قيم المجتمع السويدي ومبادئه غير قابلة للدهس

منبر الكومبس – من الممكن أن تتغير السويد وألا تبقى كما كانت عليه، قبل عملية الدهس الإرهابية يوم الجمعة الماضية، ومن الممكن أن تزداد الإجراءات الأمنية وبالتالي التضييق على الحريات العامة، ومن الممكن أن تحاول قوى اليمين المتطرفة الاستثمار بهذه العملية وحصد المزيد من الانتشار الشعبي، ومن الممكن أن يزداد الشعور بالذنب والشعور بنظرات الاتهام لناس أبرياء، فقط لأنهم يحملون أسماء وملامح ورموز تشير إلى معتقداتهم الدينية

هذا كله متوقع ولكن معركة الحفاظ على مبادئ المجتمع السويدي وقيمه الديمقراطية والإنسانية يجب أن تبقى ويجب أن تنتصر، فعندما قال رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين بعد يوم على العملية المشؤومه إن “أعداءنا هم القتلة وليس أحد سواهم” كان يريد قطع الطريق على هؤلاء الذين يصطادون عادة مواقف الكراهية والعنصرية في مياه العمليات الإرهابية العكرة، ليحدد بالضبط من هو المجرم ومن هو العدو، بل أن رئيس الوزراء كان أكثر وضوحا في كلمته، التي كانت صادقة وقوية، عندما قال والدموع في عينيه: “القتلة يحاولون زرع الفتنة والفرقة هنا بين الناس، وقد يبدأ البعض بإظهار الكراهية وعدم الثقة بالبعض الآخر، لكن المجرمين ليس لهم أدنى حظ لتحقيق النجاح هنا في السويد”

 هنا لا يستند رئيس وزراء السويد فقط على قوة أجهزته الأمنية ومؤسسات حكومته الرديفة، عندما يؤكد أن المجرمين لا يملكون أدنى فرصة للنجاح بمهمة تفكيك المجتمع، بل يعتمد أكثر بكلامه على القوى الطبيعية للمجتمع السويدي بمبادئه وقيمه وأخلاقه التي تستوعب الجميع. ولأن النجاح يقاس بالنتائج، فمن المتوقع أن يحدث صدام بين قوى المجتمع الطبيعية وبين قوى تحاول الاستثمار بالشر وتصطف إلى جانب من خطط ونفذ هذه العملية، على الأقل حيث وحدة الأهداف.

هناك للأسف من يتصور أن هذا الهجوم الإرهابي أو أي هجوم مماثل قد يشكل له فرصة لتسديد حسابات الكراهية للآخر، وهناك من سيشعر بالذنب أو بموقف الاتهام بتهمة لم يقترفها هو بل لأن اسمه وملامحه تجعله موضع شك، غير مبرر، فهو بالتالي يحاول الدفاع عن نفسه وعن انتمائه الديني بشكل عاطفي مفرط، وأحيانا بشكل حاد لا يخلو من العنف.

المتابع لردود الفعل والتعليقات التي رافقت نشر الأخبار والمواد الإعلامية حول العملية الإرهابية، يلاحظ  غياب مفاهيم أساسية وعامة حول ما يمكن وصفه بالقوى الطبيعية للمجتمع السويدي، ويلاحظ أيضاً وجود مغالطات عديدة وسوء فهم عن كيفية الدفاع عن المجتمع الذي نعيش به.
هناك مثلا من لم يستطع فهم توكيل محامي للمتهم، ووصف السويديين بالغباء! وهناك من طالب فورا بوقف اللجوء بل وبإجراءات عقاب جماعي بتهجير مجموعات أو فئات معينة، وهناك للأسف لم يستطع فهم دور الإعلام في المجتمعات الغربية، أو التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي التي يجب أن يتحمل أي شخص مسؤولية ما يكتبه بنفسه، وهذا يعني أن المسؤولية الفردية هنا يجب أن تزداد وتتحلى بالوعي والإدراك

سائق الشاحنة وبغض النظر عن اسمه وجنسيته ودينه هو مجرم بكل امتياز، وهو بنفس الوقت ضحية لتأثير أفكار هدامة وشريرة، و لأجندات سياسية كبيرة، دون أن يدري.
لا شك ان الثقة بالمجتمع الذي نعيش به وخاصة الثقة بالشرطة ومؤسسات البلد، هو عامل مهم للجميع، لكن هذا لا يكفي، للاطمئنان على عدم استغلال هذه الجريمة البشعة لإحداث الفرقة بين مكونات المجتمع، ما هو أهم من عمل الشرطة وبقية المؤسسات هو: الوعي، الوعي الشخصي لدى أي فرد بأنه جزء من مجتمع يحتضنه وعليه واجبات كما له حقوق

الوعي المجتمعي لا ينفصل عن الوعي الفردي، وهو يتطلب أول ما يتطلب التخلص من عقد الذنب وعقد تعميم التهم والأفكار المسبقة عن الناس فقط لمجرد انتمائهم لدين أو قومية أو عرق معين. وقوى الظلام والتكفير والدمار هي قوى ضد الانسانية وليس لها دين أو قومية أو وطن، وكان للجميع تقريبا نصيب من الوباء الذي تحمله، فهي لم ولن توفر بشر أو حجر

أمس السويد نالت نصيبا من الإرهاب الذي ضرب مدنا أوروبية وعالمية، وهو نفسه الإرهاب الذي يعصف بمدن وقرى ومناطق في الدول العربية منذ أكثر من ست سنوات، مستغلا حالة الفوضى وعدم الاستقرار والانشغال بحروب وثورات ومعارك قد يكون أغلبها بالوكالة، لكنها أدمت وأرهقت فقط الشعوب التي تتحمل فاتورتها.

خطاب رئيس الوزراء يعكس بالدرجة الأولى طبيعة المجتمع السويدي، أو على الأقل ما يجب وما يسعى له المجتمع في أن يكون، لهذا السبب يجب على الجميع عدم الشعور بالقلق، وبنفس الوقت الشعور دائما بالمسؤولية اتجاه الدفاع عن هذا المجتمع ومبادئه وقيمه، لأن هذه المبادئ والقيم هي المقصودة بالدهس وليس فقط أرواح الناس الأبرياء

رئيس تحرير شبكة الكومبس
د. محمود صالح آغا

التعليقات

أضف تعليقاً

تعليق واحد

مع كل الحزن والأسف لكن كلمات رئيس الوزراء كانت في غاية الرقي والتعبير وبغرض الإصلاح ، ونشكر شبكة الكومبس على هذه الجهود لتغطية الحدث متمنين ان يكون هذا الحدث هو الحدث الاكبر والأخير ، وشكراً