مجهولة الوطن والهوية…

Views : 2280

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: مررت في شارع تسوق يملأه الأتراك، وهناك توقفت لأشتري عصير بارد لأبنتي الصغيرة. اخذت العصير واتجهت إلى الرجل الذي يبيعه، أخرجت عملة تركية من حقيبتي واعطيته. نظر الي وكأنه يبحث في وجهي عن شيء معين، بادلته بنظرة فضول متسائلة عن ما يبحث… لم أطل النظر اليه حتى بادر بسؤال، من أين انتِ؟  

لم أفكر كثيراً واجبته، مولودة في العراق، شبيت في اوكرانيا واستقر في السويد.

قلت ما قلته وظننت إني اعطيت بجوابي أكثر من ما كان ذلك الرجل يريد. لكنه لم يكتف، وألقى علي سؤال آخر،

– هل أنت كردية أم عربية؟ 

-أنا لست بكردية ولا عربية.

– لكن قلتِ انكِ من العراق؟

– نعم أنا وُلدت في العراق.

– إذا أنت عربية…

هذا كان آخر ما قاله وما لم أكن أملك الإجابة عليه، شكرته وتركته يجيب نفسه  بما يريد أن يختار من اجابة.

كيف لي أن أوضح له إني لا أنتمي إلى اي مسمى من تلك التي تحدد الانتماء إلى وطن معين. انا لا أؤمن بالحدود التي تفرق البشر عن بعضهم والتي تحدد انتمائهم من لون البشرة واللغة.

من قال إني عراقية فقط لأني ولدت هناك؟ ومن قال إني سويدية فقط لأني أعيش هناك؟ من قال إني مندائية فقط لأني تواجدت في عائلة تربت على هذه الديانة؟ 

هذا الحوار القصير ذكرني برفيقي المندائي الذي قال لي يوما: ” انتِ لستِ مندائية فقد تجانستِ مع المجتمع السويدي وأصبحتِ منهم”. وايضا تذكرت صديقتي السويدية التي تسألني إذا كنت احتفل بعيد ميلاد المسيح كما يفعل السويديين.

ما الذي يحدد انتمائنا والهوية؟ وكيف لنا ان نسلب من إنسان ما ينتمي إليه على أساس ما نعتقد نحن؟  

ربما لا أكون مندائية من وجهة نظر الكثيرين لأني لا اتبع هذا المجتمع فقط لكي اكون منه. وربما لا اكون سويدية لأني لست بشقراء ولا زرقاء العينين. وربما أنا لست بعربية شرقية لأني لا أكترث للكثير من ما هو موجود في تلك المجتمعات.

لكن ما المانع أن اكون جميعهم؟ 

كيف اطرد الجزء المندائي من داخلي وذكريات جدتي عندما كنت أرافقها إلى ضفة النهر لكي تغسل أواني ” الفافون” وتنظفها حسب ما تنص عليه الديانة المندائية؟ وما الذي يحدد أن كنت أكثر أو أقل مندائية من الذين يتبعون هذه الديانة؟ 

كيف اتجرد من لكنتي الجنوبية العراقية التي أتحدث بها والتي ورثتها عن جدي؟ والمجتمع السويدي الذي احتضنني كجزء منه، هنا أُعطيت حقوق لم امتلكها كامرأة في “وطني العراق”. لغاتي التي أتحدثها، الدول التي زرتها، الكتب التي قرأتها، الاغاني التي استمعت إليها… لا شيء من تلك الأشياء لديها وطن معين. فالشاعر يكتب للجميع بدون تحديد وطني معين، والمطرب يغني للحب لا للهوية…

هويتي هي انا، خليط من الأفكار والمعتقدات واللغات التي في تغيير دائم. انا لا أنتمي إلى اي شيء من تلك الأشياء التي اختارتها الحياة لي. وإنما انتمي لما يمثل شخصي تفكيري وإنسانيتي.  ولا يحق لأي انسان أن يُعرف انتمائي من لون بشرتي، لكنة لغتي او طريقة تفكيري. ولا يهمني إطلاقا أن امتلك جنسية تحدد وطن معين أُنسب اليه. 

انا بنت الأرض، أنتمي للهواء والبحر وضحكة طفل التي لم تتعلم بعد لما يفرقنا.  أنا خليط لا يعرف الحدود وليس له لون أو خاصية. عرفني من انت من الداخل وليس ما تُنسَب اليه، فمهما حاولنا أن نتشابه سنبقى مختلفين. هويتي لا تعرف انتماء. 

ميساء ناجي لازم

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس