من دمشق إلى بيروت.. محاولة الحياة في عواصم تأكل نفسها

Views : 1126

التصنيف

الكومبس – مقالات: من العراق إلى سوريا فليبيا واليمن.. وأخيراً بيروت، تحاصرنا الأوجاع في بلاد تأكل نفسها. تفعل ما يفعل العاطلون عن العمل، ولا تربي الأمل. دول لم تستطع أن تكون دولاً. كتبنا فيها شعراً ورميناها في الهاوية.

يغوص الناس في التحليل، نترات الأمونيا أم قنابل؟ إهمال أم فساد؟ ولا ننتبه إلى السقوط المعشش في كل زاوية. مدن آيلة للسقوط في أي لحظة، جوعاً أو مرضاً أو حرباً أهلية أو كارثة.

لا يطربني شتم الطبقة السياسية، فالمشكلة أعمق، ولا يبهجني الردح للأنظمة العربية فهي انعكاسنا الأوقح والأوقع.

تمتد الأزمة إلى كل البنى الاقتصادية الاجتماعية، وقبل كل شيء الأخلاقية. في سوريا نشتم النظام ثم نكتشف أن في كل معارض منا صورة مصغرة من مساوئ النظام ومفاسده. وفي لبنان نكتب قصائد هجاء في الطائفية ثم ننتخب زعيم الطائفة الأوحد ونهتف باسمه ونقدم دمانا على مذابح كرامته.

نبكي بيروت الجميلة، بيروت التفاحة، بيروت درويش وخليل حاوي وطلال حيدر وجبران وفيروز. ونصدّق الكذبة. هل بقيت بيروت بيروتاً؟ أم أكل عتّ السياسة والطائفة والترهل جدرانها، وتركها للقمامة بلا كهرباء ولا ماء.

زرت بيروت في 2008، كانت تنهض من ركام الحرب بحثاً عن أمل في المجهول. الحرية والسيادة والاستقلال شعارات مازالت تداعب مخيلتها.

في 2013، كانت مدينة أخرى، متعبة، مرهقة، لا حديث لها سوى الضوء، ليس ضوء مدينة الأنوار، بل أنواء الكهرباء الثقيلة على كاهل المناكفات السياسية. كان أنين اللاجئين السوريين الهاربين من زلزالهم طاغياً في كل زاوية. “الله يحمي بيروت” عبارة تسمعها في كل مكان وكأن خوفاً خفياً من “وحدة المصير” مع دمشق يراود الجميع.

“الشام الله حاميها” كنت أسمع هذه العبارة أيضاً في دمشق أوائل 2011. كان إحساساً جمعياً عميقاً بأن الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية للحماية كلها غائبة، ولا بديل عن حماية إلهية لكي ننجو. ولم ينجُ أحد.

لا يرعبني الموت ونحن أبناء ثقافة تحتفي بالموت أشد من حفاوتها بالحياة.

لا يرعبني استنجاد بعض اللبنانيين بماكرون وقد رأوا فيه مخلّصاً عائداً من زمن الانتداب الذي بتنا نترحم عليه بمرارة.

يرعبني تبادل الشماتة على وسائل التواصل بين من يعيشون القهر نفسه والوجع نفسه.

يرعبني تبادل الشتائم باسم الطائفة والدين والجغرافيا بين شباب صغار يبحثون عن الله وجنته في إلغاء الآخر وتحقيره.

ترعبني تلك الثيمة العربية المعششة في زوايا انتفاخنا الفاشي الكذّاب “اعرف مع مين عمتحكي”.

يوجعني نقاش السويديين وهم يفكرون في الديون التي سيتركونها للأجيال المقبلة جرّاء مساعدتهم الاتحاد الأوروبي. وأسأل نفسي أي دولٍ نتركها لأجيالنا المقبلة لا أي ديون!

لم تحرك قصيدة أدونيس عن بيروت مشاعري. حركّتها تلك المرأة التي ما زالت تربّي الأمل بإيجاد ابنها “جو” بين أنقاض مرفأ بيروت. كانت تقول شعراً حقيقياً وتمد يدها لا شعورياً في الهواء لتنتشله. أبكتني جملة امرأة سورية تودّع ابنها مقطّعاً تحت قصف همجي ارتكبه سوري آخر “سلّم على أخوك”. كان شعراً أبلغ من كل قصائد أدونيس.

بيروت الجغرافيا، كما دمشق وبغداد، لا تموت، أما بيروت المعنى، فإن لم تكن كل هذه المصائب كافية لأن نعيد النظر كلنا بمفهوم الدولة والمجتمع والحياة والآخر فإننا سنهيل عليها التراب بأيدينا. وها نحن نفعل.

مهند أبو زيتون

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.