من يتحمل مسؤولية عدم وقف الاعتداءات ضد سيف و صقر؟

Views : 2702

التصنيف

الكومبس – قضية في رسالة: علي مهاجر عربي عديم الجنسية، أو “بدون” كما يطلقون عليه في دولة الكويت، يبلغ من العمر 43 عاماً، وصل إلى السويد رفقة زوجته وأبناءه الخمسة سنة 2015.

يروي علي في هذه الرسالة لـ “الكومبس”، تفاصيل التنمر والاعتداءات التي يتعرض لها ولداه في مدرسة Svalebo skolan، في مدينة VEBERÖD وكيف أن المدرسة والجهات المسؤولة لم تضع حداً لها، حتى اللحظة.

الكومبس تنشر هذه الرسالة، للتذكير بأن هذه الممارسات تحدث للعديد من أطفال المدارس، بغض النظر عن ما إذا كانوا مهاجرين، أم لا، لكن المشكلة الحالية، تعكس حالات كثيرة أخرى مشابهة تردنا من عائلات مهاجرة، تتعرض الى مضايقات عنصرية لمجرد أنهم جاؤوا الى السويد من الشرق الأوسط!

يقول علي: ” في شهر أغسطس/ آب من سنة 2018، انتقلت مع عائلتي، إثر منحنا حق الإقامة، للسكن في مدينة فيبيرود، التابعة لمحافظة لوند.

لم يكد ولداي الكبيران، سيف (13) عاماًوصقر (14) عاماً، يستأنفان دراستهما في المرحلة الإعدادية بإحدى المدارس المجاورة، حتى أصبح كلاهما يتعرضان إلى التنمر والاعتداء اللفظي من بعض زملائهما، ويجدان ملابسهما المعلقة خلال حصص الرياضة ملقاة على الأرض، أو يتعرضان لسرقة مفاتيح خزائنهما بصورة متكررة، إلى جانب السخرية من مظهر سيف على وجه الخصوص، نتيجة وجود بقعة خالية من الشعر في رأسه منذ الولادة.

 عندما أخبرني الولدان بالأمر، ناشدت إدارة المدرسة أكثر من مرة، للتدخل وحل المشكلة، إلا أن كل محاولاتي باءت بالفشل.

في صباح أحد الأيام، دار عراك بالأيدي داخل باحة المدرسة بين سيف وولدان أخران، أحدهما في نفس سنه والأخر يكبره تقريباً ثلاث سنوات.

 إلى هنا تبدو القصة مجرد خلاف عادي بين بضعة مراهقين، غير أن ابني فوجئ برجل بالغ معه كلب، يمسك بتلابيبه ويهزه يميناً وشمالاً بعنف شديد حتى تمزقت سترته، ثم راح يسحبه إليه عنوة، محاولاً تحريض كلبه أيضاً على مهاجمته.

 لما استطاع ابني الإفلات، رفع الرجل كلتا قبضتيه كالملاكمين، مردداً: تعال.. هل تريد مقاتلتي؟ هنا اكتشف الفتى أن الرجل ليس سوى معلم في ذات المدرسة، ففر باكياً بسرعة واتصل بي يبلغني ما جرى. رغم أن أحداً من أعضاء إدارة المدرسة لم يكن حاضراً وقت الحادثة، غير أني لدى تقدمي بالشكوى، اعتبر الجميع رواية ابني محض مبالغة، مؤكدين أن المعلم كان يسعى لفض الشجار الدائر بين الأولاد لا أكثر. عندما جربت توجيه شكواي ذاتها إلى بلدية لوند، أبلغني الموظف المسؤول أن المشكلة لا تقع ضمن نطاق اختصاصهم وعلي اللجوء مجدداً لإدارة المدرسة.

تماماً كما فعلنا في المرات السابقة، لم نعرف كيف نتصرف، فآثرنا التزام الصمت والنسيان، حرصاً على عدم وقوعنا في مزيد من المشاكل.

يهاجمون البيت والشرطة تطلب الاحتماء منهم

مع حلول شهر نوفمبر سنة 2019، اتخذت حوادث الاعتداء علينا أبعاداً جديدة، إذ باتت تصل إلى حساب صقر الشخصي على تطبيق “سناب شات”، تعليقات وصور عدة، مرسلة من مجموعة الأولاد عينها، تحوي عبارات ومعاني عنصرية بالغة البذاءة، ذات طبيعة عرقية ودينية، ثم تفاقم الوضع سريعاً، ليصل حد التهديد بضربه، عبر الاستعانة بأولاد يكبرونه سناً وحجماً.

ليلة الجمعة التالية، عند حوالي الساعة الثانية فجراً، ورد اتصال لصقر من أحد أولئك الأولاد، يبلغه أنهم في انتظاره جميعاً أمام باب منزلنا ويتحداه للخروج والعراك معه، اختلست النظر من النافذة ورأيت 5 أشخاص تقريباً، فاتصلت من فوري بالشرطة لمساعدتنا، إلا أنهم طلبوا مني الاحتماء داخل منزلي وإعادة الاتصال إذا تكرر الأمر.

صباح الإثنين، اتصل بي صقر من المدرسة وكان في حالة نفسية يرثى لها، حيث أخبرني أن الأولاد أحاطوا به أمام مبنى الإدارة على مرأى ومسمع من المعلمين، مهددين بضربه ويدفعونه بينهم، فلما حاول الدفاع عن نفسه، أمسك به أحد المعلمين واقتاده إلى مكتب المدير. انطلقت إلى المدرسة على عجل وأعربت لنائب المدير عن استيائي من طريقة تعامل الطلبة والمعلمين مع أولادي، فوعدني بمناقشة الأمر معهم، طالباً مني اصطحاب ابني للمنزل والانتظار إلى حين تحديد موعد لمقابلته.

“المدرسة لم تفعل شيئا”

بعد يومين تحديداً، اتصل نائب مدير المدرسة يدعوني للاجتماع به كما وعد. إلا أني لدى وصولي غرفة الاجتماعات، فوجئت بعدم وجود المعلم الذي كان شاهداً رئيساً في المشكلة، لكن مفاجأتي تضاعفت أكثر عندما تجاهل نائب المدير سبب اللقاء وراح يعرض على سجلات حضور وغياب ابني، كأنما يحاول إقناعي أن صقراً ليس ذاك الفتي الطيب كما يدعي، أبديت بالغ احتجاجي على اعتبار أن الأمر يحتمل التأجيل إلى ما بعد مناقشة قضيتنا الأساسية التي اجتمعنا هنا خصيصاً من أجلها، غير أن نائب المدير تمسك برأيه، مصراً على إنهاء ما بدأه أولاً.

 لما تطرق بحديثه أخيراً إلى الحادثة، أكد لي أنه سأل أولئك الأولاد شخصياً عن سبب فعلتهم، فاتفقت شهاداتهم جميعاً أن ابني من بادرهم السب والشتم، فاستنكرت قوله، مذكراً أني سبق وشكوت له تصرفات نفس الطلبة وعرضت عليه رسائل تهديداتهم قبل هذه الحادثة مرات عديدة، كما أنه لم يحرك ساكناً لحل أية مشكلة طوال الأشهر الماضية، فإن كان ابني البادئ بالإساءة دائماً، لماذا يكون الشخص الوحيد الذي يتقدم بالشكوى؟

لم يجد نائب المدير ما يبرر به قوله، فطلب من ابني عدم التعرض لهم مجدداً ومحاولة الابتعاد عن أماكن تواجدهم قدر الإمكان، موصياً أن يسارع إلى إبلاغه شخصياً عند حدوث أية مشاكل جديدة. قبلنا كلامه على مضض، ثم اقترحت تحديد لقاء مماثل يجمعنا بالطلبة وأولياء أمورهم في محاولة لتنقية الأجواء وعقد صلح بين الطرفين، سوى أن المدير قابل فكرتي بالرفض.

رغم كل ذلك، لم تتوقف الاعتداءات على ابني طوال الأيام الخمسة التالية، فكان يسارع لإبلاغ نائب المدير بما جرى تماماً كما أوصاه خلال الاجتماع الماضي، غير أن الرجل ما انفك يأمر الفتى العودة إلى صفه، دون اتخاذ أية إجراءات، ما شجع الأولاد على التمادي والتهديد بضرب صقر. فاتفقنا أن يلزم ابني المنزل، حتى تجد الإدارة حلاً مناسباً.

بعد 5 أيام تقريباً من الانتظار، استدعانا نائب مدير المدرسة لمقابلته، حيث عرفني بشخص يدعى كاسبر، موضحاً أنه سيكون مرافق صقر الشخصي خلال ساعات الدوام الدراسي وسيشهد على أية تصرفات عدوانية تصدر عن كلا الطرفين. بداية الأمر، أبدى صقر احتاجه على الفكرة، بدعوى أنها لا تمثل حلاً جذرياً للمشكلة وستجلب له مزيداً من السخرية والمضايقات، بيد أني أعلنت موافقتي دون اقتناع حقيقي، حتى لا يقال لاحقاً أني “طلبت الحلول، ثم رفضتها لما أتوا بها”. لكن توقعات ابني سرعان ما أثبتت صحتها كما أخبرنا تماماً، إذ راح الأولاد يوجهون له إشارات نابية بأصابعهم على مرأى من مرافقه. الأدهى من ذلك، أن الإدارة نفسها لم تبد أي اهتمام يذكر إثر شهادة المرافق لصالحنا.

كان الاتفاق بيننا قائم على عدم ذهاب صقر إلى المدرسة إلا بوجود مرافقه، لذا، عندما حصل هذا الأخير على إجازة مدة أسبوع، اضطر الفتى للبقاء أيضاً في المنزل. ما جعل ثلة المراهقين توجه أذاها نحو شقيقه سيف، حيث اتصل بي الفتى قبل عدة أيام، يرجوني الحضور، ذاكراً أن 15 طالباً تقريباً أحاطوا به وقت تناول الطعام وأمروه بالخروج إلى الباحة لضربه، فطلبت منه الاحتماء بأحد المعلمين حتى قدومي إليه. عند دخولي ساحة المدرسة، رأيت حوالي 50 طالباً محتشداً أمام مبنى الإدارة، فما كاد يلمحني نائب المدير، حتى أقبل علي يهدئ من روعي ويصر على اصطحابي إلى مكتبه، متجاهلاً طلبي المتكرر بإحضار ابني، الأمر الذي أصابني بالقلق أكثر وجعلني أظن سيفاً تعرض لمكروه لا محالة.

 في الإدارة، وجدت ابني جالساً مع مديرة المدرسة ومعلم ما يستجوبانه، سألته إن كان تعرض إلى الأذى فنفى ذلك وصارحني بخوفه، عندما استفسرت منه عن السبب، أخبرني أنه عقب إنهاء مكالمته معي، نجح في الفرار والاحتماء داخل مبنى الإدارة، إلا أن أحد المعلمين لحق به، زاعماً رؤية بعض الطلبة له يحمل سكيناً وتهديدهم بها، لكن الفتى أنكر ذلك تماماً واتهمهم بالكذب، موضحاً أن فراره خوفاً من بطشهم كان سبب لجؤه إلى الإدارة أصلاً وناشد المعلم تفتيشه شخصياً حتى يتأكد من صدق كلامه، الذي نفذ الأمر فعلاً ولم يجد معه شيئاً.

هنا تدخلت في الحديث وأفهمت مديرة المدرسة، التي أقابلها لأول مرة، حيثيات مشكلتنا منذ البداية، كما أوضحت لها أني تواصلت سابقاً مع إدارتها 8 مرات وأبلغت الشرطة 6 مرات بخصوص اعتداءات نفس المجموعة على ولداي دون طائل، متوعداً تحرير محضر رسمي في قسم الشرطة، غير أنها طلبت من التمهل، بدعوى أن الدورية قادمة إلى هنا بالفعل. انتظرت ساعة تقريباً، لكن أحداً لم يأت، ما جعلني أدرك أن المديرة تماطلني، فتركتها واتجهت رأساً إلى الشرطة للإبلاغ بنفسي.

إثر تحريري المحضر، سارع مكتب الشؤون الاجتماعية الذي سلمته الشرطة نسخة منه، إلى استدعائي رفقة سيف للاستفسار بشأنه، لما أحطتهم علماً بالتفاصيل، أوصوني ضرورة إبلاغ إدارة المدرسة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

 مضيت إلى نائب المدير وأخبرته بالمستجدات، فأكد لي عزمه قريباً على عقد اجتماعين منفصلين، واحد لعائلتي وأخر لأهالي الأولاد. مجرد خروجي من باب المدرسة، صدمت لدى اعتراض عدد من الشباب لطريقنا والبصق علينا مع رفع أصابعهم بإشارات نابية أمام وجوهنا. كانوا جميعاً دون السن القانونية، ما تركني عاجزاً عن التصرف، فقررت الرجوع إلى الإدارة لإبلاغها مجدداً بما جري، إلا أنا فوجئنا برجل بالغ يسعى ورائنا، طالباً منا التوقف، ثم أمسك ابني موجهاً كاميرا هاتفه إليه، طالباً منه أن يشتمه. فككت ابني من يده ومضيت نحو الإدارة متجاهلاً نداءاته واستفزازاته. لكن نائب المدير صارحني بعجزه عن فعل أي شيء، مقترحاً تقديمنا شكوى جديدة للشرطة.


نماذج لرسائل المضايقات التي تعرض لها الطفليين سيف و صقر

افتراء يتحول الى قضية رأي عام

ذات نهار، صدمت لدى قراءتي خبراً على موقع “يونيكوم” المختص بشؤون المدارس، يفيد أن طالباً في مدرسة أولادي، هدد زملاءه بواسطة سكين.

تبادرت معلومة نشر الخبر إلى إدارة المدرسة كذلك، ما جعلهم يتصلون بي أول مرة عبر مترجم، طالبين مني الحضور مع جميع أفراد العائلة، فرفضت، مبرراً ذلك بتعرضي للإذلال والمهانة آخر مرة جئت فيها المدرسة. ناهيك أن الإدارة امتنعت عن مساعدتي حين استنجدت بها. في المرة الثانية، اتصلت بي المديرة شخصياً، عارضة على التباحث لحل المشكلة، فقبلت. غير أني عبرت لها عن عجبي من اهتمامها المفاجئ بإرضاء عائلتي، بعد أن تجاهلت شكوانا وغطت في سبات شتوي عميق قرابة عامين كاملين، كما سألتها عن دوافع تدمير سمعة ولد قاصر وتشويه صورته والتشهير به، من خلال نشر خبر كاذب عنه على موقع “يونيكوم”. فأخذت تبرر موقفها بأني أسأت فهم مضمون الخبر، مؤكدة توضيحها شخصياً للأهالي، أن مسألة السكين ليست سوى محض ادعاءات عارية عن الصحة.

إلا أن الخبر مع الأسف، انتشر فعلاً وتداولته عديد وسائل الإعلام المحلية، إلى درجة أن أهالي المدينة باتوا يرمقونا بنظرات ملئها البغض كلما قابلونا، بينما شرع معارفنا يتصلون للاطمئنان علينا.

قبل أسبوعين تقريباً، دخل علي سيف واخته الصغرى، التي تبلغ من العمر 7 سنوات فقط وتعاني داءً في القلب، ليخبراني برعب شديد، أن بعض الشبان ساروا خلفهما منذ غادرا المدرسة حتى لحظة وصولهما إلى البيت، كما أن أحدهم كان يلوح بسكين في يده ويردد عبارات مستفزة لسيف، محاولاً افتعال شجار معه. خرجت إلى الشارع على الفور لأستطلع الأمر، فأسرع الشبان بالهرب بعيداً لما رأوني.

تلاها بثلاثة أيام، تلقى صقر رسالة نصية من شخص ما يفتري عليه ويصفه بالقذر، مهدداً أنه يعرف الطريق إلى محل سكنه، إذا ما تجرأ مرة أخرى على لمس، أو تهديد ابنته. فطلبت منه حفظ الرسالة مع صورة الخبر الكاذب المنشور عنه، حرصاً على تقديمهما سوياً إلى الشرطة.

أيضاً تعرضت مؤخراً إلى تهديدات عنصرية أثناء عودتي منهكاً من التسوق، حيث كمن لي رجلان في نفس سني تقريباً بين ظلال الأشجار المنتصبة على بعد خطوات قليلة من منزلي، ثم برزا أمامي فجأة لما أصبحت على مقربة منهما واستوقفاني مستفسران عن وجهتي ومحل سكني بدعوى أنهما رجلا شرطة، كما أنذراني بعدم السير في ذات الطريق مجدداً إذا أردت السلامة لنفسي، فادعيت الامتثال لأمرهما خوفي من تعرضي للضرب وانطلقت مسرعاً إلى البيت”.

“لا أحمل في قلبي للشعب السويدي سوى الحب”

وختم علي: “رغم كل ما جرى، مازلت لا أحمل في قلبي للشعب السويدي إلا كل حب وامتنان على ضيافتهم الكريمة لنا ومنحنا إقامة ومنزلاً جميلاً يأوينا. لكني أناشدهم ألا ينجرفوا وراء الخطاب العنصري، الذي يحاول تصوير اللاجئين جميعاً كأنهم بلاء حل ببلادهم، لأننا مثل بقية الأمم، منا الصالح والطالح، نخطئ أحياناً ونصيب، كما أننا لم نأت إليهم إلا فراراً من الظلم الذي لقيناه في أوطاننا، لا نبغي سوى أمن واستقرار وحياة الكريمة، فلا تسمحوا لأحد أن يسلبكم نقاء نفوسكم الذي عهدناه فيكم وتصنعون بنا ما صنع أهل الشر في مجتمعاتنا.

لقد أثرت الأحداث السابقة على مستوى تحصيلنا الدراسي جميعاً، كما حالت دون مقدرتنا على الاندماج والعمل لخدمة المجتمع، إن القلق ينهش قلبينا أنا وزوجتي بشكل دائم على سلامة أولادنا، حتى أني حرمت نعمة النوم ليلاً خشية تعرضنا لاعتداء، أو قيام شخص ما بإحراق منزلنا ونحن غافلون.

إننا اليوم إذ نعرض قضيتنا على الرأي العام عبر منصة الإعلام الحرة هذه، يحذونا عظيم الأمل أن نلقى بين وارد الحلول والأفكار والآراء والاقتراحات، ما يساعدنا لاحقاً على اتخاذ القرار الأنسب لإنهاء معاناتنا”.

قسم التحقيقات

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.