ما الذي يحدث في السويد فعلياً

الكومبس – منبر: مفارقات عديدة تشهدها السياسة السويدية في الوقت الحالي، منها صعود شعبية حزب، الـ SD “ديمقراطيو السويد” والذي تقاطعه معظم الأحزاب السويدية، بشكل أصبح منافسا حقيقيا على المركز الأول متقدما على جميع الأحزاب الأخرى.

والأكثر من ذلك فقد حاز رئيس هذا الحزب جيمي أوكيسون، المحسوب على اليمين المتطرف، على أعلى نسبة من نتائج استطلاع حديث، جرى حول السؤال: لمن يمنح المستطلعة آرائهم الثقة من بين رؤساء الأحزاب السويدية. والتي تجاوزت الـ 30 بالمئة، بينما حصل رئيس الوزراء ستيفان لوفين على المركز الرابع بنسبة حوالي 26 بالمئة.
لا تقف المفارقات عند هذا الحد، فقد اقتحمت شعبية هذا الحزب اتحاد النقابات وهو أحد المعاقل التقليدية لليسار السويدي وخاصة لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين، فوفقا لمسح جديد، أجراه مركز الإحصاء السويدي، هناك أكثر من واحد من كل أربعة أعضاء في اتحاد نقابات العمال السويدية، أعربوا عن تأييدهم لحزب ديمقراطي السويد، وتعتبر هذه الأرقام، أكثر بكثير، من مسح سابق، أجري في مايو الماضي. وفي المقابل تراجعت شعبية الاشتراكي الديمقراطي، بين صفوف أعضاء النقابة في المسح الجديد من 40.8% إلى 35.5% حالياً.
التراجع في شعبية الأحزاب يشمل أيضا اليمين التقليدي، فيمكن القول إن حزب المحافظين الموديرات يشهد هو الآخر أوقات سياسية صعبة.
موضوع الاستطلاعات وقياسات الرأي في بلد مثل السويد، تعبر وبشكل معقول عن الواقع، وعن حقيقة مزاج الشارع، ويمكن أن تكون نسب الخطأ بها قليلة، ولكن أرقام هذه الاستطلاعات يمكن أن تتغير، حسب الأحداث وحسب مواقف الأحزاب، إضافة إلى أن التغيرات الكبيرة يمكن أن تحدث ضمن المتعاطفين إما مع أحزاب اليسار وإما داخل صفوف المتعاطفين مع أحزاب اليمين. أي أن فرق النسب بين الكتلتين لا يتغير كثيرا مع الوقت، وعندما تقل أرقام الحزب الاشتراكي على سبيل المثال تتحسن قليلا أرقام حزب اليسار، وعنما ينتعش الليبراليون يمكن ان ينتكس حزب المحافظين.
ولكن بروز حزب ديمقراطيو السويد، في السنوات الأخيرة أخل بهذه القاعدة، لأن هذا الحزب ومع أنه محسوب على أقصى اليمين أخذ يستقطب ناخبين كانوا يصوتون لصالح اليسار، ومنهم أعضاء النقابات.
الخطاب الشعوبي الذي يتقنه حزب ديمقراطيو السويد، استطاع الإيقاع بين الفئات الضعيفة نفسها في المجتمع، عندما قدم نفسه حاميا لفرص العمل، ولامتيازات الرفاهية السويدية، التي يجب أن تذهب للسويدي أو للأوروبي “الأكثر رقيا وحضارة” من اللاجئ والمهاجر من الشرق الأوسط وأفريقيا، حسب معتقداته.
كما استطاع هذا الحزب استغلال تصاعد نسب الجريمة لصالح دعايته التي يعتمد فيها على تخويف الناس من خطر اللجوء والهجرة، وكأن المجرمين هم مجرمون لأنهم من أصول أجنبية، دون الاعتراف بمسببات وظروف تنامي الجريمة بسبب وجود مناطق متضررة وارتفاع في نسب البطالة وغير ذلك.
سعي حزب “ديمقراطيو السويد” إلى ايجاد وتقوية الظروف لخلق خلاف وتناحر بين السويديين محدودي الدخل من جهة وبين اللاجئين  والسويديين من أصول أجنبية، من جهة أخرى، ساهم في أن يحصد الحزب مؤيدين له من عقر دار النقابات التي أنشأت للدفاع عن حق العمال وحمايتهم من استغلال اليمين الممثل لرؤوس الأموال.
خطورة صعود حزب يعتمد فقط على أبواقه الشعبوية وافتقاره إلى الكفاءات والخبرات في مختلف القطاعات والمجالات من الدفاع والأمن والبيئة والاقتصاد والسياسة الخارجية وغيرها، يضع السويد وفي حال شارك هذا الحزب بالسلطة، على مفترق طريق جديد، صحيح أن السويد دولة مؤسسات وأن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان فيها راسخة، ولكن التاريخ يذكرنا بمفارقات كثيرة أدت إلى تغييرات غير محسوبة، دفع الإنسان ثمنها غاليا.
فما الذي يحدث فعليا الآن في السويد؟ هل تتجه البلاد نحو حكم اليمين المتطرف بخطوات ثابتة، أم أن الدفة سترجع بيد الأحزاب التقليدية الكبيرة ، على اعتبار أن الـ SD  مجرد حزب مغمور وشعبيته مؤقتة؟

د. محمود الآغا

رئيس تحرير مؤسسة “الكومبس”

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.