في ذكرى رحيل أبي جنان: لن تكون حُرّاً في حياتك إن لم تتغلب على رهبة الموت

Views : 188

التصنيف

مقالات الرأي:  لن تكون حُرّاً في حياتك، إلا إذا تغلبت على رهبة الخوف من الموت!

هذا ما تعلّمته من قصة حقيقية، وقعت أحداثها في العراق والسويد، وانتهت في مثل هذا اليوم 1 آذار/ مارس، من العام الماضي 2016، في مستشفى مدينة Eskilstuna في السُويد.

بطلُ هذه القصة، هو خالي نجيب حنا عتو ( أبو جنان )، شخصيّة وطنية وشيوعية معروفة في كردستان العراق، استهان بالموت الذي تسلّل إلى جسده على شكل سرطان، وإستّخف به، حتى لحظاته الأخيرة، في مشهد قلّ ما يراه الإنسان، حتى في الأفلام!

خلال أربع سنوات، من انتشار السرطان في جسده، ظّل قويّا عنيداً يمارس حياته بشكل طبيعي، يتحمل الألم بدون أي شكوى، والابتسامة لا تفارقه.

كان يُضفي جو من المرح بين أفراد عائلته، للتخفيف عن هول حقيقة أنه سيموت!

لم يكن يفتعل ذلك إطلاقاً، حتى أنني اندهشت عندما زرته في المستشفى قبل أيام قليلة جداً من وفاته، أنه كان يقرأ كُتباً إلكترونية عن الشعر العربي في عصر الجاهلية، بعد أن كان قد أكمل عمل “الفورمات” لكمبيوتره المحمول على فراش الموت، وكأنه سيأخذه معه، ليواصل نهج حياته في القراءة ومعرفة أخبار الوطن، وهو الذي أفنى عقود من عمره في نضال عنيد من أجل حرية هذا الوطن!

عندما كنت أرافقه في زياراته للأطباء، كانت الابتسامة لا تفارقه أبداً، ويقول للأطباء دائما جملته الشهيرة: “هذا العمر الذي أعيشه الآن كله زائد بعد أن نجوت كذا مرة من الموت في العراق”!

في إحدى المرات سمح الأطباء لي بالدخول معه أثناء عملية أخذ عينة من الخلايا السرطانية في جسمه، وكانت الممرضة تعرض على الشاشة هذه الخلايا، فيما كان هو يبتسم ويؤشر لي بيده عليها ويقول: “خال راح انتصر وأقضي عليها”، وبالفعل لسنوات عاش هذا الشعور بالنصر، وتحسنت صحته في أوقات كثيرة، قبل أن ينال منه المرض اللعين هذا!

قبل أن يموت، طلب من عائلته تكريم الطاقم الطبي في المستشفى بأكلة شعبية، للتعبير عن شكره لهم في رعايته وخدمته!

في مقابل الصورة القاتمة للسياسيين العراقيين الحاليين المتشربين بقيم الطائفية، كان الراحل يجسد في شخصيته وسلوكه اليومي حتى مماته، الشخصية العراقية الوطنية العابرة للتعصب.

كان يُحب السُويد التي قدمت الحماية له ولعائلته في أوقات عصيبة من تاريخ العراق قبل عدة عقود، لكنه آثر أن يُدفن في وطنه، فكان له ما أراد.

 

كاتب المقال ( على يمين القارئ ) مع الراحل ( على يسار الصورة ) قبل أيام من وفاته

 

نزار عسكر

التعليقات

اترك تعليقاً