من طبيب في السويد إلى عامل نظافة

Close up of male doctor holding clipboard filling up medical form standing in hospital
Views : 11845

التصنيف

لم يكن يتوقع الدكتور (م م) الطبيب العراقي، الذي مارس مهنة الطب في السويد لسنوات، أنه سيضطر في يوم من الأيام للعمل بعيداً جدا عن مجاله ليصبح عامل نظافة، جراء ظلم يقول إنه لحق به.

وصل (م م) إلى السويد في العام 2007 وتمكن بعد 3 سنوات من ذلك التاريخ ممارسة مهنته كطبيب في عدد من المراكز الطبية، آخرها طبيب عام متعاون في مركز صحي خاص، ليستمر في هذا المركز حتى يوم من أيام شهر إبريل 2014 وهو التاريخ الذي غير مسيرة حياته المهنية والاجتماعية.

يقول الدكتور (م م) لـ الكومبس، إنه في أحد أيام ذلك الشهر، زارته مريضة تبلغ من العمر 65 عاما، وطلبت منه الحصول على تقرير، يظهر أنها تعاني من مشاكل في الرقبة والظهر، مشاكل تحول دون قدرتها على استخدام المواصلات العامة، ويؤهلها الحصول على مساعدات حكومية في التنقل بواسطة سيارة أجرة.

وبالطبع فإنه كطبيب كان لابد من إجراء فحص للتأكد من حالتها، ويضيف “لقد طلبت منها خلع القميص، لكي أفحص ظهرها وهو ما يتطلب لمس الظهر والرقبة، ومعرفة مدى قدرتها على التحرك، كما طلبت منها الاستلقاء لفحص أعصاب القدمين وهي إجراءات يقوم بها أي طبيب في مثل هذه الحالات”

ويؤكد الدكتور (م م) أنه فعلا وجد أن المريضة، تعاني من مشاكل تحول دون قدرتها على المشي أكثر من 50 متراً متواصلة، وعلى هذا الأساس كتب لها التقرير الطبي المطلوب.

الفصل من العمل بتهم التحرش

 بعد مرور عدة أيام على تلك الزيارة، تفاجئ الطبيب بإبلاغ إدارة المركز الطبي الخاص له، بأن هناك شكوى ضده من إحدى المريضات، تتهمه بالتحرش الجنسي عبر محاولة حضنها من الخلف وتقبيلها على رقبتها.

تسببت هذه الشكوى وما تبعها من إجراءات إدارية سريعة بفصله من عمله في المركز ويقول (م م) في هذا الإطار، إن الإدارة طلبت منه ترك العمل، وفقا لشروط العقد بينهما، والذي يخول لها بأن تطلب منه ترك العمل في أي وقت، معتبراً أن إدارة المركز لم تكن تريد اجراء تحقيق أو إقحام الشرطة والجهات المختصة بذلك خوفاً من أن تتأثر سمعة المركز على حد قوله.

بعد شهرين على تلك الواقعة، تفاجئ الطبيب بوجود شكوى ضده بالشرطة من قبل المريضة، والتي حققت معه بالتهم المنسوبة إليه في البلاغ والمتعلقة بتحرشه بها ادعت عبرها بأنها جاءت إليه لتشتكي من مشاكل في النوم تعاني منها، وأن ما قام به من إجراءات طبية، تتعلق بالكشف عن ظهرها وملامسة رقبتها، لا تتناسب مع حالتها الصحية تلك، لتتحول القضية بعد ذلك إلى المحكمة. 

حكم بناءً على شعور المحلفين (Magkänsla)

خلال المحاكمة، أثبت محامي الطبيب، أن المدعية “كذبت” في سبب زيارتها للمركز وأنها كانت تخضع لجلسات طب نفسي تدلل على عدم استقرارها النفسي، حتى أنها طبيبتها أكدت بأن المريضة تتناول أدوية تجعلها تتعرض لحالات من النسيان والهلوسة، فضلاً عن ذلك فقد كان ألقي القبض على المريضة في إحدى المرات بسبب قيامها بعملية سرقة في أحد فروع متاجر كوب COOP التجارية.

بعد سلسلة من الجلسات، رأى قاضي المحكمة، أن هناك تناقض بأقوال المدعية وبأنه لا يوجد أدلة كافية على اتهاماتها، لكنه أشار إلى أن هيئة المحلفين في المحكمة لديهم شعور أو ما يعرف بلغة القانون السويدي (Magkänsla) بأنه ارتكب فعل التحرش.

وبناء على ذلك أصدر القاضي في العام 2017، حكماً بتغريم الطبيب العراقي بمئة ألف كرون كنفقات محكمة، ودفع تعويض للمريضة قدره 7 آلاف كرون.

لم يمنع ذلك الحكم، الطبيب (م م) من متابعة عمله، حيث حصل في 2017 على عمل كطبيب متعاون في مركز صحي خارج أوبسالا، واستمر معهم قرابة العام، لكن عندما عرضوا عليه توقيع عقد ثابت معه، كان لابد من التأكد من سلامة سيرته المهنية، وهو اجراء متبع قبل أي عملية تعاقد ثابتة، ليظهر لإدارة المركز وجود ملف له مرفوع من المحكمة لهيئة الشكاوى الصحية (IVO) وهو ما حال دون إكمال العمل معهم أيضا.

رواية الطرف الآخر حسب وثائق المحكمة


حسب وثائق المحكمة التي اطلعت عليها الكومبس، تقول السيدة، إن الطبيب تمادى معها في طرح الأسئلة أولا، وأخذ يستفسر منها إذا كانت تعيش لوحدها أم لديها شريك، وتقول إنه قبلها أولا أثناء الكشف عنها وعندما صدته اعتذر وقال إنه “لا يقصد” لكن الطبيب كرر المحاولة وأراد تقبيلها من الفم، طبعا حسب قولها، لكنها صدته مرة أخرى.
المحكمة اعتمدت على أقوال شهود، لم يشاهدوا شيء، بل حسب ما روت لهم السيدة بعد خروجها من عيادة الطبيب. “الشهود” هم صديقتها وطبيبتها النفسية.
شهادة هاتين الشخصيتين كانتا لصالح السيدة، حيث أخذت المحكمة بأقوالهما، في دعم موقفها.

سحب رخصة الطبيب

لم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، فبعد وصول ملف الطبيب لهيئة الشكاوى، صدر قرار منها بسحب رخصة مزاولة المهنة في 31 مايو 2018، رغم أن اتخاذ مثل هكذا قرار غالباُ ما يكون متعلق بارتكاب جرم كبير، وليس كما في حالته، الذي صدر الحكم فيها بناء على ما يعرف بشعور المحلفين على حد قوله.

ضاقت الدنيا بالطبيب العراقي، الذي وجد نفسه عاطلا عن العمل، وهو الأب لخمسة أطفال، ومنبوذا في مهنته، لجرم يقول إنه لم يرتكبه، وظلم لحق به، خاصة أن المحكمة نفسها أشارت إلى عدم وجود أدلة على فعلته تلك.

وفي شهر إبريل الماضي من هذا العام، قدم الطبيب طلباً لهيئة الشكاوى لاستعادة رخصته، لكن كان الرد منها، أنه لابد من مرور سنتين على الأقل، يثبت بعدها أن سلوكه قد تحسن ويقول هنا:” عندما سألتهم كيف اثبت ذلك قالوا لي هذه ليست مشكلتنا”.

يعتبر الطبيب (م م) أن قضيته عادلة، وأن ظلماً لحق به، لعدم استناد قرار المحلفين ومن ثم هيئة الشكاوى الصحية على دلائل.

وختم حديثه معنا ” لم أظن يوماً أن جهدي ودراستي وخبرتي ستذهب يوماً سدى وسأضطر للتكنيس والتنظيف كي أؤمن لقمة عيشي لي ولعائلتي، بسب ذنب لم اقترفه”

قد يحصل “الظلم” حتى في أكثر المجتمعات عدلاً وتقدماً

هذا المقال مبني على رسالة وصلت لهيئة التحرير، وعلى وثائق المحكمة، لذلك فهي ليست تحقيق صحفي، ونحن ننشرها اعتقاداً مناّ أنه حتى في أكثر المجتمعات عدلا ورفاهية، يمكن أن يحصل ظلم نتيجة سوء فهم وتضارب في تفسير القوانين، أو نتيجة الأحكام المسبقة والنمطية.
قد يكون من الصعب، الخوض بقضية يتشابك بها البعد القانوني مع أبعاد أخلاق المهنة ولكن نحن أمام قضية تبين جانب غير مشرق من قوة العدالة، فهل من المعقول أن تتحطم حياة إنسان لمجرد أن هيئة المحلفين لديهم شعور من بطونهم بأن المتهم اقترف ذنب ما؟ خاصة أن الأدلة جميعها لصالحه، على الأقل حسب قوله. وهل من المعقول أن يحكم المجتمع على ما حكم عليه المحلفون من خلال الشعور من بطونهم؟
ليس انتقاصاً من مهنة التنظيف، فهي مهنة ليست معيبة، بل مهنة شريفة لا تقل أهمية عن أي مهن أخرى، خاصة في السويد، والعديد منا نحن القادمون من بلدان أخرى، اضطررنا للعمل بها وبغيرها، لكيلا نعتمد على المساعدات الاجتماعية. ولكن حتى في السويد عندما يتحول طبيب إلى عامل نظافة، فهذا موضوع يستحق البحث والتناول، خاصة تحت بند: لماذا يمكن أن يتحول المجتمع الديمقراطي، أحياناً إلى دكتاتور ظالم.