قراءة في الأعمال الفنية للفنان السويدي بيرتل سوندستيدت bertil sundstedt

Views : 462

التصنيف

الكومبس – ثقافة: ثلاث مرتكزات أساسية تعتمل في ذهن الفنان للبدء بالعمل الفني لاكتمال الصورة الذهنية التي يريد ايصالها الى المتلقي من خلال العمل الفني الذي يسطره الوانا في لوحاته بما يعكس الانسجام والتكيف والادراك والفهم العميق للإحساس الذي يصوره.

 وينعكس واقعا للسلوك الفني له الذي ينحصر في )معرفة الذات، والآخر، والطريق الى الجنة( عبر خارطة من الالوان وخطوط من المشاعر تسبقها استغاثات ومخاضات حبلى بمختلف الحالات لقصص وصور ذهنية يمكن للمتلقي اكتشافها والاحساس بها وقراءتها.

 واذا امعنا في قراءة لوحات الفنان) Sundstedt bertil(يمكن ان نجد نصوصا نثرية وشعرية مرسومة بالألوان والخطوط والمساحات اللونية بلغة داخل اللغة وبمعنيان مرئي ومخفي من خلال دراسة اعماله الفنية من حيث مكوناتها وخصائصها واعتماده تقنيات متآلفة من التجريد الذي يعتمد التعبير اكثر من الوصف باستخدام الالوان

المشرقة او المعتمة حسب رؤاه لكل عمل من تلك الاعمال الفنية، ليروي من خلاله حالة من حالات الحياة ومشاكلها بأسلوب فلسفي تعكس شخصية الفنان او بعضا من جوانب شخصيته.

 بحيث ان النتاج الفني لـ)sundstedt bertil( واستخدامه للألوان يعكس مشاهد الحياة الخاصة به لأنها منبعثة من واقع حياتي حقيقي ، فأعماله وحركة فرشاته في اللوحات شاهدة على ثقافته ونضجه الفني كل ذلك يعكس رؤية حالمة وصادقة ومبدعة هي اقرب الى مفهوم )Utopia(

اي اللا مكان او المكان الخيالي وهي أفكار سامية تتجاوز نطاق الوجود المادي للمكان وتحتوي على أهداف ونوازع العصر غير المتحققة في النظام الاجتماعي القائم، وثمة مفاهيم مقاربة للمعنى الذي يريده مثل : أدب المدينة الفاضلة ولها تأثير التحويل والمثالية التي تؤدي الغرض ذاته كاتجاه في الفكر الاجتماعي يدعو الى المساواة الاجتماعية بين جميع الناس .

يمكن ملاحظة اسلوب المدرسة الانطباعية في اعمال) sundstedt bertil( حيث الاختزال والرقة في البناء الانشائي وغياب الخط الذي يعوض عنه بالمتضادات اللونية التي تبرز الاشكال والالوان والقيم الجمالية ؛ وهناك اعمال لها مظهرين من مظاهر الادراك هما : الادراك العقلي والادراك الحسي ، فالفنان كالشاعر يبحث دائما عن المحجوب او المخفي عن الانظار فيرى مباهج الكمال والجمال.

 لان تحويل الافكار وما يعتمل في النفس الى خطوط ورسوم هي لغة ابداعية لها اساسياتها التي لا تحتاج الى ترجمة لفك شفرتها فالجميع يستطيع ان يفهمها وفقا لما يعتمل في نفسه اضافة الى ما يقوله الفنان بفرشاته عبر لوحاته فهي كما الموسيقى لغة من اجل تحقيق التواصل وتلاقح الثقافات ؛ فالنسق الايقاعي لأعمال الفنان من خلال ما عرضه من اعمال يمكن ادراك نشأته من خلال معرفة موضوعية للأعمال الفنية التي قدمها من حيث الاسلوب الرمزي والتأملي في موضوعاته وتقنياته التي اعتمدها ، فهي اشارة الى التعامل العقلاني في تنفيذ اعماله بحيث يعكس انه ليس فوضويا في تنفيذ هذه الاعمال انما يتمحور اهتمامه في التركيز على اللون والفكرة ووحدة الموضوع في اللوحات.

 وبرغم ان ما استطعت مشاهدته من اعماله تدل على الوعي العقلي للفكرة التي يصورها والحس المرهف بها وانه خطط لتكويناتها الفنية بعناية فائقة الا انه لم يكن موفقا في بعضها وهذا ليس عيبا، فليس بين البشر من بلغ درجة الكمال ؛ ثم إنه كفنان لديه فهما آخر للألوان والتمييز بينها وبن مخزون الذاكرة منها ليقود المشاهد الى المعنى والدلالة التعبيرية في اللوحات من خلال تحفيز المشاهد لتحليل العمل الفني الذي يدفعه الى تكوين القصة او الفكرة التي يراها من منظوره الشخصي كمشاهد.

 وهي قراءة ما وراء ظاهر العمل الفني الذي هو محور كل هذه الافكار والتصورات لـ )sundstedt bertil( الذي يرى كغيره من الفنانين ، ان اللون هو محور الرمزية لان الشعوب تعبر عن ما تشعر به بالألوان كل وفق رؤاه وتصوراته التي تكرست لديه نتيجة الواقع الحياتي لمجتمعه والتي تنعكس لديه كسلوك انساني منتج للمعاني كما الموسيقى ، فالفنان يلجأ إلى التصوير المجرد للفكرة المثالية ، فهل يعد ذلك باعثا لهروب الذات من الواقع المربك الكابوسي والعنيف ؟ ام هل هي نزعة تفاؤلية في تحقيق المرغوب فيه المفقود داخليا وخارجيا )العوامل النفسة( ؟ ام هل هو تمثيل تخيلي

فلسفي وانعتاق من شكلٍ ومعنى الحاضر المستهلك الجامد الذي لا تغيير فيه ؟ فاللون عند )sundstedt bertil( هو وجود حي يعكس التعاطف والتآخي مع محيطه ، حيث تسير الالوان بحرية مع فرشاة انطباعية رقيقة مولدة بحركتها ايقاعات تتفاعل مع بعضها بتناغم جميل وروحانية وخيال وتأمل .

في اعمال )sundstedt bertil( توجود صفتين مجتمعتين الاولى هي الواقعية حيث ينقل لنا بفرشاته الواقع المحسوس والمنظور المتمثل في البيئة السويدية الغنية بمواضيعها وتراثها ، نقلا تأمليا يثير مشاعر المتلقي بعذوبة هادئة وفقا لسياقات المدرسة الواقعية لجوستاف كوربية واستخدم )sundstedt bertil( في تقنياته اصباغ ومواد مختلفة من الزيت والاكريلك

بطريقة عفوية حرة تذكرنا بأعمال بعض الفنانين الانطباعيين مثل سيزان الذي حول الادراك العقلي الى ادراك حسي عندما ابتعد عن التناقضات الحياتية باتجاهه الى الانطباعية او الى الطبيعة اي انه يتلقى المؤثرات الجمالية من الواقع الذي حوله كالشاعر ، فاللون هو احساس حيث نجد الغنائية اللونية والشاعرية العذبة الطروب ولمساة فرشاة رقيقة وهي الصفة الثانية .

من المعروف ان الالوان الرئيسة تتحطم عندما تمتزج مع بعضها وهناك طرق كثيرة في مزج الالوان وتخفيفها وتعادلها وتقويتها وقد كان )sundstedt bertil( مدركا لهذه المعادلات اللونية واهميتها ؛ فهو كأستاذ وصاحب تجربة وخبرة علمية منذ ستينات القرن العشرين الى اليوم في خط تواصلي مستمر دون انقطاع او توقف لم يكن مركا فحسب وانما دقيق في التعامل معها لينقل بأمانة صور الواقع الحياتي الذي يشعر به.

فهو كفنان تشكيلي مرآة حقيقية لواقعه الحياتي الخاص )مشاعره ، معتقداته ، فلسفته( وهو انعكاس واقعي لمجتمعه ، فترجم كل ذلك في اعماله الفنية وبلورها بشكل رمزي وتعبيري في اللون والحركة الثيمية واستخداماتها لتتجلى بصيغة لوحات تعبر عن رؤاه الثقافية والإنسانية وخصوصياته الفنية والمعرفية.

ومن ثم تحول كل ذلك الى اثر بصري يغوص بعيدا في فكرة العمل الفني لتصل إلى حدود المعاني القصوى لتلك الافكار التي تتبلور الى اشكال فنية ترسم صورا ذهنية متناهية العمق لدى المتلقي وبذا يصبح رديف الفيلسوف الا انه يتعاطى مع الحركة والتوزيع اللوني الذي يعكس وقع الزمن والحدث باطنه وظاهره وتأثيره في والروح والجسد بلغة بصرية متفردة تطرح الأسئلة الانسانية العميقة الكبرى مثلا .. لماذا الفنان دائم البحث عن اللانهائي؟

وهل هذا البحث عن اللانهائي هو نزوع إلى الخلود ؟ والسؤال الصعب هو هل حقق الفن التشكيلي الانتشار بين الناس كافة ام انه ظل مقتصرا على الخاصة من المهتمين به ؟

رائد شفيق توفيق

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.