فلسطين في السياسة الخارجية السويدية

الكومبس – مقالات الرأي: يرصد الباحث والكاتب الفلسطيني المقيم في السويد، رشيد الحجة، أهم مراحل وتطورات ومواقف السياسة الخارجية السويدية بالنسبة لفلسطين والقضية الفلسطينية، من خلال هذا المقال.

تمهيد

السويد دولة ذات مساحة كبيرة تبلغ أكثر من 450 ألف كم مربع، بعدد سكان يقارب 10 ملايين، وهي جزء من اسكندينافيا مع النروج والدانمارك، يضاف إليها فلندا وآيسلاندا لتشكل الدول الخمسة مايسمى بدول الشمال الأوربي. تدار السويد بحكم لايتدخل فيها الملك بأية مواقف سياسية، وهذا يعني بأن البرلمان في السويد هو الذي يقرر بأكثرية أعضائه السياسات الداخلية والخارجية، وهذا بدوره يعني بأن الحزب أو التكتل الحزبي الحاكم بالسويد هو من يسير أمور الدولة بطبيعة الحال.

لقد سارت السويد على طريق الديمقراطية لعقود طويلة سمح فيها للأحزاب السياسية، محلية كانت أم على مستوى البلد، أن تزدهر وتعمل بسياسات حرة بشكل كامل، ماعدا الحض على العنصرية والتمييز واستخدام العنف، الأمر الذي أدى إلى أن يصل للبرلمان الأحزاب التي تحصد 4 بالمائة على الأقل من أصوات الناخبين في الإنتخابات الحرة التي تجري كل أربع سنوات.

من هنا يمكن القول بأن السويد تسير بسياساتها بما يخص القضية الفلسطينية حسب الحزب أو التكتل الحزبي الذي يصل إلى الحكم في البلد. وبالطبع يجب أن لا يغيب عن بالنا بأن التأثير في القضية الفلسطينية يمر عبر ثلاث مستويات. الأول وهو الرأي العام الشعبي، والثاني حوار الأحزاب في قاعة البرلمان، أما المستوى الثالث فهو القرارات والمواقف التي تتفق عليها الأغلبية البرلمانية حال التصويت على أمر ما. وبالطبع فإن المستويات الثلاث تتفاعل مع بعضها البعض لينتج عنها المواقف الرسمية التي تتخذتها السويد أمام المنابر الدولية.

سياسات السويد الرسمية تجاه فلسطين

مرحلة أولى

لقد تأرجحت مواقف السويد الشعبية والرسمية بخصوص النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي مابين تأييد كامل لتشكيل دولة يهودية على أرض فلسطين، إستنادا إلى مايسمى بالشرعية الدولية، بعد تكليف عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى لبريطانيا كسلطة إنتداب لتطبيق وعد بلفور في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم تبعه صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، تقسيم فلسطين رقم 181 عام 1947 الذي شاركت في تشكيله السويد. أدى ذلك إلى دعم مطلق لإعلان الدولة الصهيونية منذ نشأتها عام 1948 على حساب الشعب الفلسطيني، واستمر الأمر على حاله حتى نهاية ستينات القرن الماضي حيث أصبحت تلك الدولة سلطة إحتلال غاشم عام 1967.

ويمكن مرد ذلك إلى عدة عوامل؛ كالغياب العربي بشريا وإعلاميا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا من جهة، والحضور المركّز للحركة الصهيونية بين اليهود الذين بدأت هجرتهم للسويد في بدايات القرن التاسع عشر، وأصبحوا ذوي نفوذ إعلامي ومالي فيها، تمكنوا من خلاله إقناع الشعب السويدي وسياسييه بمآربهم في فلسطين من جهة ثانية. ثم جاء التغول النازي ضد اليهود في أوربا إبان الحرب العالمية الثانية الأمر الذي خلق عقدة ذنب عند الأوربيين لم ينتهي تأثيرها حتى يومنا هذا من جهة ثالثة.

مرحلة ثانية

بدأ التغير في سياسات السويد الخارجية بعد احتلال إسرائيل للأراضي العربية عام 1967 وإصرارها على عدم إنسحابها منها حتى اليوم، يضاف إليها الغطرسة الإسرائيلية في إحتلال نصف لبنان وارتكابها المجازر هناك، وفي بناء المستعمرات في الأراضي التي احتلتها واستقدام مئات الآلاف من المستوطنين إليها، وبناء الجدار العازل، وإقامة الحواجز، وحصار قطاع غزة والحروب المتكررة عليه، مرفقا بالدعم الأمريكي اللامحدود.

مقابل ذلك كان “هجوم” السلام الفلسطيني منذ توقيع وثيقة ستوكهولم، ومحادثات السلام العربية الإسرائيلية في مدريد، وبعدها اتفاقية أوسلو المثيرة للجدل، التحرك الذي تُوّج باعتراف، مجموعة الدول العربية عام 2002 في بيروت، بدولة إسرائيل على 77 بالمائة من مساحة فلسطين بشرط انسحابها أولاً مما احتلته، الذي برهن للعالم أجمع بأن إسرائل هي المعطل لعملية السلام مبتغية بذلك ابتلاع ماتم احتلاله.

كما ساعد في التغيير أيضا ذلك تفاعل موجات اللجوء للفلسطينيين إلى السويد التي زاد تعدادها عن 50 ألفا، مع المجتمع السويدي بأشكال متنوعة، وكذلك ظهور منظمات سويدية غير حكومية مؤيدة للحق الفلسطيني.

دور الحزب الإشتراكي الديمقراطي السويدي في تطوير السياسات الخارجية السويدية تجاه فلسطين

كل هذا إدى إلى تجرؤ بعض السياسيين اليساريين وفي مقدمتها الحزب الإشتراكي الديمقراطي وهو الأكبر والذي يزيد عمره عن 125 سنة، وحكم لفترات عديدة في السويد، ويلعب دورا كبيرا في اتخاذ سياسات رسمية متقدمة بما يخص فلسطين للدولة السويدية.

ففي الأربعين سنة الأخيرة، تناوب على حكم السويد تكتلان رئيسيان، وهما التكتل اليميني أو البرجوازي، وهو مؤلف حاليا من أربعة أحزاب يتصدرها حزب المحافظين (والليبراليين، والديمقراطيين المسيحيين، والوسط) وهناك حزب عنصري دخل البرلمان قبل 5 سنوات يدعى ديمقراطيوا السويد ويلعب دور بيضة القبان في البرلمان حيث لاتريد الكتلتان التعامل معه قطعا. أما التكتل اليساري ويتقدمه الحزب الإشتراكي الديمقراطي ( وحزب اليسار وحزب البيئة) أو مايسمى حاليا التكتل الأحمر الأخضر.

لابد هنا من لفت نظر القارئ من أن حزبي اليسار والبيئة يطالبوا باتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل كدولة إحتلال وفي مقدمتها المقاطعة من جهة وتساند بقوة مايتخذه الحزب الإشتراكي الديمقراطي من خطوات لدعم فلسطين.

كان الحزب مؤيدا كبيرا وبدون أية تحفظات لتكوين الدولة الصهيونية “إشتراكية الطابع” عام 1948، مروراً بحرب السويس عام 1956 إلى عام النكبة 1967، حتى أن رئيس الحزب يومئذ السيد تاجه إيلاندِر صرح: “بأن الله قد وقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الدول العربية”. وظهر بعد فترة حكمه شخصيات دفعت بالحزب للمسير بتيار وسطي جديد.

إيفرت سفنسون

بادر رئيس تنظيم “برودرسكاب” من داخل الحزب البرلماني السيد إيفرت سفنسون، وباستشارة من المفكر الأكاديمي البرفسور سيجبرت أكسيلسون، لزيارة لبنان بجولة يطلع فيها على أوضاع الفلسطينيين في المخيمات، وإجراء لقاءات مع قيادات الشعب الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية ، م ت ف، للتعرف على وجهات نظرهم ومطالبهم.

شكلت تلك الزيارة قناعات جديدة عند سفنسون، ومن معه، ثم نقل قناعاته هذه للدفاع عنها داخل الحزب والمجتمع وتحت قبة البرلمان، مدعوما بطبيعة الحال من برلمانيين من حزبه ومن الحزب اليساري. وبدأ يطالب بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي التي احتلتها تطبيقاً للقرار الأممي 242 لعام 1967، وإنشاء دولة فلسطينية، مقتنعا بحل الدولتين.

اقترب سفنسون أكثر فأكثر من م ت ف فقام بدعوة رئيس دائرة الشؤون الخارجية بالمنظمة السيد فاروق قدومي عام 1981 لزيارة السويد، تمهيدا لدعوة ياسر عرفات فيما بعد. وقد تعرض سفنسون بسبب نشاطاته هذه لهجمات عنيفة من قبل زملائه البرلمانيين اليمينيين، بسبب الرياح الجديدة الساخنة التي جلبها معه إلى البرلمان، ونعتوه بداعم الإرهاب الفلسطيني. أصبح سفنسون مدرسة في تفهم وجهة النظر الفلسطينية، وقام بتأليف عدد من الكتب عن القضية الفلسطينية، وكان مبادراً لتشكيل “رابطة الصداقة السويدية – الفلسطينية”، شكّل بها مجموعة ضغط لصالح فلسطين تواجه اللوبي الإسرائيلي داخل البرلمان.

أولوف بالمه

هذا وقد لعب سفنسون دورا هاما في تقريب وجهة النظر الفلسطينية لقيادة الحزب بزعامة واحد من أهم رؤساء الأحزاب الأوربية في مناهضة الإمبريالية الأمريكية في حربها في الفيتنام، والنظام العنصري في جنوب أفريقيا، هو السيد أولوف بالمه. أدى ذلك الدور إلى جمع رئيس الوزراء السويدي وزعيم أكبر حزب إشتراكي ديمقراطي في دول الشمال السيد أولوف بالمه مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بضيافة الرئيس الجزائري هواري بومدين في العاصمة الجزائرية عام 1974. تلقى بالمه على أثرها نقداً لاذعا من الأحزاب اليمينية تحت قمة البرلمان بسبب هذا اللقاء. دافع بالمه يومئذ: “بأنه يتوجب علينا سماع الطرف الآخر في الصراع الدائر في الشرق الأوسط”.

سعى أولوف بالمه مباشرة بعد حصول م ت ف على مقعد مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 في فتح مكتب إعلامي لم ت ف في العاصمة ستوكهولم عام 1975.

تدحرجت كرة الثلج لصالح القضية الفلسطينية وفتحت آفاق جديدة أمام م ت ف على مستوى التكتلات الدولية للدول الإسلامية، والإفريقية، ودول عدم الإنحياز. ومن ثم تم توجيه المنظمة لكسب الجانب الأوربي من خلال منظمة أحزاب الإشتراكية الدولية التي ساهم فيها كل من قيادات الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية في كل من اليونان، باباندريو، والنمسا، كريسكي، وإيطاليا، كركسي، وفرنسا، ميتران ، والبرتغال كونساليس، لتصل عدوى التأييد لحضور فلسطين في مؤتمرات الإشتراكية الدولية، وخاصة بعد أن دفع عصام السرطاوي حياته في إجتماعاتها في البرتغال عام 1981.

قام بالمه بدعوة القائد الفلسطيني ياسر عرفات إلى السويد في عام 1983 بإسم حزبه، وجمعه مع رؤساء الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية الحاكمة يومئذ في فينلند والنرويج والدانمارك وآيسلندا. إعترضت إسرائيل وخاصة عضو الإشتراكية الدولي “حزب العمل الإسرائيلي” فيها لهذا التقارب وحاول خلخلته.

ومن الجدير ذكره هنا بأن الكثير من أعضاء الإشتراكية الدولية طالبت بإبعاد حزب العمل الإسرائيلي عن هذا التجمع نتيجة غزو إسرائيل للبنان عام 1982.

لم تبيت إسرائيل على مابدى وبواسطة مجموعة الضغط الإسرائيلية في المجتمع السويدي، المجموعة التي وبخت وهددت بقتل بالمه الذي سمح لقائد م ت ف بالقدوم إلى السويد لطرح أفكاره لحل القضية الفلسطينية، الأفكار التي أقنعت قادة دول الشمال. وعلى مايبدو بأن رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه قد دفع حياته فعلاً ثمنا لتحركاته تلك عام 1986.

ستين أدرشون

ومنذ بداية السبعينات وحتى منتصف الثمانينات كانت قد تشكلت مجموعة كبيرة وفاعلة من شخصيات الحزب، خلفت بالمه،هي من الصفوف الأولى في الحزب على المسرح السياسي المحلي والدولي دعمت الحق الفلسطيني وفي مقدمتها السيد ستين أندرشون. وهو الذي تقلد عدة مناصب وزارية في وزارات بالمه ومن بينها منصب وزارة الخارجية في السويد مابين عام 1985 و 1991، حيث لعبت السويد دورا مهما في تلك الفترة.

ومن أشد نقاط تحول أندرشون في تدخلاته هي ردود فعل إسرائيل على كلمة مندوب السويد لدى الأمم المتحدة السيد أندرش فارم في شهر شباط/فبراير، 1988 التي قال فيها بسياق حديثه عن الإنتفاضة الفلسطينية الأولى “لاوجود لقانونين عالميين الأول لإسرائيل والآخر لنا نحن”. دافع أندرشون عن هذه الكلمة في البرلمان السويدي، وقام بعدها بشهر بزيارة إلى مشفى المقاصد ليطلع بنفسه على نتائج سلوك الجيش الإسرائيلي ورجال أمنه على أطفال الإنتفاضة. خرج أندرشون يومها عن طوره الدبلوماسي لاعنا وشاتما لما يحصل. قرر أندرشون بعدها بالتحرك السريع والمكثف بتشكيل مجموعة عمل في وزارته مؤلفة من السادة أندرش بيورنير، وماتياس موسباري، ولينا لوند، وأولف يرتينسون، وأنّيكا سودير، وميكائيل دال، وبير شوري وغيرهم، ليشاركوه التحرك في الوساطة مابين م ت ف من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية.

عرف ستين أندرشون على أثرها بصاحب الدبلوماسية الصامته، فجمع قائد م تف السيد ياسر عرفات ومجموعة من اليهود الأمريكان، من أصحاب الكلمة الراجحة، في ستوكهولم عام 1988 ووقعوا بما سمي وثيقة ستوكهولم. الوثيقة التي على أثرها استنكر فيها القائد الفلسطيني في جنيف كل أشكال العنف والإستعداد بالإعتراف بدولة إسرائيل. الموقف الذي أوصل م ت ف إلى طاولة محادثات مع الولايات الأمريكية صاحبة الكلمة الأعلى في عملية الحرب والسلام على أرض فلسطين.

تطورت الأحداث وابتعد حزب أندرشون عن الحكم عام 1991 وكانت الساحة الإقليمية في المنطقة العربية مزدحمة بالأحداث وخاصة في العراق مما دفع أطراف النزاع العربي/الإسرائيلي إلى مؤتمر سلام جمع العرب والإسرائيليين في مدريد عام 1991، التي أدت إلى مفاوضات ثنائية فلسطينية – إسرائيلية نتج عنها ومن ثم إلى إتفاقية أوسلو عام 1993.

لم يسلم ستين أدرشون،رغم جهوده السلمية من المضايقات والملاحقات ومن أذى اللوبي الصهيوني في السويد. وفي سؤال كنت قد وجّهته له كوزيرا للخارجية بهذا الخصوص في 19 تشرين الأول/ أكتوبرمن عام 1989 تم نشره في مجلة الأفق الفلسطينية التي كانت تصدر في قبرص هذا نصه:

“الأفق: لقد تعرضت بذاتك في الصيف الماضي لهجوم على بيتك، ووكيل وزارتك السيد بيار شوري تعرّض من قبل المخابرات السويدية “سابو” للتصنت على مكالماته، وإلى تشويه سمعته، وعضو البرلمان المحامي هانس يوران فرانك تعرض مكتبه للسطو والعبث فيه، وسفير السويد لدى فرنسا السيد كارل ليدبوم تم إتهامه بالتعاون مع الإتحاد السوفييتي، والقائمة تطول. إن هؤلاء جميعهم من رجالات الحزب الإشتراكي الديمقراطي وقد أظهروا تفهماً وتعاطفاً مع الشعب الفلسطيني. فماذا تعلق على ذلك؟

ستين أندرشون: لاأريد في الحقيقة أن أعلق على ذلك أبداً على الرغم من أن هذه الحوادث يمكنها أن تُرى كظاهرة. إلا أنها حوادث عرضية غير مترابطة وأدت إلى هذا المفهوم، ولا أريد أن أستنبط منها شيئاً، وإن استنبطّ فسأتركه لنفسي ولاأريد البوح فيه.

الأفق: أنت إنتقدت جهاز المخابرات السويدي ” سابو” في الوقت الذي كان السيد فاروق قدومي ضيفك في ستوكهولم هذا العام، وكذا فعل السيد كارل ليدبوم خصوصاً فيما يتعلق بنقطة تعاونهم مع إسرائيل. فهل لك أن توضح لنا هذه النقطة بشيئ من التفصيل؟

ستين أندرشون: لا أريد الغوص بالتفاصيل حول هذه النقطة، إلا أن النقد الذي وجهته لجهاز السابو كان مبررا في كل نقاطه، ويجري اليوم إعادة تشكيلات الجهاز.”

هذا وقد حصل السيد ستين أندرشون على وسام “نجمة القدس” من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في عام 2010 أي بعد وفاة أندرشون بأربع سنوات.

أنّا ليند

عاد الحزب الإشتراكي الديمقراطي إلى الحكم عام 1998 وجاء إلى صدارته شابة ساندت الحق الفلسطيني منذ ترؤسها إتحاد شبيبة الحزب السيدة أنّا ليند، التي جابت سمعتها مستوى السويد والعالم كسياسية جريئة من خلال مواقفها ضد سياسات أمريكا في العراق وسياسات إسرائيل في فلسطين.

دخلت ليند في وزارة السيد يوران بارشون كوزيرة للخارجية. وكان متوقعا من هذه السيدة أن تتحرك حسب ماعودت الساحة السياسية به من جرأة في إحقاق الحق الفلسطيني ونبذ العنف الإسرائيلي. ويذكر لها موقفها من الهجمة الصهيونية الشرسة على مدينة جنين ومخيمها عام 2002.

ركزت ليند في جهودها السياسية على دور الأمم المتحدة في حل قضية الشرق الأوسط ومطالبة إسرائيل بتطبيق قراراتها وخاصة 242 لعام 1967. وفي كلمة لها كرئيسة لاجتماع وزراء خارجية الإتحاد الأوربي في إيطاليا بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر من عام 2003 ردا على تقديم السيد محمود عباس إستقالة وزارته بقولها:

“إن تعنت إسرائيل في مواقفها، وعدم تراجعها عن تصلبها وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم تقديمها شيئا مفيداً لحكومة السيد محمود عباس في خدمة الشعب الفلسطيني، واستمرارها في عملية توسيع الإستيطان على الأراضي المحتلة، ومواصلتها بناء جدار يحيط بالمدن والقرى والتجمعات البشرية الفلسطينية وقيامها بعمليات إعدامات واغتيالات لقادة حركة المقاومةالإسلامية “حماس” كلها أمور لايمكن السكوت عنها، وهي ضد عملية السلام.

ويبدو بأن مواقف هذه السيدة السويدية الجرئية أزعجت العدو الصهيوني الذي استدعى حتما لمقتلها بظروف غامضة بتاريخ 10 أيلول 2003 على يد شاب قيل أنه معتوه.

صعد التكتل البرجوازي إلى سدة الحكم عام 2006 وبقي في الحكم حتى عام 2014 ولم تكن هناك مواقف ناقدة لسياسة إسرائيل وسلوكها في المناطق الفلسطينية المحتلة، وباتت إسرائيل وسياسييها في حالة استرخاء تام تجاه السويد.

ومن الواجب ذكره هنا بأن البرلمان السويدي في تلك الفترة قد صوت بأغلبية ساحقة بموافقة 299 صوتا مقابل 20 صوتا للحزب العنصري “ديمقراطيو السويد” وذلك لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لمكتب م ت ف في ستوكهولم إلى بعثة دبلوماسية تتمتع بكافة الإمتيازات والحصانات الدبلوماسية وذلك بتاريخ 28 حزيران/يونيه من عام 2012.

ستيفان لوفين

ومع عودة التكتل اليساري بزعامة الحزب الإشتراكي الديمقراطي الذي يقوده السيد ستيفان لوفين في انتخابات عام 2014 ظهرت طفرت جديدة وسريعة من التأييد السويدي للحق الفلسطيني. فبادر لوفين وبمجرد تشكيل حكومته بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 2014 بالتصريح بالإعتراف بدولة فلسطين، دون المرور بالبرلمان. ستدعت إسرائيل وعلى الفور السفير السويدي لديها للتنديد بما قامت به بلاده. وبهذا كانت السويد أول دولة أوربية تعترف بدولة فلسطين في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام 2014.

مارغوت فالستروم

ردت وزيرة الخارجية السويدية السيدة مارغوت فالستروم بقولها: ” إن قرار إعتراف بدولة فلسطين لايتعارض مع معايير القانون الدولي للإعتراف بدولة مستقلة، وهي أن تكون هناك منطقة إقليمية وشعب وحكومة قادرة على بسط سلطتها داخل حدودها وفي علاقاتها الخارجية، وكل ذلك متوفر لدى الفلسطينيين.”

وبعدها بأشهر قليلة أي في شباط/فبراير من عام 2015 تم رفع المستوى الدبلوماسي للبعثة الفلسطينية إلى سفارة رسمية لدولة فلسطين. حضر مراسم إفتتاح السفارة الفلسطينية في العاصمة ستوكهولم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحضور السيدة فالستروم.

ومن جهته قدم الرئيس عباس وسام الإستحاق والتميّزالفضي للسيد إيفرت سفنسون الذي يقارب عمره من التسعين، ووسام الإستحقاق والتميز الذهبي للمغدور أولوف بالمه وآخرين.

لم يكن لوفين وحده من تصدى للسلوك الإسرائيلي فقد نشأت خلافات شديدة مع إسرائيل من خلال رد الفعل الجريئ الذي عودتنا عليه السيدة فالستروم، التي تتصدر حاليا مشهد الصدام مع سلوكيات إسرائيل، حيث قامت بانتقاد لاذع لإسرائيل التي تتخذ إجراءات عقابية لاتتناسب مع عمليات الطعن الفلسطينية من جهة، وللإعدامات غير القانونية التي ينفذها الجيش ورجال الأمن في إسرائيل ضد الشبان الفلسطينيين من جهة ثانية.

كانت ردة فعل إسرائيل كعادتها قوية بشتيمة لفالستروم، بكلمات نابية، والتلويح بعدم استقبالها رسميا إذا قامت بزيارة كانت مقررة لها لإسرائيل، مما استدعى إلغاء الزيارة كلياً. كما وحاول الإعلام الإسرائيلي توجيه نقد شديد لها على تصريح أفادتني به أثناء إلقاء محاضرة لها في جامعة أوبسالا وتم نشره على عدة مواقع إلكترونية عربية منها “أراب نيهيتر” قالت فيه بأن الشعب الفلسطيني يتمتع بنفس الحقوق التي تتمتع بها الشعوب الأخرى بالدفاع عن وطنه المحتل. ومن جانب آخر فقد وصلت إلى السيدة فالستروم رسائل شكر على مواقفها الجريئة. المواقف التي يتحسب المرء أن تجر على فالستروم عواقب وخيمة، لما عودتنا عليه السلطات الإسرائيلية بسلوكها ضد من يقف في وجهها.

وأخيرا من المفيد ذكره في هذه العجالة بأن الحزب الإشتراكي الديمقراطي يحتفظ منذ ثمانينات القرن الفائت بعلاقة طيبة مع حركة التحرير الوطني “فتح” ، الحركة التي لازال الحزب يعتبرها جزءا من الإشتراكية الدولية ويستقبل من فلسطين وفودا من شرائح مختلفة من الحركة ويرسل وفودا بالمقابل من السويد إلى فلسطين.

خاتمة

مما تقدم يتبين بأن إنقلاب الرأي العام السويدي الشعبي والرسمي من مؤيد للمشروع الصهيوني وفي مقدمته دولة إسرائيل إلى موقف مؤيد للحق الفلسطيني يستند إلى ثلاث عوامل أساسية الأول هو تغوّل الجيش والأمن والمستوطنين الإسرائيليين في الدم الفلسطيني، والثاني هو “هجوم” السلام الفلسطيني، وثالثها تصدر الحزب الإشتراكي الديمقراطي، الذي يتزعم الحكومات ذات التوجهات اليسارية حال ربحه الإنتخابات، وبطبيعة الحال بدعم شبه مطلق من قبل حزب اليسار، الشيوعي سابقا، وحزب البيئة. الجهود التي أدت إلى تذبذب العلاقات بين السويد وإسرائيل صعودا وهبوطا مع تغيير لون الحكومات المتعاقبة على ستوكهولم، زرقاء كانت أم حمراء خضراء. ومن الملاحظ بأن إسرائيل بحالة يقظة دائمة لما يصدر من تصريحات ومواقف سياسية، وخاصة تجاه الحزب الإشتراكي الديمقراطي، بعد أن كان بحالة شهر عسل قبل سبعينات القرن الماضي. ولابد هنا من القول بأن الأحزاب السويدية بجميعها ترفض إستخدام العنف في حل النزاعات، وتنبذ الإحتلال القسري لأراضي الغير والتغيير الجغرافي والديمغرافي لها، وتؤمن بحل الدولتين.

بعض المراجع

1– موسوعة “السويد والقضية الفلسطينية” – الجزء الثالث، تأليف رشيد الحجة 1914صادرة عن شرق برس في رام الله.

2—كتاب “الطريق إلى فلسطين” لمؤلفه إيفرت سفنسون عام 2012

3—كتاب “في المياه الأكثر هدوءا” لمؤلفه ستين أندرشون 1993

4-عدد من المقالات الصحافية.

رشيد الحجة. باحث وكاتب فلسطيني

مقالات الرأي المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس بالضرورة أن تتطابق مع رأي الكومبس