معتز الزهيري: طالب طب يتطوع لمساعدة الكوادر الطبية في محاربة كورونا

معتز الزهيري، مهاجر من أصول عراقية، في الحادية والعشرين من عمره، جاء إلى السويد مع عائلته قبل 9 سنوات وسكنوا مدينة إسكيلستونا غرب العاصمة ستوكهولم. ليتمكن خلال فترة زمنية قصيرة من إتمام مرحلة الدراسة الثانوية بمعدل درجات مرتفع، ثم تحقيق حلمه في الالتحاق بكلية طب جامعة أوبسالا، حيث يقضي فيها اليوم عامه الثالث.

على خلفية انتشار جائحة كورونا، أدرك الزهيري مبكراً أهمية المسؤولية المجتمعية في تجاوز الأزمة. لذا لم يتوان عن التطوع من تلقاء نفسه لمساعدة الكوادر الطبية بمستشفى مدينته في مواجهة المرض على قدر ما تسمح به إمكاناته، دون الالتفات إلى حجم الخطر هناك، ما جعله محط اهتمام بعض وسائل الإعلام المحلية.

لمعرفة المزيد عن مبادرته المميزة، فضلاً عن الظروف الاستثنائية الشاقة التي يعايشها مع زملاءه يومياً داخل مراكز الرعاية الصحية السويدية، التقت “الكومبس” بالطبيب الواعد د. الزهيري وحاورته كما ورد فيما يلي:

ما هي الأدوار التي تؤديها داخل المستشفى.. وكيف توفق بين عملك ودراستك الجامعية؟

يتراوح دوري عادة بين الطبيب المساعد والممرض. حيث أتنقل للعمل يومياً في كافة أقسام المستشفى، بما فيها قسم الحجر الخاص بمرضى كوفيد 19، وفق ما تستدعي الحاجة إلى وجودي، لأساهم قدر استطاعتي في سد الفجوات الناتجة عن نقص الكوادر الطبية بشتى المجالات.

إن ساعات عملي محكومة دائماً بجدولي الدراسي، فأنا أدرس في الجامعة نهاراً حتى الساعة 16:00 مساءً، ثم أتوجه مباشرة إلى المستشفى للعمل حتى الساعة 23:00 ليلاً. كما أشغل أحياناً، نوبات العمل الليلية التي تمتد حتى طلوع صباح اليوم التالي.

أنا حريص دائماً على العمل أكثر عدد ممكن من الساعات، باذلاً كل ما أملك من جهد في سبيل تقديم الدعم الملائم لهذه الكوادر الطبية.

ما الذي دفعك إلى التطوع في مثل هذا الظرف الصحي الخطر؟

تعد محافظة سودرمانلاند إحدى أكثر المناطق تضرراً بجائحة كورونا على مستوى البلاد. كما أنها مدينتي ومحل إقامتي التي أجرؤ على اعتبارها مسقط رأسي هنا في السويد. من هنا ظهرت الحاجة الملحة إلى التطوع. لقد أقدمت على الأمر دون لحظة تردد، مراعاة للوقت الحرج الذي نعيشه وسعياً إلى تجاوزه سريعاً من خلال التعاون. إنه واجب إنساني واجتماعي يحتم على كل شخص أن يشارك به قدر استطاعته وإمكاناته.

كيف هي أجواء العمل لديكم في المستشفى؟

هناك معاناة كبيرة في المجال الطبي إزاء كثرة حالات الإصابة بفايروس كوفيد 19، خاصة داخل أقسام العناية المشددة. ما خلَّف ضغطاً نفسياً وتوتر اً شديداً بين العاملين، لا سيما أننا نعاني شحاً في المعدات والكوادر. أنت تحاول وقاية نفسك من الإصابة بالعدوى أولاً وعدم نشرها بين زملائك أو الحالات المرضية الأخرى ثانياً. عليك أن تكون واعياً وحذراً ومدركاً لأبعاد الخطر وتتصرف هذا الأساس طوال الوقت، فلدينا حالات صحية حرجة مثل مرضى السرطان أو القلب أو الرئة، تستوجب قدراً مضاعفاً من الحماية. ساعات الدوام ذاتها، امتدت لتصبح ما بين 10 إلى 13 ساعة عمل متواصلة، عوضاً عن الساعات الثمانية الرسمية. لقد بتنا نعطي الأولوية القصوى لاستقبال مرضى الكورونا، كما أجرينا تغييرات جذرية في هيكلية المستشفى، حيث اقتطعنا مساحات كبيرة من كافة أقسامها لتوسعة قسم الرعاية الخاص بحالات كوفيد 19.

ماذا تعني تحديداً بنقص المعدات؟

أعني هنا نقصاً في الكمامات والمعقمات والأقنعة والأردية البلاستيكية. توجد بمخازننا الآن كميات كافية منها تغطي حاجاتنا الأساسية، إلا أنها محدودة. لذا فإن استعمالها مقيد دائماً بحالات الضرورة فقط، ما يجعلنا نقتصد في استهلاكها قدر الإمكان وتسيير أمورنا بما يعطى لنا.

ما حجم الإصابات بين العاملين في الكوادر الطبية بالمستشفى؟

إن أعداد الإصابات قليلة نسبياً، ذلك أننا نلتزم الحذر دائماً.

هل تخشى التعرض للإصابة؟

أنا أعلم جيداً أن المرض خطير حياة على الشباب أيضاً وليس على كبار السن فقط. لكن إذا تهرب كل طبيب من أداء عمله خوفاً على حياته فلن تصبح لدينا رعاية صحية ناجحة في بلادنا أبداً. لا أنكر أن في عملنا نسب عالية من الخطر والتعب والتوتر، إلا أن هذا يبقى جزء أساسي من مسؤوليتنا كأطباء. الهدف الأهم بالنسبة لنا حالياً، أن تعم المنفعة على محتاجيها.

هل لاحظت تقصيراً في أداء أفراد الرعاية الصحية مع فئة عرقية أو سنية بعينها؟

لا، لم أشهد حالياً أو في أي وقت سابق للأزمة، تفرقة بين المرضي. لكن هناك حديث يجري، مفاده: أنه إذا جاوزت الحالات كثيراً قدرتنا الاستيعابية، فإننا قد نضطر إلى التعامل مع الأزمة بصورة أكثر عقلانية وبعيداً عن العواطف ونعطي أولوية الرعاية والاهتمام الأكبر إلى المرضى الأكثر قابلية للشفاء على حساب أولئك الذين فقدنا الأمل في نجاتهم كما هو الحال مع بعض مرضى السرطان مثلاً، بغض النظر عن فئتهم العمرية.

إلا أن هذا الإجراء يبقى رهناً بالتعليمات والقرارات التي تصدرها لنا هيئة الصحة العامة وحدها، كونها الأجدر على معرفة ما هو الأفضل للمصلحة العامة.

كيف تقيِّم أداء الكوادر الطبية من ذوي الأصول المهاجرة؟

في مستشفانا أعداد غفيرة من أفراد الكوادر الطبية ذوي الأصول المهاجرة وهم يتمتعون بكفاءات عالية ويؤدون دوراً كبيراً في المساهمة بالتصدي للوباء. أنا فخور جداً لكوني واحداً منهم. لذا أحرص دائماً على أن أغدو نموذجاً مشرفاً يمثلهم في كل مناسبة.

كيف تقيِّم تجربتك هذه كدارس طب؟

أنا استفيد كثيراً وأتعلم أشياء جديدة باستمرار ضمن مجال تخصصي الدراسي، كما تعلمت التكامل والتعاون مع زملائي عبر العمل ضمن فريق. لقد أثريت إثر ذلك حصيلة معلوماتي واكتسبت خبرة عملية كبيرة يندر أن يمتلكها طالب طب في عامه الثالث.

أيضاً تعلمت أن كل مساهمة لها قيمة وفعالية مهما بدت بسيطة. ما جعلني أستشعر مقدار أهمية مشاركتي في المساعدة على تجاوز الأزمة.

كلمة أخيرة إلى قراء “الكومبس” الكرام أناشد الجميع أن يتثبتوا من صحة الأخبار التي يتلقونها قبل تداولها، والحرص على أخذ معلوماتهم من المصادر الرسمية الموثوقة فقط، لا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الجهات غير المسؤولة التي تعج بالأخطاء الطبية والشائعات. كما أناشدهم الالتزام كلياً بالإرشادات الصادرة عن هيئة الصحة العامة السويدية لحماية أنفسنا وعوائلنا من مصاب لا تحمد عقباه، فالأزمة تستوجب منا التعامل معها بجدية تامة، لا سيما أنها تؤذي الصغير بشدة كما الكبير. يجب أن نكون قدوة ومثلاً أعلى دائماً لغيرنا حتى لو ظهر التقصير والإهمال من خلال تصرفات بعض السويديين الأصليين.

حاوره: عمر سويدان

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.