرجل.

وتتم هذه العملية فقط للمرضى الذين لايستجيبون للادوية، في حالات محدودة جدا، فلازال حوالي 99 % من المرضى علاجهم هو من خلال الأدوية. عدد قليل يمكن ان نعرضهم لهذه العملية، وهم الذين لايستجيبون للادوية.

هل تفكر يوماً بالعودة الى بلدك العراق والعمل فيه؟

بالتأكيد، من الطبيعي التفكير بذلك، إذا توفرت الظروف وأستقرت بشكل جيد، فأنا يسعدني أن أقدم خدمة لبلدي من خلال عملي، فهذا سيكون أكبر فخر لي.

نزار عسكر

nazar@alkompis.com

شارك برأيك، علّق على المقابلة ، من خلال النقر على زر ” تعليق جديد “. 

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.