مصائب القوم المصدرين للمهاجرين وفوائد القوم المستقبلين لهم

الكومبس – زاوية (ولكن): تفاجأت أمس وأنا أجري مقابلة مع Joel Hellstrand الموظف المسؤول في مكتب العمل، حول دورة إعداد الأطباء القادمين الجدد، عندما صرح لي بأن حوالي 300 طبيب من القادمين الجدد مسجلين لدى مكتب العمل، وذلك بسياق الإجابة على سؤالي المتعلق بمدى الحاجة إلى مثل هذه الدورات. 

هؤلاء الأطباء الجدد، هاجروا من مناطق خارج القارة الأوروبية، معظمهم من سوريا والدول العربية الأخرى. هذا طبعا غير عدد الأطباء الذين استطاعوا الانخراط بالعمل أو التدريب، وهم بالتالي غير موجودين حالياً لدى سجلات مكتب العمل.

حوالي 300 طبيب أغلبهم مختصين وولديهم خبرات عالية هم جاهزين للعمل، سيلتحقون بعدد آخر سبقهم، فقط بعد اجتياز اجراءات حصولهم على مزاولة المهنة، وهذه الإجراءات قد تأخذ سنة أو سنتين فقط على أبعد تقدير.

وهذا يعني أن السويد قد حصلت على موارد بشرية لا تقدر بثمن، خلال فترة قصيرة، ولمن يحب لغة الأرقام يمكن اعطاء صورة عامة عن حجم هذه الفوائد التي حصلت عليها السويد نتيجة مصائب دول أخرى، دول على الأغلب فقيرة لكنها تحملت أعباء تربية وتنشأة وتعليم هؤلاء الأطباء.

في إحدى الجلسات المشتركة مع أصدقاء سويديين، قالت إحدى السيدات إنها لا تنوي إنجاب طفل آخر، لأن تربية الطفل عملية “مكلفة” وعند الاستفسار أكثر عما تقصده هذه السيدة أوضحت أن عملية تربية الطفل من أول ولادته إلى بلوغه سن 18 عاما يكلف الأهل أكثر من المليون كرون، وهذا عدا التكاليف التي يتحملها المجتمع، من مصاريف على المدارس والتأمينات الاجتماعية والمرافق الأخرى.

في مجتمع مثل المجتمع السويدي تبقى مسألة حسابات وأرقام الربح والخسارة، في صلب تطور المجتمع وازدهاره، ومسألة حساب كم يكلف انجاب الطفل لا يعني أن الدولة والمجتمع لا تشجع على الانجاب، بل على العكس، الدولة تشجع، ولكن أنانية وخصوصية الأهل هي التي تحد من بناء الأسر وانجاب الأطفال.

ولنرجع إلى المليون، مليون كرون كلفة الطفل على أهله في السويد عند بلوغه سن 18 عاما، مضاف إليها ملايين أخرى يصرفها المجتمع على هذا الطفل قد تبدأ من الروضة، حيث يكلف كل طفل في رياض الأطفال حوالي 160 ألف كرون في السنه، فيما تدفع الدولة تكاليف باهظة على كل مقعد من مقاعد الدراسة الجامعية في كليات الطب.

عمليات حسابية بسيطة تظهر الفرق بين تكلفة طبيب نشأ ودرس في السويد إلى حين انتظاره لكي يبدأ بدخول دورة الإنتاج ودفع الضرائب، وبين طبيب جاهز، يأتي إلى هنا وخلال سنتين يمكن أن يبدأ بالإنتاج ودفع الضرائب.

لا شك أن قيمة الإنسان لا يمكن تقيمها بأي رقم حسابي، ولكن يجب أن لا ننسى أن دور الدول والحكومات في المجتمعات الغربية، هو دور أقرب لدور القيادة الإدارية لشؤون المجتمع، والإدارة تهتم حتما بمداخيل ومصاريف المجتمعات التي تديرها.

المهاجرون وبكل المقاييس هم عنصر رابح في حسابات المداخيل والربح، في حال تمت إدارة الاستفادة منهم بشكل جيد، وهذا لا ينطبق فقط على الأطباء بل على كل أصحاب الشهادات والخبرات الأخرى.

المهاجرون قوة اقتصادية وفائدة كبيرة للقوم الذين استقبلوهم، بعد ما حل ببلادهم وقومهم من مصائب كبيرة، أهمها استنزاف الموارد البشرية وهجرة العقول. فكما يقال مصائب قوم عند قوم فوائد.

د. محمود صالح آغا

رئيس تحرير شبكة الكومبس